3 جمادي الاول 1444 هـ   27 تشرين الثاني 2022 مـ 7:30 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات في القرآن الكريم |  القرآن الكريم ورحلة الحفظ... من الوحي الى الصدر المحمدي وصولا لما بين الدفتين
2022-04-27   137

القرآن الكريم ورحلة الحفظ... من الوحي الى الصدر المحمدي وصولا لما بين الدفتين

أن يكون القرآن الكريم ـ وهو الكتاب الخاتم لأخر حلقة من حلقات الأديان السماوية ـ مسطورا ومكتوبا ومنسّقا ومحفوظا بشكلية معينة لا تقبل التزوير والتزييف، إنما هو أمر ضروري يحتمه المنطق ويثبته العقل بالدلائل والحجج العلمية، العقلائية منها والروائية، خصوصا وأنه ـ القرآن الكريم ـ يمثل الضابطة التي تضبط غيره من الكتب التي مسها الزيف او تناولتها الأقاويل على أقل تقدير، فضلا عن ضرورة جمعه وبالتالي حفظه لكل الأجيال البشرية كمنتهى للكتب السماوية.
وحديثنا عن جمع القرآن وتنصيصه بين دفتين أثنيتن؛ مفهرسا حسب آياته وسوره ـ التي لكل منها ضرفها وزمنها بل وأسباب نزولها ـ في زمن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، هو الأخر أمر ثابت وراسخ ومتواتر المفهوم والمضمون؛ لدى المسلمين ـ مع شذوذ نفر قليل منهم ممن تحدث عن جمعه في غير زمن النبي بسنوات قلائل ـ حيث أجمع علماء المسلمين على جمع الكريم في زمن من نَزَلَ على صدره ـ الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله ـ وذلك بطريقتين اثنتين، الأولى من خلال حفظه في الصدور ـ صدور اهل بيت النبي وصحابته المقربين ـ والثانية من خلال جمعه في كتاب مادي ملموس (مسطور وممتون بسطور ومتون، بل ومجلّد بهيئة ـ دفتين ـ تجمعه وتحفظه من التناثر والتلاعب).
وقد تبين باليقين لكل باحث موضوعي منصف، ولكل مسلم عارف بدينه، أن القرآن الكريم الذي بين الدفتين، كان قد جُمع في كتاب واحد (على هيئته المتداولة اليوم) في عهد الرسول محمد صلى الله عليه واله، وبإشراف مباشر منه، خصوصا في ترتيب السور ووضع الآيات فيها، وهنالك دلالات وإشارات قرآنية متنوعة تفيد بذلك، لمن يريد التيقن، خصوصا وأن توصيف الله جل وعلا له بـ "الكتاب" أنما فيه ما فيه ـ ولو على سبيل التضمين ـ بأنه مكتوب؛ والأخير يدل على جمعه وتبويبه وثبات صورته ككتاب له نسقية خاصة ومعينة، وهذا خير دليل وبرهان على جمعه.
كما بينت الأدلة الروائية المتواترة على أن القرآن الكريم قد جُمع في زمن الرسول الكريم صلى الله عليه واله، وهذه الأدلة موجودة في تراث المسلمين كافة وبمختلف طوائفهم ومدارسهم الفكرية، عدا بعض الاجتهادات الشخصية الشاذة التي قالت بجمعه في عهد الخليفة السياسي الأول أبي بكر تارة، وفي عهد الخليفة السياسي الثاني عمر بن الخطاب تارة أخرى وفي عهد الخليفة السياسي الثالث عثمان بن عفان، لذلك لا يهمنا شذوذ هذه الاجتهادات بشيء عدا بحثنا في الأدلة التي تثبت جمعه في عهد الرسول صلى الله عليه واله، حيث الدليل العقلي يبرهن أنه لا يمكن أن يترك رسول الله صلى الله عليه واله القرآن متفرقا في صدور الحفاظ أو مكتوبا على جلود الحيوانات أو على جريد النخل أو منقوشا على الحجارة الرقيقة، دون ان يجمعه، خصوصا وأنه كتاب هداية للإنسانية جمعاء وهو ما دفعه لأن يكتتبه من خلال كتبة الوحي ومنهم الإمام علي عليه السلام وغيره.  


