16 محرم 1441 هـ   16 أيلول 2019 مـ 5:31 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أفكار ونظريات |  فلسفة الملا صدرا... "أصالة الوجود" و "الحركة الجوهرية" نموذجا
2019-04-19   438

فلسفة الملا صدرا... "أصالة الوجود" و "الحركة الجوهرية" نموذجا

ليس من الممكن في حقيقة الواقع أن يدخل أو يسير أيّ فردٍ في دروب الفلسفة دون أن تتَّقد وتشتعل في داخله جمرة البحث عن الحقيقة، وقد تدفع الظروف بعض الأفراد للسيَّر والدخول إلى دروب الفلسفة دون أن تشتعل في داخلهم جمرة عشق الحقيقة، غير أنّ هؤلاء لن يطيل مسيرهم فيها حتى يتمكن منهم الملل والخيبة فينصرفون عن دربها، وإن لم يفعلوا ذلك تجدهم ماكثين حيث يمكث عادة الواهمون المدَّعون للعلم والمعرفة.
وكذلك نجزم أنَّه لا يمكن الإستفادة من دروب الفلسفة للوصول إلى أقصى ما يمكن أن يوصل إليه العقل البشري، إلاَّ بعد أن يتمكن السائر من خَرقِ وخلع حُجب الأُلفة والأُنس بما حوله، والتي تمثَّل أكبر عائقٍ يمكن أن يواجهه الباحث عن الحقيقة في مراحله الأولى من طلب الحقَّ والحقيقة، وأيضًا يمكن لنا أن ندَّعي في هذا المقام ونحن واثقون، بأنَّ الكيف الواقعي للحقَّ والحقيقة لن يتمكن من الوصول إليه، إلاَّ من استطاع أن يعرف نفسه، وذلك لأجل اكتساب القدرة على الفرز بين الإسقاطات التي تتأتى من النَّفس، والحقيقة التي تتراءى بذاتها للفرد، فكم هي الإسقاطات النَّفسية التي نراها تُعد اليوم من العلم والمعرفة، وكم هم الذين لُقِّبوا اليوم بالفلاسفة وهم في واقع حالهم من ذاك الصِّنف القابع على أطراف دروب الفلسفة، نتاجهم الإدِّعاء وبرهانهم الإفتراء.
وعليه، فنحن اليوم سنتوجه إلى واحدٍ من المذاهب الثلاثة الفلسفيَّة الإسلاميَّة، وهو مذهب «الحكمة المتعاليَّة» الذي تميَّز عن غيره ببعض المقولات التي يصعب تقبُّلها للوهلة الأولى تبعًا لدقَّة مبانيها وصعوبة تصورها، وعند إطالة التأمّل فيها وتتبَّع مبانيها لا يجد المرء إلاَّ أن يحترمها، فلو أردنا التأمّل في الحركة الفلسفيَّة التي حصلت خلال القرون الماضيَّة في البلاد الإسلاميَّة، سنجدها قد أفرزت لنا ثلاثة مذاهب فلسفيَّة، هي:
المذهب المشائي الأروسطي: الذي كان له الحضور الأبرز والأقوى في السَّاحة الفلسفيَّة الإسلاميَّة، ومن أبرز أعلامه «المعلّم الثاني» الفرابي، و«الشيخ الرئيس» ابن سينا..... .
المذهب الإشراقي: الذي لم يكتب له الحضور الواسع داخل السَّاحة الفلسفيَّة الإسلاميَّة، ومن أبرز أعلامه مُؤسِّسه «شيخ الإشراق» السهراوردي.
مذهب الحكمة المتعالية: الذي نحن في صدد الحديث عنه، والذي لم يأخذ حيزه المناسب داخل الساحة الإسلاميَّة إلى يومنا هذا، رغم ما تميَّز به من مقولات فريدة، بحيث تخوَّل له أن يكون مغايرًا للمذهبين السابقين، ومن أبرز أعلامه مؤسِّسه «الملاَّ صدرَا»، وآخر رواده «العلامة الطباطبائي».
فنحن لو رجعنا إلى ما خطَّه المُلاَّ صدرَا من معارف فلسفيَّة وحكميَّة، وبالتحديد إلى ما خطَّه في مصنَّفه «الحكمة المتعاليّة في الأسفار العقليّة الأربعة» المتشكِّل من تسعة أجزاء، والذي جمع فيه كل آرائه الفلسفيَة، سنجد أنَّه لم يخرج عن النّسق الفلسفي العام الذي سار عليه من سبقه من أصحاب المذاهب الفلسفيَّة الأخرى، غير أنّ عدم خروجه عن النسق العام لا ينفي أن تكون له نتاجات خاصة وفريدة، بل الحقيقة التي لا يمكن لأحد إنكارها هي أنَّ الملاَّ صَدرا قد خالف عموم الفلاسفة الذين سبقوه زمانيا في أهم أصلين «أصالة الوجود» و«الحركة الجوهريَّة»، مما ترتب عليه التغاير بين مذهبه وباقي المذاهب الفلسفيَّة في جملة من المسائل الفلسفيَّة.
وعليه، فلأجل ضيق المقام لن نتمكن من الحديث حول عموم مذهبه الفلسفي، بل سيقتصر حديثنا هنا فقط على أهم أصلين تميَّز بهما مذهب الحكمة المتعاليَّة، وهما «أصالة الوجود» الذي سنتوقف عنده بشكل مختصر لنترك المجال الأوسع للثاني الذي هو «الحركة الجوهريَّة»، والذي نرى أهميَّة في إبرازه، وإبراز النتائج المترتبة منه.


