18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 8:54 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | محمد (صلى الله عليه وآله) القائد |  الحرب... الخيار الاضطراري في الإسلام
2018-01-09   3349

الحرب... الخيار الاضطراري في الإسلام

تختلف مرحلة تأسيس الدولة وإقامة بنيتها السياسية والسيادية من على ارض المدينة المنورة، عن تلك المرحلة التي عاشها الرسول والمسلمون في بداية البعثة في مكة المكرمة، إذ اتجه سلام الله عليه الى تعزيز دولته وتثبيت قدراتها السياسة والاجتماعية، دون أن يغفل عن بناء قدرتها العسكرية الدفاعية، بعد إن وضع النواة الأولى لتأسيس جيشه الذي سيستلم مسؤولية الذود عن هذا الكيان الناشئ ـــ الدولة ـــ فضلا عن حماية مواطنيه دون أن يمس بحقوق الأخرين، إلا من اعتدى منهم، وعلى غير ما انتهجه سلام الله عليه في دولته الجديدة وحكومته الفتية من وسائل سلمية في تثبيت دعائمها وإيصال خيرها للجميع، اضطر صلوات الله عليه واله الى تبنى الخيار الأخير (الخيار الاضطراري) الذي تمثل في خيار الحرب الدفاعية، او ما يسمى بـ "حرب دفع العدوان"، وبكل قوة وإصرار مع اقتران كل ذلك بالأخلاق الإسلامية التي لا يرى النبي لها فكاكا عما لو كانت بسلم أو حرب، إلا أنه اضطر لاستخدام القوة في مواردها التي لا تتناقض مع سلمية رسالته وانسانية مبادئه؛ فكانت له معارك وغزوات عدة، منها بدر وأحد وخيبر.

معركة بدر 
تعتبر معركة بدر أول تجربة عسكرية للمسلمين ضد مشركي قريش، وحدثت يوم الجمعة لسبعة عشر خلون من شهر رمضان للسنة الهجرية الثانية وذلك في منتصف الطريق الرابط بين مكة والمدينة المنورة، حيث جاءت هذه المعركة لتقليل الحدة التي تتبناها قريش ضد المسلمين في المدينة وإيقاف تآمرهم عليهم وعلى الرسول الأكرم.
قاد النبي محمد صلى الله عليه وأله قرابة (313) رجلا صوب قافلة الشر القريشية التي كان يقودها أبو سفيان ومعه قرابة (1000) مقاتل، حيث التقى الفريقان ببدر في معركة غير متكافئة من حيث العدة والعدد، إلا أن عزيمة المسلمين في هكذا منازلة؛ وما مدهم به الله جل شأنه من مد إلهي معطوف بدقة النبي الأكرم في  إدارة معركته بقادة أفذاذ، كل ذلك مكن المسلمين من قتل (70) رجلا واسر مثلهم في وقت استشهد منهم أقل من ربع قتلى المشركين دونما أسر لأحد منهم، وهو ما حقق للمسلمين مكاسبهم السياسية والسيادية فضلا عن الأمنية والعقائدية والإعلامية، وبات لهم ثقلهم الكبير في المنطقة، مع ما أضافه لهم من تعزيز للثقة بقائدهم ورسالته، وهو ما انعكس إيجابا على ايمانهم بهذه الرسالة الفتية، بل وشجعت الكثيرين من غيرهم بالدخول للإسلام بعد ما كسرت الحواجز النفسية والمادية حيال الإسلام، مع ما حققه ذلك من كسر لشوكة المشركين وتركيع نفوذهم وإذلال هيبتهم المبنية على التجبر.
كما منح هذا الانتصار ـــ المفاجئ وغير المتوقع ـــ المسلمين درسا كبيرا في كون التنظيم والتخطيط السليم والعنصر المعنوي المتمثل بالإيمان بوجود الله، سيذل اعناق البغاة الطغاة، بغض النظر عما يمتلكه الخصم من قوة وحيلة.
كما منح هذا النصر المسلمين الدافعية بضرورة التزام القيادة الرشيدة المتمثلة في النبي الأكرم وما ينتخبه لهم من قائد كعلي بن ابي طالب سلام الله عليهما وهو ما ثبّت فيهم علو المعنويات ورباطة الجأش ورسوخ العقيدة، عدا الإمداد الغيبي الذي وفرته السماء لهم باعتبارهم كفة الحق والحقيقة؛ وإن كان هذا النصر سيفتح عليهم افقا أكبر للتحرش والتعدي من قبل الأعداء في قادم الايام.

