16 محرم 1441 هـ   16 أيلول 2019 مـ 5:24 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | شخصيات إسلامية |  عبد المنعم الفرطوسي.. شاعر العقيدة
2019-03-25   215

عبد المنعم الفرطوسي.. شاعر العقيدة

النجف الأشرف منارة العالم الإسلامي ومركز إشعاعه الوضّاء، فلم تزل هذه المدينة التي تشرّفت بمثوى سيد البلغاء والمتكلمين في كل عصورها، زاخرة بأكابر العلماء وصفوة العباقرة والأدباء.
ولهذه المدينة المقدسة خصيصة تميّزت بها عن باقي المدن فهي منبع العلم ومنهل الفكر ومنجم الأدب وجذوة الشعر، وقد حافظت على ثقافة القرآن الكريم ومفاهيم الإسلام الحنيف في عهود مظلمة طغت فيها التيارات الأجنبية المستوردة على البلاد الإسلامية وتحكمت بها الأفكار الدخيلة تبعاً للسيطرة الاستعمارية، فصمدت هذه المدينة الخالدة بوجه تلك التيارات وبقيت مناراً شامخاً تنير سماء الأدب والعلم وتغذي العقول وتفيض بالعلوم فأنجبت أعظم شعراء العربية وأعظم قادتها ومفكريها. 
وقد امتازت المدرسة النجفية عن غيرها، كون خريجيها إلى جانب فضلهم العلمي والفقهي والأصولي فأنهم تسنموا ذروة الأدب العربي فكان كثير من العلماء الكبار قد أضافوا إلى علميتهم الصبغة الأدبية العالية حتى ليحس القارئ لهم إنهم قد تفرّغوا لهذا الجانب، كما كان لشعرائها جوانب علمية مضيئة. 
وكان من الذين طغى الجانب الأدبي على الجوانب العلمية الأخرى الشاعر العلامة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي الذي جمع بين العلم والأدب وقد عرفته الأوساط العلمية في النجف الأشرف مدرساً للفقه والأصول كما عرفته شاعراً بارزاً من شعرائها الكبار وفي طليعة مدرستها الشعرية كما عرفته أيضاً مجاهداً صلباً في مواقفه الدينية والوطنية والاجتماعية المشرفة.