الأدلة القرآنية على جمع القرآن في زمن الرسول الأعظم صلى الله عليه واله
النص القرآني، وبوضوح لا غبار عليه، يُثبت بأن القرآن الكريم قد جُمع في زمن الرسول صلى الله عليه واله، وهو ما تؤكده الآية الكريمة ((لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ () إن عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقرآنه () فإذا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ () ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)) (القيامة ـ 16 ـ 19)، وبذلك فأن الله جل جلاله قد تكفل بجمعه وبيانه، وهذا يكفي كأكبر حجة ودليل يعمل به عامة المسلمين، ليضرب بذلك كل اجتهاد شاذ بخصوص جمع القرآن في غير الزمن النبوي.
كما إن عديد الآيات القرآنية تشير هي الأخرى الى أن عملية الجمع تمت في العصر النبوي، ونختار منها على سبيل المثال لا الحصر الآية الكريمة ((كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)) (الأعراف -2). 
ومما لا شك فيه، إن تشكيكات المشركين بصحة النبوة؛ أعطت دليلا آخر جاء بنص قرآني على أن القرآن كان مكتوبا ومجموعا في زمن نزوله، لما شاهدوا كتابا بين يدي النبي الأكرم، حيث أشارت الآية القرآنية وبلسان حال المشككين، وهم يقولون ((وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)) (الفرقان -5) بدلالة لفظة (اكتتبها) بمعنى أن القرآن الكريم كان مكتوبا، ومن باب أولى فأنه مجموع.
من جهة أخرى، فأن آيات قرآنية أخرى تشير الى ان نزول القرآن كان على دفعة واحدة تحت مسمى "الكتاب"، ((وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) (الأنعام - 55) وهو عين ما اشارت اليه الآية الكريمة ((الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)) (إبراهيم -1)، مما يبرهن على أنه ـ القرآن الكريم ـ كان محفوظا بين دفتين اثنتين في زمن النبي الأكرم صلوات الله عليه واله، ناهيك عما أشارت اليه الآية الكريمة ((رَسُولٌ مِّنَ اللَّـهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً () فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ )) (البينة -2-3) إذ أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يتلو صحفا مطهرة، وفيها كتب قيمة، وهذه دلالة قرآنية أخرى على جمع القرآن، ما ينسف من الأصل؛ دعوى جمعه بعد وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه واله.  


أقوال الرسول الأعظم وأئمة أهل البيت عليهم السلام في جمع القرآن الكريم 
أكد تواتر الروايات عند المسلمين؛ على أن الرسول الكريم صلى الله عليه واله، قد انتخب لهذه المهمة، خيرة صحابته من حفظة الوحي النازل عليه، ليحفظوه بصدورهم، حفظ رعاية ووعاية ودراية، إضافة لتدوينه على الرقاع المصنوعة من جلود الحيوانات والعسب وجريد النخل واللخاف والحجارة الرقيقة، وهم بذلك ـ حفظة الوحي وكتبته ـ سيكونون الأعلم بكتاب الله، والأقدر على فهم مضامينه لأن ذلك بمعاينة ومراقبة من الرسول الأعظم صلوات الله عليه واله، خصوصا وأنه انتخب لهذه المهمة خيرة أصحابه وأوعاهم لمشروع السماء، وهو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كان إمام الحفاظ والكتبة، بعد ان كتب الكتاب بخط يده وإملاء من الرسول الكريم، فضلا عن كونه وزيرا له صلوات الله عليهما، ما جعله الحافظ لسر النبوة والأعلم بتنزيل الكتاب وتأويله، بتعليم من الرسول الكريم صلى الله عليه واله، ((لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)) (الحاقة -12) بدلالة ان الإذن الواعية إنما هي إذن أمير المؤمنين علي عليه السلام التي كانت واعية لكل ما كان يناجيها به رسول الله صلى الله عليه واله، مما نزل من الكتاب بل وغيره، فضلا عن حفظ القرآن الكريم وكتابته من قبل بعض الصحابة الأجلاء كمعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود.
وأخيرا، فأن حديث الثقلين هو الأخر دليل اثبات على كون القرآن الكريم قد جُمع في زمن الرسول الكريم صلى الله عليه واله، خصوصا وأن مفرداته تدل على ذلك بوضوح ودقة، حيث يقول النبي محمد صلوات الله عليه وآله: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا"، إذ أن الإشارة النبوية الشريفة بدلالة مفردة "كتاب الله" انما تعني أنه ـ القرآن الكريم ـ كان مجموعا على عهده وبين دفتين اثنيتن، ولم يقل رقاع ولا عسب ولا لخاف؛ بما يمنع الظن من أنه كان مُفّرقا ولم يُجمع، وهو ما صرّح به الإمام الباقر عليه السلام حينما قال : "ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده عليهم السلام).

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م