معركة أحد 
القت خسارة القريش لمعركتهم مع المسلمين في بدر، بظلالها من الحقد والكيد بنفوس مشركي مكة، تلا ذلك ارهاصات ومتغيرات كثيرة، حدت بمجملها تحضيرهم لمعركة أُحد، إذ عمد البغاة لتحضيرات الشر ومعاودة الهجوم على المسلمين بغية زلزلة أمنهم، بدافع الثأر عن معركة بدر واحتواء المد الإسلامي الذي بدأ بُعيد انتصار المسلمين في بدر، وبدأوا بالعدة لذلك من خلال ما تفيض عليهم تجارتهم من أرباح، حيث جيشوا هذه المرة (4000) مقاتل ـــ وقيل (3000) ـــ مدججين بالسلاح والعتاد والخيل، فضلا عن توظيفهم لنسوتهم كدافع معنوي لهم من خلال تحريضهن لهم على القتال وعدم السماح بفرارهم وإشعالهن لحماسهم، مع إشراكهم للكثير من العبيد والرقيق بعد ان جيشوا مشاعرهم بالحقد ضد النبي محمد وإسلامه، وإغرائهم بالعتق والحرية فيما إذا تحقق معهم النصر، حيث توجهوا بكل هؤلاء صوب العاصمة الإسلامية في المدينة المنورة.
وما أن علم النبي الأكرم بذلك حتى بدأ بتعبئة عسكره للذود عن منجزه السماوي، وبغية التقليل من الخسائر، قرر النبي محمد صلى الله عليه واله مواجهتهم خارج حدود المدينة المنورة، متهيأ لهم بـ (1000) مقاتل ـــ لينسحب منهم على أثر نوبة نفاق ـــ حوالي (300) مقاتل، ليبقى (700) منهم. 
التقى المعسكران على مشارف المدينة المنورة وبالتحديد عند جبل أحد وذلك يوم السبت الموافق 7 شوال من العام الثالث للهجرة النبوية الشريفة، حيث وزع النبي القائد أدوار قادته وعسكرهم بشكل منتظم، كوضعه للرماة عند الجبل؛ مدبرين له كسد للثغرة التي قد يستفيد منها العدو بمكره، فضلا عن كونهم ـــ الرماة ـــ سيشكلون حماية خلفية لمقدمة الجيش، مع توصيته لهم بضرورة التزامهم لهذه التوجيهات.
وعلى الرغم من عدم تكافئ طرفي المعركة من حيث عديد المقاتلين واسلحتهم لصالح المشركين، إلا أن النصر لازم المسلمين في جولته الأولى؛ حيث فرضوا هيبتهم على ساحة المعركة وبدأ العدو بالتراجع، وحيث لاحت افق الانتصار، بادر نفر من الرماة المقاتلين الى جمع غنائم الحرب من سلاح وعتاد تاركين بذلك مواضع مسؤوليتهم العسكرية التي اوكلها لهم قائدهم ونبيهم، مما احدث ثغرة في صفوف المسلمين، استغلها المشركون للالتفاف خلف جيش المسلمين وبعثرة صفوفهم، مع تطويعهم للإعلام الكاذب من خلال بثهم لأكذوبة أن النبي محمد قد قُتل، وهو ما أدى الى انهيار صفوف المسلمين وتشتتت وجهتهم بهذه المباغتة الماكرة التي أدت الى انفراطهم عن قيادتهم وإشاعة الفوضى بينهم وهو ما أدى الى انكسار الجيش المسلم، إلا من النبي عليه السلام وصفوة قادته الإمام علي عليه السلام، ليبلو الأخير بلاءه الحسن في الذود عن النبي محمد سلام الله عليه وعن عرين الإسلام فأستحق بذلك أن ينادي مناد السماء جبرائيل عليه السلام بـ "لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا علي" وهو ما شّد من عزيمة الجند المسلم الهارب ولملم شتاتهم من جديد؛ سيما بعد ان علموا كذب دعوى استشهاد النبي الأكرم صلى الله عليه واله سلم ليعودوا تدريجيا لوضعهم الطبيعي وهو ما اثمر عن يأس المشركين من الانتصار على المسلمين.
وما أن وضعت الحرب اوزارها، وبدا للمسلمين إن نبيهم وقائدهم قد أصيب بجراح ثخان، فضلا عن جراح بطل المعركة علي بن ابي طالب عليه السلام كونه كان الذاب عن رسول الله، عدا استشهاد صفوة من القادة الميدانين كالحمزه بن عبد المطلب ـــ الذي بقرت نسوة العدو صدره ولاكت كبده كتعبير عن حقدها الدفين وتأسيسا منها لحالة الإرهاب ومنه ما نعيشه اليوم من ارهاب كداعش ومن قبلها القاعدة ـــ ومصعب بن عمير وما يقارب الـ (70) شهيدا كثمن لعدم انضباط الجنود الرماة وإغترارهم بالكثرة وربما بالغنائم، قبالة اقل من ثلث ذلك من قتلى للعدو.