نسبه وسيرته
ولد الفرطوسي في قرية تسمى (الرقاصة) من ناحية المجر الكبير في مدينة العمارة عام 1335هـ/1917م وهي نفس السنة التي هاجر فيها والده الشيخ حسين مع أفراد أسرته من النجف الأشرف إلى العمارة اثر الاضطرابات والحوادث الناشئة من احتلال الانكليز بغداد. 
وتنتمي أسرة الفرطوسي إلى (آل فرطوس) وهي قبيلة عربية تقطن في مناطق جنوب العراق وترجع في النسب إلى آل غزي وكانت أسرة الفرطوسي قد هاجرت من العمارة إلى النجف الأشرف في عهد جدها الأكبر الشيخ حسن مؤسس الأسرة العلمية وقد برز من هذه الأسرة الكريمة العديد من أعلام الفقه والأدب منهم: الشيخ حسن ـ جد عبد المنعم ـ صاحب كتاب (مرآة الفقه والفقاهة) وقد ترجم له المحقق الكبير الشيخ محمد حرز الدين صاحب كتاب (مراقد المعارف) في كتابه (معارف الرجال) فقال : (هو الشيخ حسن الفرطوسي نجل الشيخ عيسى نجل الشيخ حسن المعاصر للشيخ الكبير جعفر كاشف الغطاء مستجاب الدعوة). 
ويظهر من هذه الترجمة إن هجرة هذه الأسرة كانت في القرن الثاني عشر الهجري لأن وفاة الشيخ كاشف الغطاء كانت عام 1228هـ وكان الشيخ حسن الفرطوسي ــ جد عبد المنعم ــ الذي ترجم له الشيخ حرز الدين من مشايخ إجازة الشيخ كاشف الغطاء في الاجتهاد.
نشأ عبد المنعم في محيط علمي ــ أدبي وترعرع في أحضان أسرته العلمية فكانت بداياته على يد معلمه ووالده الذي شمله بعناية فائقة ولكن عبد المنعم سرعان ما فقد هذا العطف الأبوي فقد توفي والده وهو في الثانية عشرة من عمره فشملته أمه بحنانها. 
وكانت هذه المرأة الصالحة قد بذلت كل جهدها في سبيل تعليمه وإكمال مشواره العلمي رغم ضيق المورد المالي الذي يصل هذه الأسرة من نتاج الأرض الزراعية والذي كان عبد المنعم يجمعه ويدفعه لوالدته فكان العبء ثقيلاً عليه بعد وفاة عمه فكان يلاقي مشقة كبيرة في أسفاره إلى المجر الكبير لجمع نتاج أرضه التي ورثها عن أبيه والذي هو كل مورده ومورد أفراد أسرته الخمسة. 
ورغم هذه المعاناة فقد كان متميزاً بين أقرانه، ففي الخامسة عشرة من عمره تقلّد الزيّ الديني (العمامة) فأصبح أكثر مسؤولية تجاه أسرته ومجتمعه، وأخذت دراسته تظهر تقدّماً ملحوظاً فدرس على يد كبار العلماء في ذلك الوقت، فدرس (كفاية الأصول) للمحقق الخراساني على يد أستاذه الشيخ مهدي الظالمي، ودرس (الرسائل) و(المكاسب) للشيخ الأنصاري على يد أستاذه السيد العلامة المحقق باقر الإحسائي كما حضر في عدة بحوث علمية خارجية في الفقه والأصول على يد كبار العلماء والمحققين منهم السيّد أبو الحسن الأصفهاني، والسيّد محسن الحكيم، والسيّد عبد الهادي الشيرازي، والسيّد أبو القاسم الخوئي، والشيخ محمّد طاهر الخاقاني. 
ولم تمض فترة طويلة حتى أصبح مُدَرِّساً يشار إليه بالبنان، فأخذ يدرس المنطق وعلم المعاني والبيان ومبادئ علوم الفقه. ومنذ ذلك اليوم بدأت شاعريته بالانتشار فأصبح من كبار شعراء النجف ودخل مضمار التأليف فألف وصنف العديد من الآثار العلمية والأدبية منها: (رسالة في شرح شواهد الآيات القرآنية) و(رسالة في شواهد الشعر) و(شرح كفاية الأصول) و(شرح رسائل الشيخ الأنصاري) وغيرها. 

ديوانه
للفرطوسي ديوان ضخم مكوّن من جزأين وقد نسقه الشاعر على سبعة أبواب هي:
1. من وحي العقيدة، وقد اشتمل على مدح ورثاء أهل البيت عليهم السلام.
2. صور من المجتمع، وضم القصائد الوطنية والسياسية والتي صور فيها الشاعر الحياة الطبقية في المجتمع والتعاليم الاصلاحية معالجة الفساد الاداري.
3. دروس، وضم من الشعر ما قاله الشاعر في التوجيه والاخلاق والعرفان.
4. في محراب الطبيعة، وضم صوراً من مناظر الطبيعة وحياة القرية وأخلاقها وعاداتها.
5. طلائع الآمال، وهي قصائد ألقاها الشاعر في استقبال وفود العلم والأدب ورجال الإصلاح الذين زاروا النجف الأشرف.
6. الحب والجمال، وهو شعر عاطفي وجداني.
7. دموع وعواطف، وهي قصائد ألقيت في مآتم رجال العلم والأدب وقادة الاصلاح.

سمة الحزن في شعره
طغت مسحة الحزن والألم على شعر الفرطوسي جرّاء النكبات التي تعرّض لها في حياته فقد قدّر له ان يشهد موت أخيه الأصغر جبار وابنه علي في حياته مما أثر كثيراً في نفسه ولكنه كان مؤمناً بقضاء الله وقدره:
لقد شهدَ الدهرُ المحددُ نابــــــــــــهُ عليَّ بأنّي قـد أبنتُ به الكسرا
وما أنكرت مني الصروفُ صلابة تعوَّدتها ما أقبلت زُمراً تترى
وكنتُ إذا جازت مساحة إصبــــعٍ    الي صروفُ الدهرِ جاوزتها شبرا
تتـوق لأنغام الخطـوب صبابـــــة وتهتـز نفسي مـن تقاطيعها بشرا

