18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 9:39 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | دراسات |  شبهة تضارب العقيدة الإسلامية تبعا لتهافت الآيات القرآنية
2019-01-31   3294

شبهة تضارب العقيدة الإسلامية تبعا لتهافت الآيات القرآنية

     ليس من المعيب أن تُحَاور المخالف في ما تختلف فيه معه، بل قد يكون ذلك مطلوبًا ومحمودًا، وإنمّا المعيب الذي ليس من دأب أصاغر العقلاء فضلا عن كُبَرائِهم، هو أن تبخس ما عند غيرك لتُشَيِّد على أنقاض ذلك بنيانك، الذي هو الأخر قد تكون أوهن ممّا عند غيرك.
وفي الحقيقة، وعند العودة إلى واقع حال السواد الأعظم ممّن نعاصرهم، سنجد أنّ مبدأ تسقيط الطرف الآخر، وتبخيس ما لديه هو الغاية والمراد، وبالتالي فالفوز والنصر في النقاش هو الهدف الرئيسي من غالبية تلك الحوارات والنقاشات التي قد نشاهدها ونسمع بها، وذلك بطبعه سوف يؤدي إلى غياب حقيقة أنّ الهدف السامي من الحوار والنقاش هو البناء المعرفي لأجل الإنسان، والذي هو الآخر يتحقق بعد أن تنكشف حقيقة ما من أجله وصلنا للحوار والنقاش.  
ونحن في هذا المقام سنحاول التطرق لإحدى الشبهات التي تساق على كونها مصداق لعنوان مقالنا. 

توضيح مضمون الشبهة 
     يعتقد المسلمون تبعا لما أقرّه كتابهم المنزل عليهم من السماء، أنّ لواجب الوجود (الله) صفات ـ سميع، بصير، عالم، خالق، حيّ، كريم، مريد ـ بل دافعوا عن تحقّق الصّفة له، وأقاموا على ذلك الأدلّة والبراهين، وجعلوا منها طريقا لمعرفته، وقسّموها إلى أصناف متعدّدة: ذّاتيّة وفعليّة، جمالية وجلالية، حقيقيّة واضافيّة، ولهم في ذلك أيضا أدلّة نصيّة.
((....... إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور))(لقمان ـ23).
((....... وَكَانَ اللَّـهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا))(الأحزاب ـ27).
((....... إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ))(لقمان ـ28).
     

     وعليه، فمع ثبوت الصّفة لواجب الوجود، تثبت بالضرورة لصاحب الصّفة الشيئية لوضوح أنّ الصّفة لا تتلبّس بالعدم، وإلاّ، كيف تثبت الصّفة على من كان العدم وعاءه، مضافا إلى كون تحقّق وجود الصّفة فرع تحقّق وجود ما يصلح أن يكون شيء، وهو الموصوف في مقامنا.
     وفي نفس الوقت يذهب المسلمون لنفي الشيئية عن واجب الوجود (الله)، تبعا لنفي كتابهم في بعض الآيات التي تعتبر لديهم مُحْكَمَة، وهي ((........ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ))(الشورى ـ11)، النَّاصَّة هي الأخرى في عموم معناها على نفي جميع مراتب المِثْليّة بين واجب الوجود(الله)، وكل ما يفترض أن يكون شيئًا، أو كل ما يمكن أن يندرج تحت مفهوم الشيئية، المستوعب هو الآخر بالضرورة لكل صورة عقلية يتقبّلها وعاء العقل، سواء كان هذا الشيء من المفاهيم الأولية أو الثانوية . 
     ويؤيّد مضمون هذه الآية، قول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في نهج البلاغة حينما قال: "وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإِخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الإِخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَة"، حيث يقرّر أنّ الدرجة العُليا التي بها يكتمل توحيد واجب الوجود (الله) هي الإخلاص له، وأعلى المراتب في الإخلاص له، نفي الصّفة عنه، بل يقرّ أنّ نفي الصّفة مردّه لكون الصّفة مغايرة في الحقيقة للموصوف والعكس صحيح.
     وعليه، فمن جهة نجدهم يثبتون الصفة للواجب، من خلال النّص القرآني، بل يَنْظِمُون لها الأدلّة والبراهين، ومن جهة أخرى ينفون التماثل بين الواجب وكل ما يفترض على كونه شيئًا، وذلك أيضا من خلال دليل قرآني.
وفي المقام يمكن صياغة شبهتهم في شكل أقْيِسَة منطقية:

القياس الأول:
كلّما ثبتت الصفة في القرآن للواجب فالقول بها لازم على كل مسلم
الصفة ثابتة في القرآن
القول بثبوت الصفة للواجب لازم على كل مسلم

القياس الثاني :
كل صفة هي شيء
والشيئة منفية عن واجب الوجود
الصّفة منفية عن واجب الوجوب

القياس الثالث:
كلّما ثبت نفي المثلية بين الواجب ومصاديق الشيئية في القرآن فنفيها لازم على كل مسلم
نفي المثلية بين الواجب ومصاديق الشيئية ثابت في القرآن
نفي المثلية بين الواجب ومصاديق الشيئية لازم على كل مسلم 

     وعليه، فمع ثبوت الصفة لواجب الوجود(الله) في القرآن، يثبت لزوم الإعتقاد بثبوتها للواجب(الله) وهذا نتيجة القياس الأول، وكذلك مع ثبوت نفي المماثلة بين واجب الوجود(الله) ومصاديق الشيء في القرآن، يثبت لزوم الاعتقاد بنفي الصفة ـ التي هي مصداق الشيء كما ثبت في القياس الثاني - عن واجب الوجود(الله)، وهنا يتضح التناقض الصارخ بين النتيجتين، الراجع للتهافت البَيِّن في معاني الآيات القرآنية على حدّ زعمهم.

