15 ذو الحجة 1440 هـ   17 آب 2019 مـ 7:14 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | السياسة في الإسلام |  من الاصطفاء الى الديمقراطية... جدلية الاستلاب والانقلاب
2018-02-02   475

من الاصطفاء الى الديمقراطية... جدلية الاستلاب والانقلاب

من المعروف بأن الديمقراطية هي حكم الشعب نفسه بنفسه، ليكون هو بذلك مصدرا للسلطات فيه؛ ولا حكم للمتسلطين او من يفرض إراداته عليه بالقسر.
والديمقراطية نظام سياسي مبني على أسس وممارسات حرة تُشكل بمجملها عموده الفقري، كنظريته المبتناة على أن الشعب هو الوحيد من يشكل مصدر السلطات، وأن القرارات التشريعية تصدر عنه، وتلزم الحاكم الذي يمثل السلطة التنفيذية لهذا النظام؛ ليس الا، وبذلك فقد أرسى الديمقراطيون، كيفية ممارسة ديمقراطيتهم هذه، من خلال آلية الانتخاب لمن يمثلهم من الشعب ليكونوا مشرعين، يولدون من رحمها ـ الممارسة الديمقراطية ـ كمؤسسة تشريعية عليا متمثلة بالبرلمان، واجبهم فيها تحقيق مصالح الشعب ورفاهيته.
وتنسحب هذه الممارسة على كل الفعاليات الحياتية، حيث يكون اختيار الممثلين لأي فعالية أو تنظيم على نفس الشاكلة ـ شرطية الانتخاب ـ ليتناغم مع سياسة وطبيعة النظام الديمقراطي المقصود.
كما يؤسس النظام الديمقراطي لوضع خاص بالحاكم وحكومته المنتخبة من الشعب، بكونه سلطة تنفيذية فقط، وعليه وعليها تنفيذ كل القرارات التشريعية الصادرة من البرلمان.
كما يؤمن النظام الديمقراطي بضرورة فصل السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، ليكون حرا في قراراته بعيدا عن كل الضغوطات التي قد تمارس ضده ومن أي جهة كانت. 
وعلى هذه السمات التي يتسم بها النظام الديمقراطي، كنتاج وإبداع مميز للعقل البشري على طول مسيرته الحياتية، خصوصا وأنه ولد من تراكم طويل لخبرات العقل البشري في الحقل السياسي، بل وفي مجال أمور الإدارة المجتمعية والحياتية ومن كل جوانبها، إلا أنه يبقى وضعيا، ووضعيته البشرية هذه تستبطن احتمالية ـ واحتمالية كبيرة ـ للخطأ، كونها من ولادة العقل الإنساني وما يحيط به من ظروف قد تضغط عليه وتوجهه للتفكير بطريقة ما.
وللحديث عن إمكانية الحصول على نظام سياسي تكون نسبة الخطأ فيه اقل مما في النظام الديمقراطي، لابد ان يكون هذا النظام صادرا عن عقلية أكثر سعة ومواكبة وتجدد مما هو عليه في الشعب كمجموع عاقل، وبالضرورة لا تكون هذه العقلية الا عقلية حكيم بصير، لها الدراية والحيطة بكل ما يخص إدارة شؤون الناس، ولا يكون ذلك الا خالقهم جل وعلا.
ولكي نقف على كيفية فهم الإسلام لنظام إدارة وتسيير أمور الناس ـ كنظام سياسي مجازي ـ لا بد أن نفهم منظومة القوانين الإسلامية، لنكتشف ان طبيعتها وشكلياتها تؤمن "نظاما ديمقراطيا" ولكن وفقا لحكومة السماء، خصوصا وأن هذا النظام لا يقف عند غاية تحقيق الرفاهية والعدل بين الناس في الدنيا، بل ينسحب كذلك الى حياتهم الأخروية، حيث العقد مع الله عقد إيمان وحياة لذلك كان تعاطيه مع هكذا مسؤولية بمنظار أوسع وأشمل، كون منشأها إرادة الله العليم المحيط بشؤون خلقه، ما يحتم علينا ان نبين نقاط الالتقاء والاختلاف ما بين الفهمين ـ الديمقراطي والإسلامي ـ للتعاطي السياسي.


