18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 9:58 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | النبوة |  الفرق بين استعمال لفظتي "النبي" و "الرسول" في السياقات القرآنية
2019-03-25   196

الفرق بين استعمال لفظتي "النبي" و "الرسول" في السياقات القرآنية

هناك حقيقة قرآنية يتميّز بها القرآن الكريم، عن باقي النصوص والكتب التي كُتبت باللّغة العربية، وهي مسألة عدم وجود الترادف اللّفظي في كل النصوص والآيات القرآنيّة، والتسليم بهذه الحقيقة بطبعه يقودنا نحو لزوم التعامل مع النصوص القرآنية حين محاولة تفسيرها بدّقة فائقة.  
ولعلّ السبب الذي يقف خلف عدم وجود الترادف في القرآن، هو حِرْص المولى تعالى على ايصال أكثر عدد ممكن من المعاني والمعارف في أقلِّ قَدر ممكن من الألفاظ، وبالتالي تجنب الإيطالة الزائدة في المحتويات اللّفظية التي سيحتويها هذا الكتاب الذي جاء من السماء لكي يساعد الإنسان على تنظيم حياته بالكيفيّة المتناسبة مع الفطرة التي فطر الله عليها الموجودات، وكثرة المعاني مع قلّة الألفاظ هو وجه من وجوه القوّة البيانيّة للقرآن الكريم. 
ونحن في مقام كلامنا سوف نتعرض للفظين استعملهما المولى تعالى في سياق التدليل بهما على شخص نبيّه الأكرم محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وهما لفظة «الرَّسول» ولفظة «النَّبِي»، والكثير ممّن عمل على تفسير القرآن الكريم، وفي تفسيرهم للآيات التي وردت فيها اللَّفظتين، حَمَلوا اللّفظتين على معنى واحد وهو شخص النَّبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، دون أن يلتفتوا إلى ذلك المعنى الدقيق والفارق الذي يحمله كل لفظٍ منهما، والذي له دخالة كبيرة في تحديد المعنى العام المترشح من عموم السياق الذي وردتا فيه.  
فنحن لو تأملنا في  كل لفظ منهما بمعزل عن أي سياق جاءا فيهما، سنجدهما من معنيين مختلفين، وإن اجتمعا في الخارج في مصداقٍ واحد،  فـ «الرّسول» هو نعت لنبيّ الله محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلم، بلحاظ حيثيّة إرسال المولى تعالى له للعباد،  وكذلك الحال في لفظ «النَّبي» فهو أيضًا نعت للرسول محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلم، ولكن بلحاظ حيثيّة الإِنْبَاء إليه من قِبَل المولى تعالى.
فحيثيّة الإرسال وكذلك الإنباء رغم أنّهما في طول بعض، إلاّ أنّهما متغايران بحيث كان لكلّ منهما مرتبة ووظيفة إلهيّة مستقلّة عن الأخرى، وهذا ما نفهمه من قوله تعالى ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ))(الحج ـ52)، وأيضًا لكلّ منهما حدود وصلاحيات خاصة، وكذلك قد يجتمعان في شخص واحد فيكون الفرد نبيًّا ورسولاً، وقد لا يجتمعان كأنّ يكون نبيًّا بدون الرسالة.  
وعليه، فالمولى تعالى وحين استعماله للفظة «الرَّسول» ولفظة «النّبيّ»، في سياق خطاباته القرآنيّة، لم يهمل تلك الفوارق اللّطيفة، المتأتيّة من الحيثيّة الخاصة لكلّ منهما، ولعلّ هذا الأمر يكون واضح بشكل كبير في تلك السياقات القرآنيّة التي ينادي فيها المولى تعالى نبيّه الأكرم، فيخاطبه بالقول: يأيُّها النّبيّ، أو  يا أيُّها الرسول.