أصالة الوجود 
منذ الزمن الذي سبق التقويم الميلادي، أدرك الإنسان حين تأمُّله للأشياء الماثلة أمام ناظريه في الخارج، بأنَّ وجود الشيء هو أمر زائد عن حقيقة الشيء في الخارج، ولذلك لو عدنا إلى الفلسفة سوف نجدهم يصطلحون على حقيقة الشيء بمفردة «المَاهِيَةُ»، وعن وجود الشيء بـ «الوجود»، فالوجود المتلبس بالتفَّاحة الماثلة أمامنا هو في حقيقة الأمر مختلف تمامًا عن ماهية التفَّاحة وحقيقتها.
وهذه الماهيَّة التي تمثِّل حقيقة التفَّاحة عندما تأمّلها الفلاسفة، وجدوها تتشكل من أمور حتى لو تغيَّرت دفعة واحدة سوف تبقى حقيقة التفَّاحة ماثلة أمامنا، وهذه الأمور اصطلحوا عليها بـ «العوارض» وهي تسعة على قول مشهور الفلاسفة، من قبيل «لون التفَّاحة» الذي يعود لمقولة الكيف العرضيَّة، وكذلك تتشكَّل هذه التفاحة من أمور لو وقع عليها التغيّر الدَّفعي ستتغيَّر معه حقيقة التفاحة، وهذه الأمور اصطلحوا عليها بـ «الجوهر».
وعليه فالأشياء الموجودة في الخارج، عندما تأمَّلها الفلاسفة وجدوا أنَّها تتشكل من الوجود والماهيَّة، والماهيَّة تتشكل من أعراض وجوهر، والجوهر هو حقيقة الشيء التي بتغيرها يتغيَّر الشيء الذي أمامنا إلى شيء آخر غير الحقيقة التي كان عليها قبل التغيّر، بينما الأعراض حتى لو تغيَّرت فحقيقة الشيء تبقى ثابتة، وبالتالي لا يستلزم من تغيُّرها تَغَيُّر حقيقة الشيء.
وعندما تأمَّل الفلاسفة تلك الأشياء في الخارج لاحظوا أنّ لديها آثارا تكونيَّة تترتب عليها وتصدر منها، فالنَّار التي أمامنا يترتب عليها أثر يقتضيه تكوينها وهو الإحراق، وكذلك الشمس التي هي في الخارج أمامنا يترتب عليها أثر تكويني هو الإضاءة، ومن هنا وقع الفلاسفة أمام سؤال مهم، وهو: هل أن الآثار التكوينيَّة التي تترتَّب وتصدر من الأشياء في الخارج، هل تصدر وتترتب من ماهيَّة الأشياء أم من وجودها؟
وفي مقام الجواب ذهب السواد الأعظم من الفلاسفة إلى القول بأنَّها تترتب عن ماهيَّة الشيء لا عن وجوده، وبالتالي قالوا إنَّ الأصالة متحقِّقة للماهيَّة، بينما الوجود هو أمر اعتباري، بينما خالفهم «المُلاَّ صدرا» في هذا الأمر، وذهب إلى القول: بأنَّ الآثار التكوينيَّة تترتب عن وجود الشيء في الخارج، لا أنَّها مترتِّبة عن ماهيَّة الشيء، وبالتالي فقد اعتبر «المُلاَّ صدرا» أنَّ الأصالة للوجود، والإعتبار للماهيَّة.
وعليه، فالملاّ صدرا يَنحُو نَحْوَ القول بأنَّ الأصالة متحقِّقة للوجود لا للماهيّة، خلافا لما عليه مشهور المذاهب الفلسفيّة الإسلاميّة واليونانيّة، فالملاّ صدرا يرى أنّ العنصر الذي تترتّب عليه الآثار في الخارج هو الوجود لا الماهيّة، ولتقريب هذا الأمر للأذهان أكثر، نقول: 
بأنَّه إذا نظرنا لأي شيء متحقّق الوجود في الخارج، كالنَّار مثلا الموجودة أمامنا في الموقد، سنلحظ بدايةً أنّنا قادرون على التفاعل والتواصل معها بحواسنا، وتبعا لذلك فنحن قادرون على تشكيل تصَوُّر عن حقيقتها الخارجيّة، والذي سيمكِّننا في مرحلة ثانية من الجواب على السؤال التالي: ماهي حقيقة هذا الشيء الذي أمامنا؟ وفي الجواب على سؤال ماهي: لا بد لنا من ذكر العناصر المكوّنة لحقيقة الشيء، سواء كانت هذه العناصر ذاتيّة أم عرضيّة، فالعناصر المكوّنة لحقيقة أي شيء هي ما يُصطلح عليه في الفلسفة بالماهيَّة كما اوضحنا ذلك سابقًا، فماهية الشيء هي ما يذكر في جواب ماهي حقيقة هذا الشيء، وبالعودة إلى مثالنا وهو النَّار في المَوْقد، سنلحظ أنّ النَّار التي أمامنا والتي نتفاعل معها بحواسنا المختلفة وبالتالي يمكن لنا أن نصفها أو ننسب لها حكما ما، تتشكّل عند التحليل العقلي من شيئين:
الأوّل: حقيقة النّار التي أمامنا، والمتكوّنة من مجموعة عناصر، بعضها ذاتي لا ينفصل عنها وإن انفصل عنها بطلت حقيقتها وتغيّرت، وبعضها عرضيّ يمكن أن ينفصل عنها بدون أن تبطل حقيقتها، ومجمل هذه الحقيقة هي التي أسميناها أو أطلقنا عليها لفظة الماهية.
الثاني: هو وجود هذه النَّار الماثلة أمامنا، الذي هو مختلف في حقيقته عن ماهيّة النَّار، وبدونه لا يمكن أن يتحقّق للماهيَّة وجود خارجي، بل ستكون في مرتبة العدم.
وكذلك سنلحظ أيضا أنّ حقيقة النار الخارجيّة لا يمكنها أن تنفصل عن الوجود أبدا، لأنّه لو تحقّق الانفصال بين الوجود وحقيقة النّار، لاتّصفت حقيقة النّار بالعدم ـ لأنّ النقيضين لا يرتفعان ـ وهو خلاف ما هي عليه حقيقة النَّار التي في الخارج، فهي متحقِّقة الوجود وماثلة أمامنا.
وعليه، فأيّ شيء يمكن أن نفترض وجوده في الخارج، فهو يتشكَّل من عنصرين «الماهيّة والوجود»، وهذا ما يسلّم به السواد الأعظم من المذاهب الفلسفيّة الإسلاميّة واليونانيّة، إلاّ أنّ الخلاف بين مذهب الحكمة المتعاليّة وبين باقي المذاهب الفلسفيَّة، يقع في تحديد العنصر الذي تترتب عليه الآثار التكوينيّة.
وتطبيقا لمثال النَّار، فالخلاف يقع في هل أنّ الإحراق الذي هو أثر تكويني للنَّار يترتب وينتج عن وجود النَّار في الخارج، أم أنه يترتَّب وينتج عن ماهيّة النَّار المتحقِّقة هي الأخرى في الخارج من خلال الوجود، فمن قال بأصالة الوجود تبنى الرأي الأول، أما باقي المذاهب الفلسفيّة فتبنّت الرأي الثاني، وهو أصالة الماهية، القائل بأنّ الأثار تترتَّب عن ماهيَّة الشيء لا عن وجوده.
وعليه فالمُلاَّ صدرَا الذي ذهب للقول الأوّل، يرى أنّ كل ما يمكن أن يُفرض على أساس كونه آثارا تكوينيّة  للموجودات، هو ناتج ومترتب عن وجود الموجودات لا عن ماهياتها، فالإحراق مُتَرتِب عن وجود النّار لا عن ماهيتها، والإختناق مترتب عن وجود الدخان لا عن ماهيّة الدخان، وله في ذلك أدلَّة ومبانٍ موجودة في مصنَّفه «الحكمة المتعاليّة في الأسفار العقليّة الأربعة»، فمن أرادها فليراجعها، أمّا باقي المذاهب الفلسفيَّة الإسلاميَّة فقد ذهب أصحابها الى القول أو الرأي الثاني: فهم يرون أنّ الإحتراق والإختناق مترتبان على ماهيّة النَّار والدخان لا عن وجودهما.
وإلى هنا نكتفي بالكلام حول هذه المقولة، وذلك بسبب ضرورة المقام، وترك المجال للمقولة الثانيَّة «الحركة الجوهريَّة» التي هي أولى في نظرنا بالبيان والتوضيح من المقولة الأولى.