خلاف أم اختلاف؟ 
هنالك اختلاف كبير بين مفهوم الديمقراطية في النظم الوضعية الحالية، وبين مفهومها عند الإسلام السياسي، إذ أن الاختلاف يكون ابتداء في الأصل والمنشأ، ففي النظام الإسلامي حيث الأصل في سن التشريعات والقوانين هو الله الحكيم؛ فلا دخل للبشر في ذلك، لعلة الإحاطة الإلهية التامة بشؤون الكون والإنسان، فهو الخالق العليم المحيط بالكون وبعباده، ولا يمكن تغيير قوانينه وتشريعاته من قبل أي كان، حيث تعتبر من سننه الثابتة التي لا تقبل التبديل ولا التحويل، بينما في النظام الديمقراطي الوضعي يكون الإنسان هو المشرع، حيث لا سنن ولا قوانين ثابتة عنده، مما يجعل مسألة تبديل التشريعات بين فترة وأخرى هو الطابع المميز لهذا النظام، لقصور تكويني في الطبيعة البشرية، من حيث العلم والإحاطة الشاملة بحاجات الإنسان والكون المحيط به ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)) (فاطر-15)، كذلك يأتي التغيير المستمر للتشريعات والقوانين تماشيا مع التطور الحضاري والفكري للمجتمع، الذي تشكل مستحدثاته معضلات يجب التفكير في كيفية حلها بقوانين وتشريعات وضعية، ما جعل ثمة اختلافات بين النظامين، من حيث قصدية التشريع ومرجعتيه والعقدية فيه.


القصدية التشريعية 
تختلف مقاصد التشريعات بين النظامين، كل حسب رؤيته للكون والحياة، فالتشريعات الإلهية ومنها الإسلامية تنظر برؤيا متكاملة وشاملة لحياة الإنسان وآخرته حيث تدخل في الحسبان علاقته مع الله في عالم الدنيا والآخرة، حيث الهداية الإلهية في الدنيا للصالح من الأعمال، بما يعده إعدادا سليما للعالم الأخروي ـ عالم الجزاء على ما مضى ـ على عكس التشريعات الوضعية التي منشؤها الإنسان وهمها في ذلك هو تحقيق الرفاهية الدنيوية فقط، دون الأخرة، فلا علاقة لها ـ التشريعات الوضعية ـ بالعالم الأخروي، وهذه خلاصة مقاصدها وجل تفكيرها، لذلك كانت به قاصرة عن تحقيق شمولية المقاصد، مثلما هي في التشريعات السماوية والإسلام اسماها.


المرجعية التشريعية
في النظم الديمقراطية الوضعية، تكون المرجعية للشعب وبشكل مطلق، حيث يكون مصدر السلطات، ولا سلطة تعلو عليه، على عكس النظم الإلهية وبالتحديد الإسلام، حيث المرجعية التشريعية لله ولرسوله، بما يمنحها ـ التشريعات ـ الثبات والتدرج والمواكبة الظرفية، فبدأ من الدستور العلوي (القرآن الكريم) والقوانين المبينة له (السنة العصموية)، وصولا للفسحة الاجتهادية التي تمنح لأولي الأمر من العارفين بمصلحة الناس ممن يطلق عليهم "فقهاء" حيث يستنبطون الحكم الشرعي لما أستجد من الأمور تبعا لمتغيرات الحياة المتحركة بحركة التطور الحضاري والفكري والعلمي، وما يرافق ذلك من تغيير في انماط الحياة، مما يستوجب تشريع مواكب ومشروط بعدم مخالفة هذه الاجتهادات الفقهية المستحدثة للنصوص المقدسة (الهية وعصموية)، لذلك يكون التغيير في المصاديق فقط، والحكم المستجد على أثرها. 


العقدية بين الحاكم والمحكوم
يكون العقد الاجتماعي في النظم الديمقراطية الوضعية، عقد حياة فقط، أي عقد بين الشعب والحاكم المنتخب ـ على ضوء نتائج الممارسة الديمقراطية بالانتخاب ـ وهو خلاصة ما في هذا النظام من بنود عقدية، لعلة أن ديمقراطية البشر تقتصر على الجانب الحياتي للإنسان؛ لا غير، على عكس العقد الاجتماعي في التشريع الإلهي، حيث يكون العقد بوجهتين اثنتين، عقد حياة مع ولي الأمر بالطاعة له كونه أدرى بمصلحة الناس خصوصا وأنه نبي مرسل ـ او وصي له ـ من حكيم مطلق، وعقد إيمان مع الله تعالى شأنه، حيث جعل الولاة تنصيبا منه، بدون تدخل البشر في ذلك، لذلك تكون البيعة لولي الأمر هي بالأساس بيعة لله وفق نص الآية الكريمة التي تقول ((إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّـهَ يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّـهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )) (الفتح-10).