فلو عدنا للقرآن الكريم لنستقرأ كل الآيات التي نادى فيها المولى تعالى نبيّه الأعظم، من خلال مفهومي الرسالة والنبوّة، سنجد أنّه تعالى قد ناداه بالرسالة في موضعين، وبالنّبوّة في ثلاثة عشر موضع، كما أنّه تعالى ناداه مرة بالمدّثر ومرة بالمزمّل، وعند التأمّل في السياقات القرآنيّة التي وردت فيها كل منهما، سنلحظ فارق مهم، وهو أنّه تعالى كلّما نادى نبيّه بالرّسول كانت معاني العبارات التي تليها متعلّقة بحيثيّة الرسالة فيه، بينما كلما ناداه بالنّبوّة كان الذي يليها متعلّقًا بحيثيّة النّبوّة.  
وليتضح الأمر أكثر لابد أن نلاحظ أنّ  المولى تعالى وقبل أن يقدّم التوجيهات والإرشادات للنّبي، لابد أن يحدّد الحيثيّة التي سيتعلّق بها الإرشاد أو التوجيه، بمعنى أنّ المولى وقبل أن يوجّه أي إرشاد لنبيّه الأكرم، لا بد وأن يحدد هل أنّ الإرشاد الذي سيقدّمه متعلّق بعين شخص النّبيّ، أو هو متعلّق  بحيثيّة الرسالة فيه، أو بحيثيّة النّبوّة، أو بحيثيّة أخرى، كحيثيّة الإنطواء في البناء على الذّات والإكتفاء بالإصلاح والتربيّة الشخصيّة، التي كان يعيشها الرسول قبل البعثة، فناداه المولى بحيثيّة التزمّل التي فيها دلالة على الإنطواء والتقوقع، والإكتفاء بالإصلاح الذاتي. 
فالمولى تعالى وعندما نادى نبيّه في القرآن، حدّد فيه الحيثيّة التي ستتعلّق بها مضامين توجيهاته، ولذلك نلحظ أنّ التوجيهات والإرشادات الإلهيّة إذا كانت متعلّقة بالرسالة خاطب نبيّه بـ «الرَّسول»، وعندما تتلَّعق بالنُّبوّة خاطبه بـ «النَّبيّ»، وعليه فهو تعالى عندما يريد أن يقدّم لنبيّه التوجيهات والإرشادات المتعلّقة بالرسالة يخاطبه بالرّسول، وعندما لا تتعلّق بالشؤون الرساليّة، وكانت متعلّقة بحركته ومن لهم علاقة به في زمنه خاطبه بالنّبيّ، وذالك لوضوح سبق النّبوّة على الرسالة. 
وتطبيقا لما تقدّم من يُمكن أن نفسّر قوله تعالى ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)(المائدة ـ67)، فالمولى تعالى وبعد أن يلحظ حيثيّة الرسالة في نبيّه محمد صلّى الله عليه وآله وسلم يوجّه له الخطاب الذي من خلال استعماله للفظة «الرَّسول» نفهم أنَّه خطابٌ يتضمن ما يتعلّق بالرسالة دون غيرها، بمعنى آخر أن ّ ذاك الشيء الذي لم يصرّح به المولى تعالى في الآية، وأمر رسوله بإبلاغه هو من الأمور التي تتعلّق بالرسالة التي بُعث بها النَّبيّ الأكرم. 
ويؤيّد ما ذهبنا له من معنى، نفس لفظة «الرِّسالة» الواردة في الآية والتي يفهم من وُرُودها في السياق، بأنّ الأمر الذي لم يُصرّح به في الآية، من الأمور المتعلّقة بمجموع ما أرسل به النّبيّ الأكرم، ولعلّ توقف قبول المولى تعالى ما قام به النّبيّ مِنْ تبليغٍ لعموم الرسالة التي كُلِّف بتبليغها، على هذا الأمر الذي أَمَرَ الله به النَّبيّ في الآية ولم يذكره، يدلِّل على أهميته وثقله، بحيث جعل المولى تعالى تبليغه معادلاً لتبيلغ كل الرسالة.
وأخيرا، نشير كذلك أنّه کلَّما وردت لفظة «الرَّسول» في سياقٍ قرآني، كانت المتعلّقات التي بعدها خصوصا من الأمور المتعلّقة بالرِّسالة، وكلَّما وردت لفظة «النَّبيّ» كان ما قبلها أو ما بعدها متعلقًا بنبوَّة النّبيّ محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، حتى أنّه تعالى عندما خاطب نبيّه باسمه «محمَّد» صلوات الله عليه وآله، وذلك في أربعة مواضع قرآنيّة، كانت المتعلّقات بهذه اللّفظة متعلّقة بشخص النّبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، دون النظر لحيثيّة الرّْسالة أو النّبوَّة.

حبيب مقدم 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م