القول بالحركة الجوهريَّة
بداية نشير إلى أنَّه قد تشتبه بعض الأذهان حين محاولة تطبيق مفهوم الحركة الجوهريّة على مصاديقها، فتتصوّر أنّ تلك الحركات الحاصلة لأجزاء الذّرات حول نواتها، أو تلك الحركات الحاصلة للكواكب والنُّجوم في مجرّاتها، هي من مصاديق الحركة الجوهريَّة التي قال بها المُلاَّ صدرَا.
فالحركات التي تحصل للذّرات من قبِيل حركة الإلكترون حول نواته، أو حركات الأجرام السماوية حول مايفترض أن يكون مركزها أو محورها، ليست هي ما نقصده بالحركة الجوهريّة التي تقع على جميع الأجسام الماديّة، والتي نحن في صدد تبيانها، صحيح أنّ الذَّرة أو المجرَّة تقع فيها حركة، ولكنّها ليست هي نفس الحركة الواقعة في الجوهر، لكونها حركة تقع في المكان والأعراض، فهي حركة مكانيّة.
كما أنّه لا ضَيْرَ في وُقُوع عدّة حركات في موجود ماديّ واحد وفي زمن واحد، من قبيل «الكرة الأرضيّة» التي لها حركة حول نفسها، وحركة حول الشّمس، وحركة ضمن المجرّة حول محور الكون، وأيضا وبلحاظ كونها جوهرا ماديّا فلها حركة جوهريّة، بالإضافة إلى الحركات الواقعة في أعراضها، فوحدة المتحرّك لاتدلُّ على عدم إمكان تعدد الحركة، وبالتّالي فالقول بوحدة المتحرّك لا تفرض أو تلزم القول بوحدة الحركة، بل يمكن أن يكون المتحرّك واحدا والحراكات متعددة، نحو ما ذكرناه في الكرة الأرضيَّة.


السّير التّاريخيّ لنظريّة الحركة الجوهريّة
فبناءً على ما اشتهر في حقل الفلسفة، ومن خلال ما وصلنا من مصنَّفات ورسائل فلسفية، سواء اليونانيّة منها أو الإسكندرانيّة أو الإسلاميّة وكذا الكتابات الغربيّة، يمكننا القول بأنّ «الملا صدرا» قد تميّز بقوله بوقوع الحركة في الجوهر عمّن سبقه ممّن قال بها، بدرجة كبيرة بحيث تمكّنه من أحقّية نسبة هذه النظريّة اليه.
وتميّزه يمكن الحكم به عندما نطّلع على بنائه النّظريّ المتكامل لمقولته الحركة الجوهريّة ـ والذي يمكّننا من وصفها بكونها نظريّة فلسفيَّة ـ والذي سيكشف لنا عن مدى تمسكه بالقول بها وكذا شجاعته في القول بها، وقوله هذا هو الآخر كاشف عن مدى وضوح أمرها لديه، في مرحلة زمنيّة كانت الفلسفة الإسلاميّة ترى أنّ القول بها يعدّ ضربا من التخيّل والتَّوهم، بل يمكن وَسْمُ صاحبها بغير المحصّل للحكمة أيضا.  
وأكثر ما يكشف لنا عن شجاعته في القول بها، هي عبارة «الشّيخ الرئيس» إبن سينا، حينما قال في كتابه الشفاء: «ربما تمادى بعضهم في مذهبه حتى قال: والجوهر منه قارّ ومنه سَيَّال» (1)، فالشّيخ الرّئيس الذي سبق «الملا صدرا» بعدّة قرون، يرى أنّ القول بوقوع الحركة في الجوهر ضرب من ضروب التّمادي في عالم الفلسفة.
ولكن رغم تفرُّد الملاَّ صدرَا وشجاعته، إلاَّ أنَّ ذلك لا يعني أنّه لا يوجد مِن القدماء مَن قال بهذا القول، فالشّيخ الرّئيس ومن خلال العبارة السّابقة نراه يكشف لنا أنّ هناك من يقرّ بهذا القول، وكذلك الملاَّ صدرَا نفسه يحدّثنا أنّ هناك مَن سبقه بالقول بأنَّ للجوهر حركة في ذاته، بل ويذكر شواهد على ذلك (2). 
نعم مع البحث والتّتبع في كتب القوم، يمكن أن نجد من يشارك الملاَّ صدرا في القول بهذه المقولة، وهو الفيلسوف والطبيب «أبوبكرمحمد بن زكريّا الرّازي» (3) والذي كان يرى أنّ الجسم يحوي في ذاته الحركة، بمعنى أنّ الحركة ذاتيّة للجسم، وهذا هو ما عبّر عنه الملاَّ صدرَا بوقوع الحركة في الجوهر.
وكذلك يذكر لنا «ابن أبي أصَيبَعَة» في مصنّفه «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» أنّ لأبي بكر الرّازي رسالة في ما تسمى بالحركة الذاتيّة للجسم أسماها: «مقالة في أنّ للجسم تحريكًا من ذاته وأنّ الحركة مبدأ طبيعي» (4)، ولكنها لم تصل إلينا، كما هو حال كثير من المصنّفات.
أمّا لو عدنا إلى ماقبل الملاَّ صدرَا ممّن كان يرى بوقوع الحركة في الجوهر تلميحا أو تصريحا، سنجد مثلا «زينون الأكبر» الذي يقول: «إنّ الموجودات باقية داثرة، أمّا بقائها فبتجدّد صورها، وأمّا دثورها فبدثور الصُّور الأولى عند تجدّد الأخرى» (5)، وهذا يعنى أنّ الموجودات الجسمانيّة عندما نلحظها من جهة تجدّد صورها يمكن الحكم عليها بأنّها باقية، أمّا لو لاحظناها من جهة زوال الصُّور الأولى وَوُرُود صور جديدة عليها فلا ضير من الحكم عليها بأنّها زائلة ومندثرة.
والحقُّ في المقام، أنّ هذا القول رغم أنَّ الملاَّ صدرَا نفسه يستشهد به في معرض الكلام بأنّه ليس هو أوّل من قال بهذا القول، حتى يتم بعد ذلك وصفه بالمبتدع، إلاَّ أنَّ هذا القول المنسوب لـ «زنون» لا يمكن الفهم منه أنّ صاحبه يقول بوقوع الحركة في الجوهر، بل أقرب الاستظهارات منه هو: أنّ «زِينُون» متوقفٌ في الأمر، بدون ترجيح الاندثار أو البقاء ليكون الواقع الفعليّ للموجود الجوهريّ.
وأيضا قد نجد «هيراقليطس» حينما قال: «إنّ الحقيقة هي التغيّر وما من شيء إلاّ وهو في تغيّر دائم»، وكذلك القول المشهور الذي ينسب إليه حينما قال: «إنّ الذي ينزل النَّهر ذاته، تجري نحوه مياه أخرى، فالمرء لا يستطيع أن ينزل في النَّهر الواحد مرّتين»، وهذه العبارات قد يستفاد من تلميحها أو تصريحها، أنّ حقيقة الموجودات هي الحركة والتغيّر لا السّكون والثّبات، ولكنّه يبقى مجرَّد تلميح وتصريح لا أُسُسَ فلسفيَّة له، ليمكن الكلام حول كونها نظريَّة أو مقولة تامَّة.
وكذلك هناك ماهو منسوب «لأفلطون» يمكن أن نستفيد منه ماهو قريب  ممَّا نحن في مقام بحثه، وهو حينما فهم:  «أن الموجودات هي صور المُثُل، والمُثُل ثابتة لا تتغيّر بخلاف الموجودات في عالمنا الخارجي فإنّها متغيّرة ومتحركة»، فأفلطون  يرى أن الطاولة التي أمامنا والتي نراها ونتلمّسها هي في واقع الأمر عبارة عن صورة لحقيقتها الموجودة في عالم آخر سمَّاه بـ «المُثُل»، وعليه فالموجودات التي نتحسّس وجودها أمامنا هي صور أو ظلال منعكسة عن عالم المُثُل وهو الحقيقة، أمَّا عالمنا نحن فليس هو الحقيقة بل مجرّد انعكاس لحقيقة المُثُل، وهذا يعني أنّ عالمنا الخارجي المحسوس عند أفلطون على نحوين من الوجود: وجود انعكاسي صوري، ووجود حقيقي مثالي، وبالتّالي فهو يرى أنّ عالم المُثُل الذي فيه حقائق الأشياء هو ثابت غير متحرّكٍ، أمّا عالمنا الماديّ والذي هو عنده مجرّد ظل لعالم المُثُل هو متحرّك ومتغيّر.
أمّا  «المعلّم الأوّل» أرسطو، فرغم كون المشهور عن مذهبه «المشّائي» هو نفي وقوع الحركة في الجوهر، إلاَّ أنَّ الملاَّ صدرَا ينقل عنه مايمكن أن يستفاد منه معنى قريب من معنى «الحركة الجوهريّة»، وهو قوله: «أنّ الطبيعة الجسمانيّة جوهر سيّال وأنّ الأجسام كلها زائلة في ذاتها» (نقلا عن الأسفار ، الملاّ صدرا ، ج 3 ص112ـ113)، والحقيقة أنّ قول المعلم الأول بسيلان الجوهر الجسماني وزواله الذّاتي، قد يحمل أيضا معنًا غير ما فهمه الملاَّ صدرَا منه، وهو مافهمه أتباع المدرسة المشائية حتى قالوا بعكس مقولة الملاَّ صدرا.
ولعل من أشهر الأقوال التي فيها إشارة إلى معنى الحركة الجوهرية ـ وإن كانت صيغة قولهم بها بعيدة كلّ البعد عن صيغة الملاَّ صدرَا الفلسفيّة ـ هي أقوال العرفاء والمتصوفة حينما قالوا «بتجدّد الأمثال» أو «الخلق المتجدّد للعالم».
 ومن أبرزهم المقرّر النظري الأكبر للمعارف التصوفيَّة «محي الدين محمد بن علي» المشهور بـ «ابن عربي»، ففي كتابه فصوص الحكم يقول: «ومن أعجب الأمر أنّ الإنسان في التّرقي دائمًا، وهو لا يشعر بذلك للطافة الحجاب ورقّته وتشابه الصّور»، ومعنى ذلك أنّه من أعجب الأمور عدم الشعور -أو قل عدم درك العقل – بحالة التجدّد والتّرقي والصعودي الحاصلة للإنسان نحو بلوغ كماله المادي، لأجل لطافة (6) الحجاب (7) ورقّته وكذلك للتّقارب الشّديد في الشّبه بين الصّور التي تتوارد على مادته.
 وعليه، فخلاصة مايمكن ذكره هنا، هو أنّه من الإنصاف القول بأنّ هناك من سبق «الملاَّ صدرَا» في القول بوقوع الحركة في الجوهر، إلاَّ أنّ عدم وجود التَّصريح التَّام والكامل بها، إمّا لعدم تمكّن صاحبها من إيضاح وبيان معالم قوله بصيغة عقليّة فلسفيّة تامَّة، أو لعدم وصول المصنَّف المصرح فيه بهذه المقولة، يجعل من الملاَّ صدرَا الفيلسوف المسلم الوحيد المتفرّد حقّا بهذه المقولة بلا منازع.