لا تجريب بعد اصطفاء
يعتبر الحكم الديمقراطي ـ كنتاج للنظام الديمقراطي ـ أفضل الممكنات البشرية لحد الآن، مع كونه لا يخلو من المآخذ والعيوب، مع ذلك يمكن عده زبدة الأفكار والمخارج السياسية التي وضعها الإنسان كحلول للأزمات التي مرت على البشرية بعدما خاضت تجارب سياسية مرة، تدرجت بها في مخاضات عسيرة مع أنواع الأنظمة التسلطية الدكتاتورية، التي أخذت أشكالا عدة، كأنظمة الحزب الواحد وأنظمة الثورات والثورات المضادة خصوصا الأكثر دموية منها والمتمثلة بالانقلابات التي سلبت الأنسان الكثير من حرياته، وجعلت عيشته مرهونة تحت ظل قوانين قاهرة وجائرة، لأن في منهاجها؛ لا اعتراض على أمر الدكتاتور مهما فعل، وأن كل ما يأتيهم منه فهو منة تستحق الشكر، خصوصا وأنه ـ الحاكم ـ مؤتمن على أرواح الناس وأملاكهم بحكم منصبه القيادي المطلق. 
ورغم كل التجارب الإنسانية الطويلة والقاسية؛ يبقى نتاج العقل البشري قاصرا عن استيعاب كل الحاجات البشرية ـ الآنية منها والمستقبلية، المتنوعة والمتجددة ـ مهما بلغ من نضج ورقي وإبداع، لمحدودية أفقه التي تجعله مرهونا بمصالحه الفردية وعلاقته بالحياة لا أكثر، من هنا كان نظامه السياسي قاصرا تبعا للقصور التكويني فيه، على عكس فهم الإسلام للنظام الديمقراطي الخاص به، والذي مصدره الكتاب الكريم، الذي هو قول الله، أحسن القول ((الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَـئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّـهُ وَأُولَـئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ)) (الزمر-18) والسنة النبوية المطهرة المبينة للكتاب ((....وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) (النحل-44)، والتي تعتمد عليهما في بناء النظام الديمقراطي الإسلامي وطرق ممارسته المبنية على هذين المصدرين الجليلين، والمبنية بالأصل على الاصطفاء الرباني الذي رسم خطوط عريضة لطبيعة الحكم في كل الأزمنة، خصوصا وأنها تحتكم لتشريعات ثابتة تلزم الحاكم ديمقراطيا بتنفيذها لأنها من مشّرع عادل ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ))(التين ـ8).


نظام البيعة والشورى في الإسلام
بما أن الله العلي القدير قد اختار خلفاءه في الأرض وجعلهم أولياء على أمور المسلمين، بعد رسول الله صلى الله عليه واله، وأمر بطاعتهم بعلاقة طولية مع طاعته، وقرنها بطاعته وطاعة رسوله، فلا تكن ولا تصح أي بيعة إلا لهم، أما من انتحل صفة التولي على أمور المسلمين بالقهر والتزوير فهو كذاب أشر، من طلاب السلطة، بعيد عن الإسلام وأوامره، خارج عن طاعة الله بعصيان الأمر الإلهي ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ..............)) (النساء-59)، لذلك لا تصح البيعة له على ولاية أمر المسلمين، لا بل يكون بذلك من العاصين، ولأجل ذلك كله، لا تصح البيعة إلا لمن اختارهم الله وأمر بطاعتهم، وهم أئمة الهدى من أهل بيت النبوة الأطهار، الذين أوصى رسول الله صلى الله عليه واله ببيعتهم لمرات عدة وبمناسبات مختلفة حسب حديث الثقلين (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، وقد أخبرني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وقال كذلك (الأئمة من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش) وهي إشارة واضحة لأهل بيته الكرام من أئمة الهدى ليتولوا أمر المسلمين بدلالة حديث الثقلين وبدلالة العدد الذي لم يتحقق إلا بهم كأئمة هدى.
أما مبدأ الشورى الذي حاول البعض أن يصدره في غير مقاصده، فهو بالأساس لا يعتني بتنصيب ولي الأمر الحاكم؛ لأنه ذلك تنصيب إلهي، بل كل ما في الأمر أن الله أراد من المسلمين أن يتشاوروا في أمورهم الحياتية من سلم وحرب وإدارة يومياتهم وبكافة الجوانب، لذلك جاء منطوق الآية الكريمة بكلمة (أمرهم) وهي خاصة بهم أي المسلمين، ولا علاقة لها بالتنصيب للحاكم ((وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)) (الشورى-38).


الخلاصة
سياسيا، لم يتحقق بعد النظام الإسلامي المنشود ـ الذي يطبق تشريعات وآليات الإسلام الحقيقي ـ في الدول الإسلامية كما أراده الله، فما زالت التشكيلات السياسية لهذه الدول تتخبط في تنظيمها دون ان تكون قادرة على تطبيق شريعة الإسلام كما جاء بها الرسول الأعظم صلى الله عليه واله، بل ولم تقدر حتى على الابتعاد عن تطبيق نظام الشريعة الإسلامية؛ كون مجتمعاتها بغالبية مسلمة، مما جعلها تفقد ملامح هويتها الإسلامية ونظامها السياسي، وما زالت طروحاتها هجينة بتجربة بشرية قابلة للخطأ اكثر من قبولها للصواب، على أمل ان تتحقق هذه التشريعات بدولة العدل الإلهي المتمثلة بظهور المنقذ الإمام الثاني عشر عجل الله تعالى فرجه الشريف، ساعتها سنعي أن الاصطفاء الالهي اسمى من النظام الديمقراطي الوضعي.

عادل مشكور الظويهري 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م