16 محرم 1441 هـ   16 أيلول 2019 مـ 5:47 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات  |  حرية المعتقد وعلاقته بأحكام الردة في الإسلام
2019-03-30   368

حرية المعتقد وعلاقته بأحكام الردة في الإسلام

بغض النظر عن الاختلاف الحاصل بين منظومتنا الإسلامية وباقي المدارس في خصوص المرتكزات أو المنطلقات التي على أساسها يُحدَّد ويُبنى مفهوم «الحريَّة»، والذي بسبب الاختلاف فيه تكون الحرّية عندنا هي عبارة عن تحرير الذَّات الإنسانيّة من مجموع الأهواء والشهوات، وبالتالي تحرير الإنسان ومواقفه وإرادته من النّفس التي لا تفقه ولا تهتم إلاّ بالمصالح الماديّة التي تترتَّب عليها ما يُسمى بـ «اللَّذة»، بينما تكون الحريّة عند باقي المدارس هي عبارة عن تحرير الأهواء والشهوات من القيود التي تسلّم وتقرّ بها ذات الإنسان، وبالتالي فهي تحرير النَّفس من مجموع القيود العقليّة والأخلاقيّة والعُرفيّة التي تنظم حياة الإنسان.  
وبغضّ النظر عن الاختلاف في فهم الحريّة، نأتي في البداية إلى توضيح أنّ حرّية المعتقد مكفولة لكل فرد لم يدخل للدِّين الإسلامي، أو لم ينشأ عليه، وكذلك الحال في ممارسة هذه الحرِّية قولاً وفعلاً، وذلك بنصٍّ قرآنيٍّ محكم الوضوح، فقد أمر المولى تعالى نبيَّه بأن يخاطب غير المسلمين بقوله: ((قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ))(الكافرون ـ 1ـ5) .
وعليه، فغير المسلم خارج عن دائرة بحثنا في خصوص تلك العلاقة القائمة بين حرِّية المعتقد وحكم الرّدة، بل كل الكلام والبحث سيتناول فقط الفرد المسلم الذي يريد بِسَبَبٍ من الأسباب أن يخرج عن دائرة الأمّة الإسلاميّة تبعًا لخروجه من الدين الإسلامي. 
وبالتالي، فلو حاولنا التأمُّل في ذاك العنصر المرتبط بالإنسان، والذي  ستستهدفه المنظومات التشريعيّة بعملية التنظيم التي هي الأخرى سبب في تشييد هذه المنظومات المختلفة، وذلك لأنّ تعيين وتحديد العنصر المستهدف في الإنسان والذي ستتمحور حوله مسائل أي منظومة تشريعيَّة مفترضة، سيساعدنا بشكل كبير أولا: في فهم المبرِّرات لتشريع أي مسألة من عدمها، وثانيًا: سيساعدنا في تقييم أيّ منظومة تُطرح، وأيضًا سيساعدنا في تقييم كل مسألة تشريعيّة توضع لتنظيم حياة الإنسان. 
ونحن لو حاولنا التأمّل في الإنسان من جهة، وفي المنظومات التشريعيّة من جهة أخرى، وكذلك تأمّلنا تلك العلاقة القائمة بينهما، سوف نصل لحقيقة أنّ «حركة الإنسان» هي العنصر الذي تستهدفه أيّ منظومة تشريعيّة أو قانونيّة مفترضة، وذلك لوضوح ارتباط هذه الحركة بعملية التنظيم، بحيث صارت هي العنصر المستهدف من تشريع المنظومات التشريعيَّة والقانونيَّة، فالتنظيم الذي ستؤديه المنظومة يستهدف حركة الإنسان لا شخص الإنسان في ذاته. 
وعليه، فعلينا قبل كل شيء التأمّل والبحث في الأنحاء المختلفة لحركة الإنسان، التي ستستهدفها المنظومات العملية بالتنظيم والترتيب والإصلاح، لتحديد النحو الذي تتعلَّق به المنظومات المختلفة، فنحن وبعد التأمّل في حركة الإنسان، سنجد أنها تكون على مستويين عامَّين: 
المستوى الأول: هو تلك الحركة الفرديّة للإنسان، وهي تكون أيضًا على نحوين:
أ‌) النحو الأول: هي تلك الحركة الداخليّة للإنسان التي تكون على نحوين: الحركة الأولى: هي حركة داخليّة متعلّقة بالجانب المعنويّة والنَّفسي، والحركة الثانية: هي حركة متعلّقة بالجانب الفكري العقلي.