النافون للحركة الجوهرية وأدلّتهم 
حسب ما وصلت إلينا من مصنَّفات فلسفية، فالسَّواد الأعظم من الفلاسفة الذين سبقوا الملاَّ صدرَا وبمختلف مذاهبهم الفلسفيَّة، ذهبوا إلى نفي وقوع الحركة في الجوهر، حتى أضحت مسألة نفي الحركة عن الجوهر من القضايا المسلم بها، بحيث لا يناقش فيها حكيم.
ومن أبرز النافين للحركة في الجوهر «المعلّم الأول» أرسطو، كما هو مرجح لدينا، وكذلك رُوَّاد مذهبه المشائي من اليونانيين والمسلمين، ومن المسلمين: «الشيخ الرّئيس» إبن سینا، وتلميذه «بهمنيار»، و«فخر الدّين الرازي»، وقبلهم «الفرابي»، و «الكندي»، وكذلك «إبن باجه»، و«إبن رشد»، و«العلاّمة الحلِّي»، و«الشيخ نصير الدّين الطوسي»، وأيضا فإنّ المذهب الإشراقي ينفي وقوع الحركة في الجوهر، وعلى رأسهم مؤسسه «شيخ الإشراق» السهروردي.


أدلّة نفي الحركة عن الجوهر 
لقد إستند معظم النافين لوقوع الحركة في الجوهر على بعض الأدلّة التي تكاد تكون واحدة، لكنّهم اختلفوا في كيفيّة صياغتهم لها، وهذا نلحظه في أغلب مصنَّفاتهم التي بحثوا فيها هذه المسألة المطروحة، ونحن هنا سنقتصر على ذكر دليلين ليكونا شاهدين على أدلّة نفي الحركة عن الجوهر.