معركة الخندق (الأحزاب) 
لم يهدأ للمشركين بال، بُعيد معركتي بدر وأحد، بداعي انكسار شوكتهم، واضمحلال سطوتهم على الناس لصالح برزوها عند النبي محمد صلوات الله عليه وآله، كنتيجة لما جاء به دينه من سماحة، وهو ما زادهم مخاوف من تعاظم شأن هذا الدين وذيوع خبره، ما دفعهم لإكمال حلقات التآمر عليه، بل وتجهيزهم لجيش كبير لمهاجمة العاصمة المحمدية، في المدينة المنورة.
في الخامس من شوال من السنة الخامسة للهجرة النبوية الشريفة، لملم مشركو قريش صفوفهم مع قبائل غطفان وبنو النظير وبنو قريظة اليهودية، ودعوا إليهم قبائل عربية أخرى فشكلوا بذلك أحزابا شتى تهدف لوأد الدين الإسلامي وقتل قائده النبي محمد صلى الله عليه وأله وسلم.
وسرعان ما تناهى العلم بذلك للنبي الأكرم، حتى شاور صحابته في أمر الرد على هكذا هجوم، واستقروا الى قرار حفر خندق حول المدينة المنورة، لمنع تجيش جيش المشركين الذي وصلت الأنباء عنه أنه يقارب الـ (10000) مقاتل بمختلف صنوفهم وأسلحتهم، في حين تجمع على محيطه الداخلي قرابة (900) وربما (3000) مقاتل مسلم، وسلاحهم في ذلك، الخندق كخطة عسكرية حديثة تقدم بها سلمان المحمدي رضوان الله تعالى عليه وهي مما لم يألفه العرف من فنون المعركة، فضلا عما استفاده المسلمون من حسهم الاستخباري في رصد تحركات العدو.
وكعادة الحروب التي يكون علي بن ابي طالب، حامل لواءها، انتصر المسلمون في معركة الخندق بعد أن اذاق عليا صناديد المشركين شر الميتة، ومنهم أشجع العرب ممن يُعد بإلف فارس منهم، عمرو بن عبد ود العامري، حتى عّد النبي الأكرم ضربة علي لأبن ود يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين، كون ابن ود كان رأس الشر في جيش المشركين، والعقبة الكؤود لكل من حاربهم، وبذلك فأن بروز علي بن ابي طالب عليه الصلاة والسلام لعمرو بن عبد ود بمثابة "بروز الأيمان كله الى الشرك كله"، لتنهار بمقتل ابن ود، معنويات جيش المشركين وتتفاقم أزمتهم الحماسية أمام حسن تدبير النبي الأكرم سلام الله عليه والخطة التي تقدم بها سلمان رضوان الله عليه وبسالة علي بن ابي الطالب عليه السلام.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م