ب‌) النحو الثاني: وهي الحركة الخارجية المعبّرة على الحركة الداخليَّة للإنسان، والتي أيضًا تكون على نحوين، الحركة الأولى: حركة  التلفُّظ القولي، والحركة الثانية: حركة السلوك العملي.
المستوى الثاني: هو تلك الحركة الجماعيّة المتولِّدة من مجموعة الحركات الفرديّة التي أوضحناها، وعلاقة المنظومات التشريعيّة بهذه الحركة لا تكون بشكل مباشر، بل ترتبط بها من خلال الحركة الفرديَّة. 

ومن هنا وبعد توضيح أنحاء حركة الإنسان التي يُفترض بالمنظومات التشريعيّة والقانونيّة تنظيمها وكذلك إصلاحها بما ينسجم مع المصالح الوجوديّة للإنسان، بات بالإمكان أن نفهم أنّ المولى تعالى وفي طرحه للمنظومة الإسلاميّة لم يتجاهل أيّ نحو من أنحاء الحركات السابقة، وبالتالي فيمكن لنا الإدّعاء مطمئنين في هذا المقام بأنّ  المنظومة التشريعيّة الإسلاميّة ومنذ أن طُرحت قبل قرون عديدة تتميّز عن باقي المنظومات القانونيّة الوضعية بقدرتها على استيعاب جميع أنحاء حركة الإنسان، بمستوييها الفردي والجماعي. 
بل إنّ التتبّع المقرون بالتأمّل الموضوعي في التشريعات الإسلاميّة عموماً، والتشريعات الجزائيّة العقابيّة خصوصاً، سيكشف لنا ويقودنا لحقيقة وجود عناية خاصة من المولى تعالى اتجاه الحركة الجماعيّة للإنسان، بحيث يكاد لا يكون هناك تشريع متعلّق بمصالح ومفاسد الحركة الفردية إلاَّ والمولى تعالى قد لاحظ معه المصالح والمفاسد المتعلَّقة بالحركة الجماعيّة لبني الإنسان، فهو تعالى لم يُقْدم على تشريع أي نحو من أنحاء العقوبات المتعلّقة بأفعال الأفراد، إلاَّ بعد ملاحظة آثار تلك الأفعال على حركة الإنسان الجماعيّة. 
وبالعودة لمسار كلامنا وبحثنا، سنجد أنّ المولى تعالى لم يشرّع أي تشريع جزائي عقابي ليتعلّق بالحركة الداخليّة للإنسان، سواء كانت المعنويَّة النَّفسيَّة أو الفكريَّة العقليَّة، بل مع التأمل في عموم الطرح الإسلامي، سنجد أنّه تعالى قد اكتفى في علاجهما بالوعظ والإرشاد، وأوكل شأنهما الفعلي لإرادة صاحبهما. 
وهذا ما يكشفه لنا قوله تعالى ((وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا))(الكهف ـ29)، فهنا يمكن أن نلحظ أنّ المولى تعالى قد أعطى كامل الحرّية للفرد، لأن يعيش في داخله الحالة التي يرتضيها لنفسه، فالإيمان والكفر هي حالات يعيشها الإنسان داخليَّا، وبالتالي فالحركة الداخليّة للفرد لا عقاب عليها في عالم الدنيا، إلاّ ما اقتضته القوانين الحاكمة في واقع الإنسان، بل العقاب المباشر تركه المولى تعالى  ليوم الآخرة. 
وتكريسًا لمبدأ الحريَّة في الحركة الداخليّة للإنسان، منع المولى تعالى ـ بنفي هو أقوى من النهي ـ عمليّة الإكراه التي هي متعلّقة بالشؤون الداخليَّة، فقال تعالى: ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))(البقرة ـ256).  