رضىً بقضاءِ اللهِ إن كان قد قضى  عليَّ بأن اشقى وطوعاً لما أجرى
وصبراً يراعَ الحرِّ انّكَ مثلُـــــــــهُ غريبٌ فلا تستعظم الخطبَ والأمرا
ترومُ بأن تحيا من الدهرِ مطلقاً   ويحكمُ إلاّ أن تموتَ به أسرا

شاعريته
امتاز شعر الفرطوسي بقوة الاسلوب وبديع الصياغة والمعاني الرفيعة يقول في قصيدته (المبعث النبوي):
بعثتَ والحقُّ من عينيكَ منبعثٌ            نوراً ومن شفتيكَ الصدقُ قد لهبا
وبين جنبيكَ نفسٌ في عقيدتها    تجاهدُ الشركَ والتضليلَ والريبا 
وبين جنبيكَ من نورِ الهدى وضحٌ    دمُ الجهادِ عليهِ قد جرى ذهبا 


ويقول في قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين عليه السلام:
أبا الحقِّ والحقُ يسمو عُلىً    اذا كان فيكَ اسمه يشفعُ 
حياتكَ وهي حياةُ الفقير    يحيط بها فقره المدقعُ 
وقوتك قرص الشعير الذي    تسدُ به الرمقُ الجوّعُ 
وكلُّ إدامِكَ بعد المخيض    جريشٌ من الملحِ لا يجرعُ 
ومدرعة الصوفِ وهي النسيج    وفي كل آونةٍ ترقعُ 
ومن جنسِ هذا النتاج الشريف    إزارُ الزكيةِ والبرقعُ 
وهاتيكَ عقباكَ وهي الخلود    وعقبى سواكَ هي البلقعُ


أما عن (عيد الغدير) فيقول الفرطوسي:
الوحي أنزله فيها وطاف به    صوت من الحق في أجوائها انطلقا 
يا أيها المصطفى بلّغ جموعهمُ    نص الغدير ولا تخشَ الورى فرقا 
فقام فيهم كما أوحى الإله له    مبلّغاً خاطباً في نطقه ذلقا 
هذا عليٌّ إمام الحق بينكم       وفي إمامته القرآن قد نطقا


ومن قصائده الرائعة ما قرأه الشاعر في محافل النجف الأشرف وندوات رابطتها الأدبية في مناسبات شتى ومنها ذكر عاشوراء والتي هزت كبار شعراء النجف حينها قصيدته (أبا الشهداء) يقول فيها:
ناجيتُ ذكراكَ حتى عطّرتْ كلمي   كأنّ ذكراكَ قرآنٌ جرى بفمي 
وهزّني لكَ من أرضِ الحِمى وترٌ   جسَّ العواطفَ في ضربٍ من النغمِ
قد أرقصَ القلبَ حتى خلته حبباً    على كؤوسِ الولا يطفو من الضرمِ 
فرحت ألثمُ مثوىً فيه قد عكفت    روحُ البطولةِ والإقدامِ والشممِ 
قبلته بفمي حتى أسلت به    قلبي فضّرجته من أدمعي ودمي


ويقول فيها أيضاً:
يا مصرع الشمسِ حدثنا فأنتَ فمٌ    يُجيدُ تجسيدَ فصلِ الحزنِ والألمِ 
عن نهضةٍ في سبيلِ العدلِ عاصفةٍ   طغت على الظلمِ في سيلٍ من الحممِ 
وفاتحٍ ملأ الدنيا بنهضتــــــــــــــه   وقائعاً من صداها الدهرُ في صممِ 
في كلِّ جيلٍ له جندٌ يصولُ به    من العقائدِ أمضى من شبا الخذمِ 
وكل أرض بها فتح نمجده    في مهرجانٍ ليومِ النصرِ مبتسمِ


والحديث عن شعر الفرطوسي يحتاج إلى دراسة مطولة في خصاصه ومميزاته وفد يكون هذا الموضوع المختصر فاتحة لكشف هذه الخصائص والمميزات.
توفي الفرطوسي عام 1983 ودفن في النجف الأشرف.

محمد طاهر الصفار 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م