وفي مقام الجواب على الشبهة نقول:
أولا: أنّ ما سبق من كلام ينطوي على مغالطة راجعة هي الآخرى إلى جعل مفهومي المثلية والشيئية بمعنى واحد، حيث أن صاحب الشبهة نزّل مفهوم المثلية منزلة الشيئية والعكس كذالك، بل جعلهما في أقيسته مترادفين، بينما الواقع خلاف ذلك.
فنحن نسلم معهم بنتيجة القياس الأول بمقدّماته، وكذالك نتيجة الثالث مع مقدّماته، ولكن كبرى القياس الثاني نردّها عليهم، لأنّ كبراهم (الشيئة منفية عن واجب الوجود) تحتاج لدليل يثبتها، فالآية التي سيقت لاثباتها ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ))، لا تُثبت مُدّعاهم، بل غاية ما تثبته نفي المثلية بين المولى تعالى ومصاديق الشيئية، لا نفي عين الشيئية، وعليه فما تثبته الآية مغاير لدعواهم التي شكّلوا منها كبرى القياس الثاني.
ثانيا: أنّ أصحاب الشبهة ومن خلال ما ساقوه من مقدّمات، قد انعقد معهم تناقض، تناقض بين الآيات المثبتة للصّفة والآية النافية للماثلة بين الواجب والمصاديق المفترضة للشيء.
     أمّا انعقاد التهافت عند أصحاب الشبهة فيمكن حلّه، وبالتالي ردّه عليهم، وذلك من خلال القول أنّ المولى تعالى في قوله ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) لم ينفي عن ذاته الشيئية لتتشكّل لدينا كبرى القياس الثاني، بل نفى في الآية الكريمة عن ذاته المثلية بينه من جهة وبين باقي مصاديق الشيئية من المخلوقات، وبمعنى أبسط أنّ النفي في الآية متعلق بالمثلية بين الواجب(الله)، وبين باقي الممكنات التي هي مصاديق للشيء.  
     لأنّه ومع العودة للآية الكريمة ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) نجد أنّ أداة النفي "ليس" متعلقة بمفردة المثلية، لا هي متعلقة بمفردة الشيء، وبالتالي فالمنفي عن واجب الوجود(الله) - المدلول عليه بالضمير المتصل - المثلية لا الشيئية، فلو نُفِيَت عنه تعالى الشيئية لكان مفاد الآية هو "أنّ الله ليس بشيء" وهذا يساوق في معناه العدم المحض، ولازمه امكان اتّصاف الواجب(الله) بالعدم.
     وهنا قد يقال: أنّ عدم نفي الشيئية عن واجب الوجود (الله)، يستلزم منه بالتَبَع الإقرار بالمثلية بين الواجب (الله) والمُمْكن (المخلوق)، لضرورة اشتراكه حينئذ مع الممكن (المخلوق) في الشيئة، وهذا عين مطلوبنا في المقام .
والجواب: بأنّ مفهوم الشيئية يساوق في حقيقته مفاد مفهوم الذات، وان اختلفا في اللحاظ الذي باختلافه كان لكلّ منهما وضع واستعمال خاص، فمفاد الثاني منهما هو الحقيقة بلحاظ تَحقُّقِها واتصافها بنحو من أنحاء الوجود، بحيث صارت محلاً ومستقرًّا للأعراض والصفات، وكذا مفاد الشيئية فهي تطلق ويراد منها كل حقيقة اتصفت بنحو من أنحاء الوجود، بدون لحاظ كونها محلاً ومستقرًّا للأعراض والصفات، وعليه فالاشتراك المتحقّق بين الواجب (الله) والممكن (المخلوق) في الشيئية عينه الاشتراك الحاصل بين الواجب (الله) والممكن (المخلوق) في الذات، التي لا نقاش فيها، لوضوح أنّ مفهوم ذات الشيء، يساوق مفهوم حقيقة الشيء، مع الاختلاف في لحاظ كل منهما في الاستعمال والوضع، فهما في آخر الأمر، وبعد تحليل مصبهما يساوقان معنى وجود الشيء لا أكثر، والفوارق بينهما  في لحظات خاصة أيضًا. 
     والخلاصة ما تقدم: أنّ الشبهة يمكن حلّها من خلال التفريق بين مفهومي المثلية والشيئية، ومع التفريق بينهما وبيان أنّ لكل منهما معنى، تسقط المقدمة الثانية في القياس الثاني، لكونها جعلت الشيئية مرادفة للمثلية، وهذا خلاف الواقع بالبديهة، لوضوح الاختلاف الكلّي بين معناهما.

حبيب مقدم

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م