وفي مقابل ذلك نجد أنَّه تعالى قد علَّق كل عقوباته الجزائيّة العقابيّة بالحركة الخارجية للإنسان، سواء كانت القوليَّة أم الفعليّة، طبعًا مع تفاوتٍ في الشدّة والضعف بينهما، وكذلك مع تفاوتٍ في شدَّة العقاب من فعلٍ إلى آخر، ولعلَّ الضابطة التي نلتمسها ونلحظها من خلال استقرائنا لمجموع التشريعات الإسلاميَّة في خصوص الشدَّة والضعف المتعلِّقين بالأفعال الفرديّة، هو حجم ومدى تأثير وارتباط  الفعل الفردي بالحركة الجماعيَّة، بمعنى أنّه كلّما كان الفعل أو الجُرم الفردي له القابليَّة ليتحوَّل إلى ظاهرة اجتماعيّة سلبيّة كبيرة، كان العقاب المتعلّق بالحركة أو الفعل الفردي أشدّ وأقسى، وذلك لوضوح الدور الكبير والمهم لتلك الحركة الجماعيّة في تحقيق الأهداف الإنسانيَّة الكبرى، فمن خلالها تَنهض الأمم وتُبنى الحضارات، وبها تتحقّق كل العناصر المساعدة على سير الإنسانيَّة نحو اكتساب كمالاتها المحتاجة إليها، كالاستقرار والأمان والإنتاج والعطاء بكل مستوياته .....إلخ.
وعليه، فبناءً على أنّ التشريعات العقابيّة قد تعلّقت فقط بالحركة الخارجيَّة للإنسان، يصير الكلام غير متعلّق حقيقة بما يصطلح عليه بـ «حرّية المعتقد»، بل الكلام في الواقع يدور حول «ممارسة حرّية المعتقد» داخل واقع الأمّة التي خرج منها المرتدُّ بإرادته، ويترتب على هذا الإختلاف حقيقة أنّ تلك الأحكام العقابيَّة التي شرَّعها المولى تعالى لا تتعلّق بتاتا بمفهوم «حرِّية المعتقد»، بل هي متعلّقة بممارسة هذه الحرِّية في واقع قد تنكَّر له صاحب الحرّية.
وبالإضافة لكلّ ما تقدّم، يجب أن لا نغفل عن تلك الحقيقة الواقعيّة المهمَّة، والتي تفيد بأنَّ المولى تعالى وفي رسالته التي أرسلها للنّاس، عمل على تأسيس أمّة تتشكّل من الأفراد والجماعات الذين يؤمنون برسالته، وذلك يتضح لنا من خلال منظومة الحقوق والواجبات المقتضية لوجود تشريعات حُكْمِيَّة قائمة بين المؤمنين برسالة الإسلام دون غيرهم، وهذا الاهتمام المولوي بتشييد كيان اعتباري يجمع فيه كافة المؤمنين برسالته، يعود لتلك المصلحة التي تقتضيها عمليّة الإصلاح الشاملة لكافة أفراد بني الإنسان، والتي تقتضي اتباع منهجيّة الدوائر، بمعنى أنّه إذا ما أردنا الإصلاح الجماعي بدون الوقوع في الإجبار القهري، ليس لنا إلاَّ أن نتَّبع منهجيّة الدوائر التي تبدأ بالفرد لتنتقل للأسرة ثم الأقرب فالأقرب حتى تَعُم كل أفراد البشريّة. 
واهتمام المولى تعالى بالكيان الاعتباري المسمّى بـ «الأُمَّة»، يكشفه لنا قوله تعالى ((وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ))(المؤمنون ـ52)، وقوله تعالى ((إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ))(الأنبياء ـ92)، فهنا نلحظ كيف أنّ المولى تعالى وبعد أن ينسب المؤمنين إلى ذاك الكيان الاعتباري المسمَّى بـ «الأُمَّة» يقرّر لنا بعبارة واضحة حقيقة وحدة الأمَّة، بل ولشدَّة أهميَّة هذا الكيان الموَّحد نلحظ أنّه تعالى قد قرنه في سياق واحد مع تلك الحقيقة التي يقوم عليها كل الدين الإسلامي، وهي حقيقة أن الرَّب والمدبَّر هو الله، فَقَرْنُ الأمَّة الواحدة مع حقيقة الربوبيَّة والتدبير في سياق واحد، يكشف لنا حجم الأهميَّة  لمؤدى مفردة الأمَّة في اعتبارات المولى تعالى. 
