18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 9:02 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | النبوة |  لازمة عصمة الأنبياء... الدواعي والتداعيات
2018-07-29   456

لازمة عصمة الأنبياء... الدواعي والتداعيات

العصمة كمفهوم تعني المنعة أو الممانعة من ارتكاب أي فعل أو قول فيه معصية لأوامر الله عز وجل، وأمر ملازمتها للأنبياء والمرسلين أمر وجوب مفروغ منه؛ لعدة أسباب؛ تشكل بمجملها حالة الوجوب تلك، أولها أنهم بجعل إلهي أصبحوا أنبياء ورسل؛ وكانوا من أعظم حجج الله التامات على عباده، تؤخذ منهم أحكام الرسالات السماوية كافة؛ قولا وفعلا وتقريرا؛ وباطمئنان تام، لأجل ذلك صارت عصمتهم مسلمة من مسلمات الدين الإسلامي؛ لا تقبل تكذيبا أو تفنيدا، ووجوب التسليم بها أصبح ضرورة من ضروراته؛ تؤيدها عدة علل؛ عقلية ونقلية؛ أكدت عصمتهم التي فيها اليقين من سلامة خبرهم النازل من السماء، وكان من أسباب العصمة أيضا أن فيها حفظا لكرامة الأنبياء والمرسلين كونهم نخبة مصطفون من عند الله الحكيم ((إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)) (آل عمران-33)؛ اقتضت حكمته فيهم أن يحملوا وزر رسالاته السماوية المعصومة أصلا وللناس كافة ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) (الحجر-9).
لذلك جعلت أفعالهم وتقريراتهم بفعل هذه العصمة مطابقة لأقوالهم جزما، وأن كل ما يصدر منهم يعتبر سنة حسنة يجب الأخذ بها ((..........وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا واتقوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) (الحشر-7) حيث فيها رضا الله وحفظ وصون الرسالات السماوية من كل تهمة تحريف أو نقص أو زيادة قد تقال فيها باطلا.

دواعي عصمة الأنبياء والمرسلين
كان لا بد من دواع وأسباب عدة لعصمة الأنبياء والمرسلين خاصة وأن الخطاب الرسالي السماوي يخاطب العقول ويطالبها بالتدبر فيما يرد عليها؛ فكيف والأمر يخص حملة الرسالات، لذا فإن من الأسباب التي دعت لعصمتهم ما يلي:
1. كونهم القدوة المصطفاة إلهيا من بين كل البشر؛ كي تحمل رسالات السماء للناس كافة؛ وهذا الاصطفاء يشكل عامل تفوق وتنزيه وتزكية لهم؛ إذ لا شائبة ولا نقص يعتريهم بعد ذلك، لذا كان أمر عصمتهم واقع لا اعتراض عليه، فالله لا يختار إلا معصوما يأتمنه لنقل رسالته المعصومة.
2. الاعتقاد بعصمة الرسالات السماوية يقتضي بالضرورة وجوب عصمة الأنبياء والرسل الذين يحملونها لعلة أن فيهم الضمانة في أن تصل الرسالات للناس كاملة تامة غير منقوصة مبتعدة عن أي زيادة أو تحريف، ولنا في عصمة الله لرسوله الأكرم صلى الله عليه وآله من النسيان خير مثال على ذلك حتى قال الله فيه في محكم كتابه الكريم (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى)) (الأعلى-6)
3. عصمة الأنبياء والرسل ضرورة لقيام الحجة التامة على الناس؛ فهم حملة رسالاته ((رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)) (النساء-165) فلا يعقل أن يكون حامل الرسالة ينسى ويسهو وهو حجة الله على خلقه، ما قد يفوت بنسيانه او سهوه أمرا ألهيا مهما. 
4. حفظا لكرامة الأنبياء والرسل من كل مثلبة قد تطالهم بعد التبليغ طعنا بما جاؤا به، علما أنهم النخبة والقدوة المصطفاة على أساس العلم والتقوى. 

تداعيات عدم عصمتهم
لا بد من تداعيات سلبية عدة على الرسالة وعلى شخص النبي في حال افتراض عدم العصمة، ما يفتح منه باب التشكيك على مصراعيه، مفترضة شخص النبي أو الرسول شخصا عاديا؛ خطاّء لا عصمة له منها، ومن هذه التداعيات، ما يلي:
1. تكون الحجة على الناس ناقصة غير تامة كون نقل الرسالات من بشر غير معصوم من المؤكد أنه مبتلى بنواقص شتى؛ أولها السهو أو النسيان؛ فقد يفعل عكس ما يقول أو يقر الناس على مخالفات شرعية دون انتباه منه.
2. لا يستقيم أمر إقامة الحجة التامة على الناس من نبي خطاء غير معصوم؛ يراد منه ومن رسالته أن يتخذهما الناس طريقا للإيمان بالله.
3. التحريف والزيادة والنقصان سيطال الرسالات السماوية في حال حملها نبي أو رسول غير معصوم لا محالة فلا عاصم من ذلك يعصمها وحاملها بشر خطاء.
4. انتفاء العصمة للأنبياء والرسل يرتب عليهم عدة احتمالات تشكك في كفاءتهم ومؤهلاتهم في حمل الرسالات، حيث يمكن الادعاء أنهم نقلوها ناقصة، أو بحسب أنهم نقلوا بحسب ما توفر بأيديهم من معلومات والباقي قد نسوا حفظه فلم يدونوه.
5. يمكن اتهامهم بالمزاجية في التدوين ما داموا غير معصومين بعصمة إلهية وبذلك تنتفي عصمة الرسالة أيضا مما يفتح بابا واسعا للتشكيك في مصداقيتها.
6. يدخل احتمال مشكك آخر، حيث يحتمل أنهم وقعوا تحت تأثير قوة غاشمة فرضت عليهم سلطانها فحذفوا كثيرا مما في الرسالة خوفا واستجابة لمصالح هذه القوة الغاشمة.
7. أو يمكن أن يرد احتمال مشكك آخر هو أن مستوى استيعابهم للفيض النازل أقل مما جاءت به الرسالات السماوية فنقلوا التعاليم للناس بحدود معرفتهم، وهذا بحد ذاته يشكل خللا كبيرا آخر في أن حجة الله لم تصل تامة للعباد ليرجح أنها وصلت ناقصة مادام الأنبياء والرسل غير معصومين. 
8. عدم العصمة يتنافى مع الهدف والقصد الذي جاءت به الرسالات السماوية حيث أنها رسالات هداية لصراط الله المستقيم ولا يمكن بلوغ أهدافها برسالة منقوصة لا تؤدي الغرض الذي أنزلت من أجله.
إذن كل الاحتمالات واردة في حال لم يكونوا معصومين بل بشر عاديين، لذلك موضوع العصمة أمر واجب لا تنازل عنه إذ فيه حفظ لرسالة السماء من أن يطالها نقص أو زيادة أو تحريف؛ كذلك فيها حفظا لكرامة الأنبياء والمرسلين كونهم رسل رسالات سماوية معصومة تامة.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م