الدليل الأوّل: 
ذكر الشيخ الرّئيس في كتابه «الشفاء» ما نصّه: «إنّ قولنا بأنّ الجوهر فيه حركة هو قول مجازي، فإنّ هذه المقولة لا تفرض فيها الحركة، وذلك لأنّ الطبيعة الجوهريّة إذا فسدت تفسد دفعة وإذا حدثت تحدث دفعة، فلا يوجد بين قوَّتها الصرفة وفعلها الصرف كمال متوسط، وذلك لأنّ الصّورة الجوهريّة لا تقبل الإشتداد والنُّقص، وذلك لأنّها إذا قبلت الإشتداد والتنقص لم يخل الأمر: إمّا أن يكون الجوهر وهو في وسط الإشتداد والتنقُّص يبقى نوعه أو لا يبقى، فإن بقي نوعه فما تغيّرت الصّورة الجوهريّة البتّة، بل إنّما تغيّر عارض للصّورة فقط، فيكون الذي كان ناقصا واشتدّ قد عدم والجوهر لم يعدم فيكون هذا استحالة، أو غيرها لا كونًا، وإنّ كان الجوهر لا يبقى مع الإشتداد فيكون الإشتداد قد جلب جوهرًا آخر، وكذلك في كلّ آن يفرض للإشتداد يحدث جوهر آخر ويكون الأوّل قد بطل ويكون بين جوهر وجوهر إمكان أنواع جوهريّة غير متناهية بالقوّة كما في الكيفيات، وقد علم أنّ الأمر بخلاف هذا، فالصّورة الجوهريّة إذن تبطل وتحدث دفعة، وماكان هذا وصفه فلا يكون بين قوّته وفعله واسطة وهي الحركة» (8) .
وكذلك ذكر بهمنيار في كتابه «التحصيل» مانصّه:  «واعلم أنّ الجوهر لايقبل التزيّد والتَنَقُّص كما عرفت، وكل حركة فهي أمر يقبل التنقّص والتزيّد، ولا شيء من الحركات في الجوهر، فكون الجوهر وفساده ليس بحركة، بل هو أمر يكون دفعة، وما يكون دفعة فلا يكون بين قوّتها الصِّرفة وفعلها الصِّرف كمال متوسط، وذلك لأنّ الجوهر إن كان يقبل الإشتداد والتنقّص، فإمّا أن يبقى نوعه في وسط الإشتداد والتنقّص أو لا يبقى، فإن كان يبقى نوعه فما تغيّرت صورته الجوهريّة في ذاتها، بل إنّها تغيّرت في عارض، فيكون إستحالة لا كونًا، وإن كان الجوهر لايبقى مع الإشتداد فكان الإشتداد قد أحدث جوهرا آخر، وكذلك في آن يفرض الإشتداد يحدث جوهر آخر، ويكون بين جوهر وجوهر إمكان أنواع غير متناهية بالفعل، وهذا محال في الجوهر، وإنّما جاز مثلا في السواد حدوث أنواع غير متناهية بالقوّة حيث كان أمرا موجودًا بالفعل ــ كان موضوعه أمرا موجودا بالفعل ــ أعني الجسم وأما الجوهر الجسماني فلا يصحّ فيه هذا، أن لا يكون هناك أمر بالفعل متى فرض في الجوهر حركة» (9).
ويمكن تلخيص دليلهم في: أنّ القول بوقوع الحركة في الجوهر يترتّب عليه، أن نفترض بكون الجوهر وبلحاظ كونه في وسط الحركة، إمَّا: أن يبقى كما هو قبل الحركة، وهذا ليس بحركة جوهريّة بل حركة في العرض، وإمَّا أن لا يبقى، فتكون الحركة قد جلبت جوهرًا جديدًا وأعدمت الجوهر الأوّل، وهذا ليس حركة بل كَونًا أو فسادًا.
وكذلك من الإستلزامات الفاسدة التي يرون بأنَّها تترتب على القول بوقوع الحركة في الجوهر، أنّ إفتراض عدم ثبات الجوهر يعني عدم ثبات موضوع الحركة، وهذا يستلزم عدم إمكان ثبوت العرض للجوهر، وهو خلف الواقع فالعرض ثابت للجوهر.
وفي مقام الرّد على دليلهم، نقول: إنّ هذا الدليل مبني على تصوّرٍ خاطئ لمفهوم الحركة، لأنّهم اعتبروا الحركة من الأعراض الخارجيّة التي لابد لها بالضّرورة من موضوع عيني مستقل، بحيث يبقى ثابتًا خلال وقوعها عليه، وبالتالي ننسب الحركة إليه بعنوان كونها عرضا وصفة له، لكن لو قلنا – كما هو الواقع - بأنَّ الحركة ليست سوى سيلان وجود الجوهر والعرض، وليست هي عرضًا بجانب الأعراض الخارجيّة، وبمعنى آخر أنّها ليست من المعقولات الماهويّة وإنَّما هي من قبيل المعقولات الثانية الفلسفيّة وبالتالي فهي من العوارض التحليليّة للوجود، ومثل هذه المفاهيم لا تحتاج إلى موضوع بالمعنى الذي يتم إثباته للأعراض، وعليه يمكن اعتبار منشأ انتزاعها الذي هو نفس الوجود الجوهري أو العرضي السيّال موضوعا لها.

الدليل الثاني : 
ذكر الشيخ الرّئيس في كتابه «النَّجَاة» مانصّه: «كل ما اقتضته طبيعة الشيء لذاته فليس يمكن أن يفارقه إلاّ والطبيعة قد فسدت، وكلّ جزء من الحركة يفرض للحركة، بانقسام زمان أو مسافة فقد يمكن أن يفارق، والطبيعة لم تبطل، فكلّ حركة تتعيّن في الجسم فإنّها يمكن أن تفارق، والطبيعة لم تبطل، فليس شيء من الحركات مقتضيا طبيعة الشيء المتحرّك، فإذًا إن وجدت الطبيعة مقتضيّة للحركة فإنّها ليست على حالتها الطبيعيّة، وإنّما تتحرّك لتعود إلى الحالة الطبيعيّة وتبلُغها، فإذا بلغتها ارتفع الموجب للحركة» (10).
ويمكننا أن نُشكِّل من هذا الدليل قياسا منطقيًّا كالآتي:


كلّ جزء منها [الحركة] والحاصل من تقسيم الزمان أو المسافة، يمكن افتراقه عن ذات الطبيعة دون أن تبطل إنّ كلّ ماهو مقتضي الطبيعة الذاتيّة للشيء لا يمكن أن يفارقه مالم تبطل الطبيعة
                                                         ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنّ الحركة ليست مقتضية ذات طبيعة الأشياء وجوهرها


وفي مقام الردّ نقول: إنّ الإشكال والخلل يقع  في المقدّمة الأولى، حيث إنّ الشيخ الرّئيس قال بإمكانيّة تقسيم الحركة بواسطة الزمان أو المسافة إلى أجزاء مختلفة، وبالتالي فهو يبرّر إمكان انفصال أجزاء الحركة عن ذات طبيعة الشيء، وهذا ما لم يقبل به مذهب «الحكمة المتعاليّة» لأنّه يرى عدم إمكان تقسيم الحركة إلى أجزاء مختلفة، وفصل أي جزء من هذه الأجزاء عن الطبيعة، لأنّ الحركة في حقيقتها عبارة عن أمر متّصل واحد لا يتحقّق إلاّ بخروجه من القوّة إلى الفعل، وبمعنى آخر إنّ الحركة في حقيقتها عبارة عن سيلان وجود جوهر الشيء،  وبالتالي لا يمكن فصلها عن ذات الشيء، وأيضا وبلحاظ أنّ الحركة هي عبارة عن حقيقة متصرِّمة فلا يمكن تجزئتها بحال.


تعريف الحركة الجوهريّة 
إنّنا وفي بحثنا حول مفهوم الحركة الجوهريّة، لم نظفر بتعريفٍ اصطلاحي لهذه المقولة، ولعلّ هذا يرجع إمّا لعدم استيعاب مطالعتنا لجميع ما كتب في هذا الموضوع لتعذّر هذا الأمر، وإمَّا لعدم التصنيف فيها بالشّكل الذي يجعلها بحثا مستقلا، فما وجدناه عند مراجعتنا هو أن هذه المقولة قد تناولتها الأقلام وهي ضمن طيات المباحث المتفرقة، ولم تصنَّف فيها بحوث مستقلة شاملة لجميع مفرداتها.
ورغم ذلك فإنّه يمكننا أن نصيغ لها تعريفًا عامًا ليساعد الأذهان في الإقتراب من تصوّرها، فنقول أنّ الحركة الجوهرية عبارة عن: «حركة الموجودات الجسمانيَّة الممكنة من حيث وجودها نحو كمالاتها الجسمانية».
وذِكْرنا لقيد «من حيث وجودها» لكي لا تنصرف الأذهان إلى أنّ الحركة الواقعة على الموجود، وقعت عليه من حيث كونه ماهيَّة، لأنّ هذا لا يستقيم مع ما يذهب إليه الملاَّ صدرَا من كون الأصالة ثابتة للوجود لا للماهيَّة، خلافا لما هو متسالم عليه عند الكثير من الفلاسفة، وقد أوضحنا ذالك سابقًا، فَوِفْقًا لما يراه الملاَّ صدرا من أنَّ الأصالة مُتَحقِّقَة للوجود لا للماهيَّة، والماهيَّة هي عبارة عن عنوان للموجود لا أكثر، فلا يمكن تصوُّر وقوع الحركة في الماهيَّة.