وعليه، فنشير هنا إلى أنَّ هذه الأمّة التي عمل المولى تعالى على تشييدها، هي صاحبة الحركة الجماعيَّة التي ذكرناها أثناء كلامنا حول أنحاء حركة الإنسان، وحركة الأمَّة هي التي أولاها المولى تعالى عناية خاصة أثناء تشريعه لتلك المنظومة الجزائية المتعلّقة بحركة الفرد الخارجيَّة، بحيث كانت حركة الأمَّة هي الضابطة الأساسيَّة في شدَّة وضعف العقاب المتعلَّق بفعل الفرد، وأيضًا نشير إلى أنّ مفهوم مفردة «الأمّة» التي نستعملها في سياق كلامنا، هو نفس المفهوم الذي تحمله مفردة «الأمَّة الإسلاميَّة»، وعليه فلا يمكن الفصل فيها بين الدين الإسلامي والأفراد المتبنِّين له، لوضوح أنّ الإسلام هو الضابطة والمقياس الذي به يلتحق أو يندرج الفرد البشري ضمن دائرة الأمَّة الإسلاميَّة، وبالتالي فالمُرتدّ عندما يخرج عن الدِّين الإسلامي، يكون بخروجه ذاك قد أخرج نفسه عن دائرة الأمَّة الإسلاميَّة، وبالتالي فهو لم يعد محسوبًا على واقع الأفراد الذي يعيش بينهم، بمعنى أنّ تنكُّره للإسلام هو في الواقع تنكَّر للبيئة الإجتماعيَّة والواقع الإجتماعي الذي كان ينتمي إليه قبل الرِّدَّة. 

نتائج البحث:
بعد أن عرفنا أنّ الحرية الاعتقادية لغير المسلم مكفولة في الإسلام، وكذلك الحال في ممارسته لحرّيته الإعتقاديَّة داخل الساحة الإسلاميَّة، فهي مكفولة في الإسلام بقيد أن لا يترتب عليها أضرار ومفاسد عقلائية اتجاه من حوله من المسلمين، وبعد أن عرفنا أنّ الأحكام الجزائية العقابيَّة في المنظومة التشريعيَّة الإسلاميّة، لا تتعلَّق بتلك الحركة الدَّاخليَّة للإنسان، مما ترتّب عليه أنّ الإسلام يكفل للمرتدّ المصداق الصحيح لمفهوم «حرِّية المعتقد»، وكذلك بعد أن عرفنّا أن الأحكام الجزائيَّة في التشريع الإسلامي تتعلّق فقط بالحركة الخارجيَّة للإنسان، والتي هي مصداق لمفهوم «ممارسة حرِّية المعتقد»، وبالتالي فإنّ هذه الممارسة هي المقيَّدة من خلال تلك التشريعات الجزائيّة الناظرة أثناء تشريعها أيضًا للأضرار والمفاسد اللاحقة بالحركة الجماعيّة للأمَّة الإسلاميَّة، وبعد أن علمنا أنّ تلك الحركة الجماعيّة التي أولاها المولى تعالى أهميَّة بالغة، هي نفسها حركة الأمَّة الإسلاميّة، وأنّ اعتبارات المولى تعالى لمفهوم «الأمَّة الإسلاميَّة» لا ينفصل فيها الدين الإسلامي عن الأفراد المنتمين له، ممّا يترتب عليه أنّ الخروج  والتنكُّر للدّْين الإسلامي، هو عينه الخروج  والتنكُّر لأفراد الأمّة الإسلاميَّة.    
بعد أن اتضحت لنا كل تلك النقاط نأتي لنؤكد على التالي: 
أنّ الأحكام الجزائيَّة المتعلّقة والمترتِّبة على رِدَّة المسلم عن دينه، والتي تتمثّل في جملة من الإجراءات، منها ما يتعلّق بنفسه، ومنها ما يتعلّق بزواجه، ومنها ما يتعلّق بماله،  فالأول هو القتل، والثاني هو تطليق زوجته منه، والثالث هو سلب ماله وتوزيعه على ورثته، هذه الأحكام وفي تنفيذها عمليًّا مثلها مثل جملة من الحدود الشرعيَّة الأخرى، فهي مقيّدة بجملة من الشروط والضوابط المصغِّرة لدائرة تنفيذها، منها: أنَّ تنفيذ هذه الأحكام بيد الحاكم الشرعي الأصيل، وبالتالي فهنا لا بد لنا من فرض وجود حكومة شرعيَّة، يقوم عليها الحاكم المخوَّل واقعًا بالحكم، ومنها: أنَّ تنفيذ هذه الأحكام متوقفة على مجاهرة أو اعتراف المرتد بردَّته، وبدونها لا يمكن بأيِّ وجهٍ تنفيذ هذه الأحكام الجزائية، ومنها: أن لا تكون الرّدّة ناتجة عن شبهات فكرية وعقليَّة، بحيث تجعل المُرتد في مقام الجهل بموضوع ما يُنكر، وغيرها من الضوابط والقيود.... . 