مفهوم الحركة الجوهرية
قبل أن نتحدث عن مفهوم وقوع الحركة في مقولة الجوهر، علينا أن نعلم: 
أولاً: أنّ المقولة هي نفسها المحمولة، وأنّ مفردة المقولة هي تطلق في الفلسفة ويراد منها: « مجموع المعقولات الكليّة التي تحيط وتُقَوِّم وجود الموجود في الذهن بلحاظ كونه حاكيا  عن الخارج »، فهي تحيط وتُقوِّم وجود الموجود في الذهن، عند مَن لاَحظ أفرادها بلحاظ كونها حقائق ذهنيّة معرفيّة، وتحيط وتقوّم وجود الموجود في الخارج عند مَن لاَحظ مصاديق أفرادها بلحاظ وجودها في الخارج، وهي عند الفلاسفة المسلمين معقولات فلسفية أولية، وعند « كانط » و « رينوفيه » هي معقولات ثانوية فلسفية. 
وثانيًا: أنّ الحركة المقصودة في مقام بحثنا، والتي تقع في مقولة الجوهر هي عبارة عن: « خروج الشيء من القوة إلى الفعل تدريجيًّا »، وأنّ الحركة التي تقع على الجوهر هي المصطلح عليها بـ « الحركة القطعية »، أي تلك الحركة التي نلحظها بلحاظ المتحرك الذي هو في كل آن في مكان غير الذي كان فيه .
وثالثاً: أنّ الجوهر هو: « الموجود الذي إذا وُجِدَ، وُجِدَ لا في موضوع مستغن عنه »، وأنّه يكون على أنحاء خمسة يصطلح عليها بـ « العقل، والنَّفس، والجسم، والمادَّة، والصُّورة » .


وعليه، فلبيان مفهوم الحركة الجوهرية نقول: إنّ القسم الذي تقع عليه الحركة من الأقسام الخمسة للجوهر، في الحقيقة هو المادَّة، وبلحاظ كون المادَّة لا تنفك عن الصُّورة فلا مناصَّ من القول بأنّ الحركة تقع في الجسم الذي هو مركب من المادَّة والصُّورة، وبالتالي فجواهر الموجودات الممكنة المادِّية هي في حركة مستمرة وسيّالة لا تنقطع أبدًا، إلاَّ حين استنفاذ الحركة لكل طاقتها وبلوغ آخر كمالاتها .
ولجعل الصُّورة أقرب تصوُّرا للأذهان، نذكر المثال التالي، ليساعدنا في مرحلة ثانية على فهم واستيعاب مفهوم الحركة الجوهريَّة، فنحن لو رجعنا بالملاحظة  إلى مراحل تكون الإنسان -الذي هو مصداق للجوهر الجسماني- مذ كان نطفة إلى آخر مرحلة تنفذ فيها طاقة هذه الحركة الواقعة عليه، سنجد أنّ مادّته مرّت بمراحل عدَّة « نطفة، علقة، مظغة، عظام مكسوة باللَّحم، إنسان بالفعل، رضيع، طفل، شاب، رجل..... إلخ»، وكذلك سنلحظ أنّ هذه المادَّة في كل مرحلة كانت لها صورة غير الصُّورة التي كانت لها في المرحلة السابقة لها أو اللاَّحقة بها، وذلك لأنَّ هذا التَغيّر الحاصل للصُّورة راجع حقيقة لتلك الحركة أو التغيّر الواقع في المادَّة .
وعليه، ففرض وجود تغيّر في المادَّة والصُّورة، يعني وجود حركة بدأت من مرحلة النُّطفة وستقف عند انتهاء طاقتها، وهذه الحركة هي حركة ارتقائية نحو الكمال – أي حركة تطوُّريَّة- بمعنى أنّ المرحلة التي تسبق الأخرى تكون أقلَّ كمالاً من المرحلة اللاحقة بها، بل يمكن القول بأنّ المادَّة وفي حركتها نحو المرحلة التالية لما هي فيه، ستسعى وتتحرك نحو كسب كمال آخر هي فاقدة له في مرحلتها الآنية .
وفهمنا كون وجهة الحركة في مثالنا ارتقائيَّة تصاعديَّة، وبالتالي فهي حركة تطوُّريَّة نحو الكمال، يعود لملاحظتنا للمادَّة في جميع مراحلها، فالملاحظ للمادَّة في جميع مراحلها، سيجد أنَّ كلّ مرحلة لاحقة على غيرها تمتلك عناصر أكثر تساعد على تحقق الفعليَّة المنشودة لمادَّة الإنسان، فنحن لو افترضنا أنّ مرحلة « الإنسان بالفعل » هي آخر مرحلة يمكن أن تصل إليها مادَّته، ثم رجعنا إلى  مادَّة الإنسان وهي في مرحلة « النطفة » وقارَنَّا بينها وبين وجودها في مرحلة « العلقة » التي هي في مرحلة لاحقة بها،  سنلحظ أنّ مادَّة الإنسان وهي في مرحلة  « العلقة » حاصلة على ما يساعدها أن  تكون أكثر قربا لمرحلة « المضغة »، وبالتالي فهي تمتلك عناصر تجعلها أقوى استعدادا لتتلبَّس بالمرحلة اللاحقة بها من المراحل التي سبقتها .
وبناءً على ما تقدم، فمعنى القول بوجود حركة تقع في كل مايصلح أن يكون جوهرًا جسمانيًا مهما كبر أو صغر، هو أنّ كلّ جوهرٍ جسمانيٍ يحمل في داخله حركة ذاتيَّة تطوريَّة متجهة نحو كسب كمالاتها الفاقدة لها، وهذا يعني حرفيًّا: أنَّ الطاولة، أو الجبل، أو التفاحة التي أراها أمامي الآن، في جوهرها ليست هي نفسها التي أتصل بها من خلال الحواس بعد ساعة من الزمن، والتي أتصل بها بعد ساعة ليست في جوهرها هي التي سأتصل بها بعد يوم، وهكذا الأمر إلى أن تتغيَّر صورة الطاولة أو الجبل أو التفاحة كلِّيًّا.
فوفقا لمفهوم الحركة الجوهرية، فإنّ العالم الجسماني في كله وفي أجزاء مركباته متحرك ومتغير باستمرار، لا هو ساكن وثابت كما تقتضيه النظرة الأولى له أو كما هو ظاهر لأغلب الأذهان .
ولعمري أين هذا، من ادعاء « ستالين » وبالتَّبع له أصحاب مدرسته الماركسية، حينما قال: « بأنّ الديالكتيك خلافا للميتافيزيقية، لا يعتبر الطبيعة حالة سكون وجمود، حالة ركود واستقرار، بل يعتبرها حالة حركة وتغيّر دائمين، حالة تجدّد وتطور لا ينقطعان »، بل إنَّ القول بتجدّد وتطوُّر العالم المادَّي بجميع مكوناته، هي من مقولات المدرسة الميتافيزيقيَّة الإسلاميَّة، قبل أن تقع الحركة على مادة « ستالين » نفسه لتُخرجه من عالم القُوَّة إلى الفِعْل.  
ولعلّ ما دفع السواد الأعظم من الفلاسفة المتقدِّمين لنفي وقوع الحركة في الجوهر، هو ملاحظتهم لاختلاف الصُّور في كل مرحلة، فاعتبروا أنّ المادَّة عندما تكون في مرحلة وتريد من خلال الحركة أن تنتقل إلى مرحلة أخرى، تخلع صُورة المرحلة التي هي فيها، وتلبس صورة المرحلة التي تريد المرور إليها، وبمعنى آخر تنعدم الصُّورة الأولى وتحدث لها صورة ثانية، غير أنَّ الملاَّ صدرَا لم يلاحظ هذا، بل لاحَظ أنّ المادَّة لا تخلع صورة وتلبس أخرى، بل تلبس صورة بعد صورة أخرى، بمعنى آخر أنَّ الذي يحصل هو: « لبس بعد لبس »، لا هو: « لبس بعد خلع » كما توهَّم أصحاب نفي وقوع الحركة في الجوهر.


أدلَّة الحركة الجوهرية 
كما نعلم بأنّ الملاَّ صدرا وفي مقام البرهنة على مقولته -الحركة في الجوهر- استند إلى نوعين من الأدلّة: الأول العقلي الفلسفي، والثاني النَّقلي القرآني، ونحن هنا سنذكر أهم الأدلّة من النوعين، معتمدين في ذلك على ما ذكر في مصنَّفه الأساسي « الحكمة المتعاليّة في الأسفار العقليّة الأربعة »، وكذلك على ما تمَّمه أو رتّبه باقي أعلام مذهب « الحكمة المتعاليّة » سواء المعاصرين منهم أو المتقدِّمين.
الدليل العقلي الفلسفي
الدليل الأول: أنّ الحركات العرضيَّة معلولة لطبيعتها الجوهريَّة، وأنّ العلَّة الطبيعيَّة للحركة لابد أن تكون أيضا متحركة، وبالتالي فالجوهر وبما أنّه علّة للحركات العرضيَّة، فلابد أن يكون هو المتحرك (11) .
ولتوضيح ذلك نقول: أنَّه تقرَّر في مضانِّه عندما بحثوا في مفهوم الحركة، أنّ الفاعل القريب للحركة  لابد وأن يكون متحركًا ومتغيّرًا، وكذلك تقرَّر في مضانِّه حين الكلام حول الجوهر، أنّ الجوهر هو العلَّة لوجود الأعراض، وعليه فيلزم من  هذين القولين القول بوقوع الحركة في الجوهر لكونه علّة للأعراض.
ويمكن أن نشكل قياسا منطقيا في المقام : 
لوكانت الجواهر علّة لوجود الأعراض، لكانت متغيّرة أو متحركة
لكنها علّة لوجود الأعراض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواهر متحركة ومتغيّرة


وقد يرد على هذا الدليل بعض الإشكالات :
أولا:  إذا سلّمنا معكم أنّ علَّة المتغيّر لابد أن تكون هي الأخرى متغيرة، وقبلنا بها كقاعدة عامَّة، فيلزم كذلك أن تكون علّة الجواهر متغيّرة طبقا للقاعدة، وعليه إن كانت علّة الجواهر متغيّرة، لزمكم القول بتغيّر المبدأ الأول والمجردات، وهذا خلاف للواقع ولا تلتزمون القول به، وبالتالي فقولكم بلزوم تغيّر علَّة المتغيّر باطل(12) .
الجواب: نعم نحن باقون على القول بلزوم تغيّر علّة المتغيّر، ولكن المبدأ الأوَّل خارج عن دائرة هذه القاعدة، لأنّ الحركة في الجواهر ذاتيَّة، بمعنى أنّ الحركة الواقعة في الجوهر، هي عين وجود الجوهر، أي أنّ الجوهر حين وُجِدَ وجدت معه وفيه الحركة، وبمعنى آخر إنّ إيجاد الجوهر هو عين إيجاد الحركة، والحركة كالجوهر في كونه لا يحتاج إلاَّ إلى فاعلٍ إلهيٍ يمنحه الوجود، خلافا للأعراض فهي محتاجة لوسائط بينها وبين المبدأ الأوَّل لتكون بمثابة علل لها (13) .
ثانيًا: لو سلَّمنا أنّ تحرك الأعراض لازمه تحرك الجوهر لوضوح كونه علّة له، والأخير الحركة ذاتية فيه، فما المانع من نسبة الحركة الذاتيَّة للعرض أيضا، من غير إرجاعها للجوهر (14) .
الجواب: أنّنا عندما نسبنا الذاتيَّة للجوهر لم يكن من باب التحوير المبنائي كما قد يتوهّم البعض، بل لأنّ له ضربا من ضروب الوجود الإستقلالي، وذلك بخلاف العرض الذي لا استقلالية في وجوده، وأيضًا لا يصلح  أن ننسب له الذاتيَّة، لكونه مرتبة من مراتب وجود الجوهر، ومعنى كونه مرتبة من مراتب وجود الجوهر هو أنّه لا يتحقَّق له الوجود إلاّ بوجود الجوهر، وعليه فنسبة الذاتيَّة للجوهر أصدق من نسبتها للعرض (15) .
ونشير هنا الى أنّ القول بأنّ العرض مرتبة من مراتب الجوهر، مبني على القول « بأصالة الوجود » التي تحدَّثنا عنها في بداية البحث والكلام .
الدليل الثاني: أنّ وجود الأعراض ليس وجودًا مستقلاً، بل هو طور من أطوار وجود الجوهر، أو قُل مرتبة من مراتب وجوده، وعليه فإنّ أي تغيّر يحصل في الأعراض، إنما يكشف ويدل على تغيّرٍ وقع في الجوهر، بمعنى آخر أنّ أي تغيّرٍ يحصل في أعراض الشيء، لا يكاد إلاّ أنّ يكون علامة على وقوع تغيّر في باطن وذات وجوهر الشيء، وعليه فإذا كانت الأعراض متجدّدة فلابد أن تكون جواهرها أيضا متجدّدة (16) .
الدليل الثالث: هذا الدليل يبنى على تعريف حقيقة الزمان بكونها بعدًا سيّالاً متصرمًا من أبعاد الموجودات المادِّية (17)، ويمكن صياغته في شكل قياس منطقي من مقدمتين ونتيجة: 
 
   
كل موجود مادي متَّصف بالزمان له بعد زماني
وكل موجود له بعد زماني فهو تدريجي الوجود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجوهر موجود مادي وله بعد زماني فهو تدريجي الوجود