وعليه ، فالتضييق الحاصل في تنفيذ هذه الأحكام، وخاصة حين توقُّفِها على المجاهرة أو الاعتراف الذي يقوم مقام المجاهرة، يدلِّل على أنّ هذه الأحكام مثلها مثل جملة من الحدود الأخرى، هي أحكام مجعولة لتكون ردعيَّة أكثر من كونها أحكام تنفذيَّة عِلاَجيَّة، ويؤيّده تلك القاعدة الفقهيَّة المضيِّقة لتنفيذ الحدود الشرعيَّة، ومفادها أنَّ «الحدود تُدْرَأ [تسقط] بالشبهات» وبالتالي فهذه الأحكام شرُّعت لتُشَكِّل ذاك الحاجز المعنوي في داخل الأفراد لتمنع بذالك تحوِّل السلوك الفردي السلبي إلى ظاهرة اجتماعيّة سلبيَّة، وأيضًا شُرِّعت لتمنع تشكّل الظواهر الإجتماعيَّة المؤثِّرة سلبًا على الحركة الجماعيًّة للأمَّة الإسلاميَّة، وذالك لما لهذه الحركة الجماعيَّة من أهميَّة كبيرة في اعتبارات المولى تعالى. 
وبالتالي فالتضييق في دائرة تنفيذ الحدود الرَّدعيَّة الإسلاميّة، بطبعه سوف يؤدي  لتَقْليل عمليات تنفيذ مثل هذه الحدود، بل نكاد نجزم أنّ هذا التضييق سوف يؤدي إلى تنفيذها عمليًّا  في عدد محدود من الأفراد الخاصّين، وهم على صنفين: 
الصنف الأول: هم الذين يفتقدون لقيمة احترام معتقدات الآخرين، وخاصة معتقدات المسلمين، سواء كان عدم الإحترام راجع إلى ردَّة فعل عمياء ناتجة عن اتباع لهوى النَّفس، أو بسبب قناعات فكرّية تبنَّاها بعد خروجه من الإسلام، وعليه فهو بفعله هذا قد وضع نفسه في خانة المهدّدين للسلم الأهلي، لوضوح أنّ التهجّم على معتقدات النّاس من أبرز المصاديق المسقطة للسلم الأهلي.
الصنف الثاني: هم الذين ينخرطون في مشروع أعداء الأمّة الإسلاميَّة، الذي يستهدف إسقاط كيان الأمَّة الإسلاميَّة، وبالتالي فهذا الصنّف وبفعله هذا يكون قد وضع نفسه في دائرة الخيانة لأمتّه وواقعها الذي هو جزء منه.
ولعلّ استقراءنا وتحليلنا للواقع هو الذي سيؤي بنا لحصر دائرة تنفيذ حدود الرِّدَّة في هذين الصنفين، ويتضح لنا الأمر بعد أنّ نعلم أنّ الفرد العاقل لا يترك دينه وينسلخ عن أمّته وأبناء بيئته، إلاَّ بعد أن يكون لديه مبرِّرات عقلائية متعلّقة بالحقيقة، ومن تكون حاله كذلك يفترض أن يكون مسؤولاً اتجاه كل خطوة يخطوها، وهذه المسؤوليَّة ستقتضي عليه احترام معتقدات الدين الإسلامي، والتي منها تلك التشريعات والحدود التي شُرّعت لتحافظ على إيجابيَّة الحركة الجماعيَّة للأمّة الإسلاميَّة، وعليه فقيمة الاحترام التي سيلتزم بها العاقل اتجاه مجموع ما يحتويه الدين الإسلامي من إجراءات جزائية وغيرها، سوف تلزمه أيضًا إمَّا بالهجرة عن الأرض التي يحكمها الدين الإسلامي، وبالتالي يتمكَّن من ممارسة حرِّيته الإعتقاديَّة كيفما شاء، أو أن يلتزم الصمت وعدم المجاهر بتنكُّره للدين الذي ارتضاه باقي أفراد الأمَّة ليكون الحاكم فيهم، تجنُّبًا للوقوع في دائرة تنفيذ تلك الأحكام الجزائيَّة الإسلاميَّة. 

خلاصة البحث: 
وخلاصة الكلام، هو أنَّ المولى تعالى قد أعطى للمرتدّ الحريَّة في اختيار المعتقد، وهذا يتضح من خلال العلم بأنّ الأحكام الجزائية العقابية لا تتعلَّق بتلك الحركة الدَّاخلية للفرد، والتي هي موضوع مفهوم «حُرِّيَّة المعتقد»، ولكنه قيَّد وضبط ممارسة حُرِّيَّة المعتقد للمرتدّ، وهذا يتضح لنا أيضا من خلال علمنا بتعلُّق الأحكام الجزائيَّة بتلك الحركة الخارجيَّة للفرد، والتي هي موضوع مفهوم «ممارسة حرِّيَّة المعتقد» لا هي موضوع مفهوم «حرِّية المعتقد».
وتقييده تعالى لممارسة حرّية المعتقد حصل من خلال تشريعه لتلك الأحكام الجزائية المشدَّدة والقاسيّة، لغاية إيجاد حالة من الرَّدع النفسي اتجاه تلك الجرائم، والتي هي الأخرى لا تتوقف سلبياتها على المستوى الفردي فقط، بل وتطال أيضًا بسلبياتها كيان كلّ الأمَّة الذي أولاه المولى تعالى عناية خاصَّة لأهميته في تحقيق الإصلاح البشري العام، الذي هو غاية من الغايات الأساسيَّة للدين الإسلامي. 
وهذا كلّه حصل في ظل المحافظة على حرِّيَّة المعتقد للأفراد، وكذلك في ظل مراعاة عدم الوقوع في مستنقع سفك الدماء، لذلك نجده تعالى قد قيَّد الجانب الإجرائي التنفيذي لهذه الأحكام المشدَّدة والقاسيّة بجملة من الشروط والقيود، التي إذا ما تقيَّدنا بها لا يبقى أمامنا من نطبّق عليه هذه الأحكام الجزائيَّة إلاَّ من صدق عليه أنّه من الذين يحبّون إشاعة مختلف مصاديق الفواحش داخل واقع الأمَّة، وبالتالي يصيرون من مصاديق قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ))( النور ـ 19). 
وفي الختام نشير إلى تلك الحقيقة التي يجب عدم إغفالها حين مناقشتنا للمباني التي بُنيت عليها المنظومة التشريعيَّة الإسلاميَّة، وهي حقيقة أنّ عموم التشريعات الإسلاميَّة وضعت من قِبَل الخالق والموجد للإنسان والكون، وبالتالي فهي مشرَّعة من قِبَل المالك الحقيقي للإنسان والكون، والذي هو أعلم وأحكم وأعدل من الإنسان، وعليه فليس كل ما يعجز العقل عن مقاربته، لا بد من رفضه أو استهجانه، بل يجب على الفرد أن يعطي لنفسه الفرصة ليصل للحيثيات التي بها يكون قادر على استيعاب وقبول الحكم. 
وكذلك وبلحاظ أنّ هذه التشريعات قد شُرِّعت من قِبل من له المُلكيَّة الحقيقية على الوجود والموجود، في مقابل مُلكِيات بني الإنسان على الأشياء التي لا تخرج عن المُلكية الإعتباريَّة الإستئمانيَّة، فبهذا اللِّحاظ  يجب أن نستحضر حقيقة أنَّ المولى تعالى خارج عن دائرة السؤال في ما يفعل وفي ما يشرَّع، وهذا ما يوضحه قوله تعالى ((لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ))( الأنبياء ـ23) ، ولكنه تعالى ومن باب كرمه ورحمته سمح للإنسان أن يسأل ويتسائل، وبالتالي فيجب أن نحذر من الوقوع في مستنقع المجادلة المؤدِّية للوقوع في حالة الإغترار والإستكبار، التي هي من أكبر الأمراض التي يمكن أن يقع فيها الفرد في الحياة الدُّنيا. 
فالعاقل هو ذاك الفرد الذي تجده يدرك حقيقة أنَّ الإنسان يبقى طيلة حياته متَّصفًا بالبحث عن الحقّ والحقيقة، لوضوح أنَّ الإنسان مهما بلغ من مراتب معرفيَّة، لن يقدر أن يحيط بكل المعارف المتعلَّقة بالوجود والموجود، وبالتالي  فالذي يجهله الإنسان هو أكثر بكثير ممَّا يعلمه. 

حبيب مقدم

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م