وتوضيح ذلك هو: أنّ الموجودات المادَّية كلَّها متَّصفة بالزمان، وهذا الزمان هو عبارة عن بُعْدٍ رابع لها، والعقل يحكم بعدم إمكان تحقُّق وجود الموجودات إلاَّ بالبُعد الزماني، لأنّ هذا البُعد مقومًا لوجود الموجود المادي، غير أنَّه ليس بظرفٍ مستقلاً وساكنًا تَحْتَلُه الأجسام كما قد يتوهم البعض، بل هو حقيقة سيّالة مُتَصَرِّمة لا يتحقَّق جزءًا له موجود بالقوَّة، إلاّ إذا تصرّم ومضى الجزء الذي قبله.
وبلحاظ عدم إمكان تحقُّق وجود الموجود المادِّي إلاّ بالزمان، نفهم وجود سنخية قائمة بينهما، أي بين الموجود المادِّي والبُعد الزماني، وكذلك لأنَّ الموجود المادِّي قابلاً للقياس بالمقاييس الزمانيَّة، وكل شيء يقاس بمقياس خاص تكون بينهما سنخية.   
وبعد التسليم بأنَّ الجوهر من الموجودات المادِّية، وأنّ كل موجود مادي له بُعد زماني، وأنّ البُعد الزماني حقيقة سيّالة متصرمة، وأنّ هناك سنخية بين الموجود المادِّي والبُعد الزماني، نستخلص أنَّ الجوهر له بُعد زماني وكذلك سنخيَّة قائمة بينهما، وعليه فمع تحقُّق السنخيَّة بينهما ولكون البُعد الزماني حقيقة متصرِّمة سيّالة، لابد وأن يكون الجوهر أيضا حقيقة سيّالة -أي تدريجي الوجود- وهذا هو معنى وقوع الحركة في الجوهر.
هذا الدليل يعتبر عند بعض أعلام مذهب «الحكمة المتعالية» من أقوى الأدلَّة العقليَّة على مقولة الحركة الجوهرية، وكفانا شاهدا على ذلك قول العلامة «مصباح اليزدي» في كتابه «المنهج الجديد لتعليم الفلسفة» ما نصه: « أنّه لايخطر في بالنا أيّ إشكال على هذا الدليل » (18) .
ومع هذا الدليل نكون قد أنهينا ذكر الأدلة العقليَّة الفلسفيَّة، لننتقل بالكلام إلى الأدلة النَّقليَّة القرآنيَّة.


الدليل النَّقلي القرآني 
لقد ساق الملاَّ صدرا الأدلَّة النَّقلية في جواب مَن اتَّهمه بأنّ القول بـ « الحركة الجوهريَّة » هو إحداثٌ لمذهبٍ جديدٍ لم يقل به حكيم، فقال في مصنَّفه ما نصُّه: « إنّ أول من قال بالحركة الجوهريَّة هو الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز، وهو خير الحاكمين ».
إلاَّ أنَّ الإنصاف يقتضي منَّا الإشارة إلى أنّ هذه الآيات التي استدلَّ بها الملاَّ صدرَا على مطلوبه، وعند ملاحظتنا لها والتدقيق في مفرداتها نجد أنّها تتفاوت في دلالتها على مفهوم « الحركة الجوهريَّة »، بل يمكن أن نجد أنّ بعض الآيات لا دلالة لها من الأصل على  مقولة الحركة الجوهريَّة كما سنوضحه في موضعه.


الآية الأولى: قوله تعالى: « وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ » (19) .
هذه الآية الكريمة وفي ظهورها على المطلوب بُعْدٌ، لأنَّ الظهور الأقرب لنصِّ الآية هي الحركة المكّانية  أي حركة الجبال التابعة لحركة الأرض حول نفسها لا الحركة الجوهريَّة، خصوصًا بعد تشبيه المولى تعالى حركة الجبال التي قصدها في قوله عزّ شأنه، بحركة السحاب التي هي حركة مكانية، نعم إنّ استظهار الملاَّ صدرَا لمفهوم الحركة الجوهريَّة من الآية فيه وجه ولكنّه بعيد، أي أنّ وجه الحركة المكّانية في الآية أقرب من وجه الحركة الجوهرية، والله أعلم.


الآية الثانية: قوله تعالى: « أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ » (20) .
هذه الآية تحمل ظهورين، الأول هو: « أنَّ المولى تعالى يستنكر على قومٍ فُرضوا أنَّهم يتوهمون نوعا من عجز المولى تعالى في إيجاد خلق جديد، فأكّد المولى تعالى في هذا الجزء من الآية وقوعهم في حالة من الإلتباس نحو قضية الخلق الجديد »، وهذا المعنى لا علاقة له بالحركة الجوهريَّة .
والثاني: « أنّه تعالى يستنكر على الذين يزعمون عدم امكانيَّة إيجاد خلق جديد، ثم بعد الإستنكار يؤكد المولى بأنَّ هؤلاء الواهمين هم بأنْفسهم في حالة تجدُّد وخلقة جديدة »، وهذا المعنى ينطبق تمَامًا مع مفهوم الحركة الجوهريَّة التي يقول بها الملاَّ صدرَا، والحقَّ هنا أنَّ ما استظهره الملاَّ صدرَا من هذه الآية فيه وجه قوي.


الآية الثالثة: قوله تعالى: « يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ » (21) .
إنَّ هذا الجزء من الآية ومن خلال عبارة « تُبَدَّلُ الْأَرْضُ »،  يمكن أن تحمل ظهورين الأول هو: أنَّ المقصود بعبارة تُبدّل الأرض، أن ينتقل الإنسان من هذه الأرض إلى أرض أخرى غير الأرض التي نحن فيها، والثاني هو: أنّ الأرض تبقى هي نفسها ولكن يقع تغيّر في جوهر الأرض بحيث يصحُّ مع هذا التغيُّر أن نقول بأنَّ الأرض الثانية ليست هي نفسها الأرض قبل التغيّر .
والظاهر أنَّ المعنى الثاني هو ماذهب إليه الملاَّ صدرَا، ولكنه يبقى معنًا بعيدًا والظهور الأول أقرب، خاصَّة أن مشهور ماعند المسلمين وما جاءت به الروايات هو الظهور الأول لا الثاني، وكذلك قوله تعالى «يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ  كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ » (22)، والله أعلم.


الآية الرابعة: قوله تعالى: « ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ إِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ»(23) .
لقد استظهر الملاَّ صدرَا من خلال مفردة الإتيان معنى الحركة نحو الصُّورة التي شاءها الله لهما، وبالتالي فالمولى تعالى أراد بطلب الإتيان أن تتحرك السماء والأرض إلى حيث ينبغي لهما أن تكونا عليه، وهذا الإستظهار فيه وجه قوي، خاصة أن تفسير الإتيان الوارد في الآية بالحركة المكَّانيَّة لا معنى له ولا ثمرة من ذكره، وكذلك لا يستقيم مع مبدأ أنَّ المولى تعالى خارجٌ عن الزمان والمكان حتى يتحقَّق الإتيان إليه .   


الآية الخامسة: قوله تعالى: « وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ »(24) .
في هذا الجزء من الآية الكريمة لا يمكن استظهار الحركة إلاّ من لفظة « أَتَوْهُ »، غير أنّ استظهار الحركة الجوهريَّة في بُعد، وما يمكن استظهاره من مفهوم الإتيان هو الحركة المكّانية لا أكثر، أمّا استظهار الحركة القطعيَّة فهو بعيد جدا وليس مستحيلا. 
لفظة  « داخرين »  بمعنى صاغرين أو مذلولين .


الآية السادسة: قوله تعالى: « عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ »(25) .
هذه الآية تشتمل على لفظة « نُبَدَّل »، وهذه المفردة نصٌّ في المفهوم الكلِّي لمفهوم التغيير، وبالتالي فمفدرة التبديل على ظهورين، الأول: في التغيير الدَّفعي، والثاني: في التغيير التدريجي الذي هو مطلوبنا، والظاهر أنَّ الملاَّ صدرَا أخذ بالظهور الثاني التدريجي وذلك ليتم استشهاده بالآية، وكذلك الحال في لفظة « أَمْثَالَكُمْ »، فهل المراد منها: النظراء أم الصُّوَر، والظاهر أنّ الملاَّ صدرَا ذهب الى المعنى الثاني ليستقيم، وليتم استدلاله أيضًا.
أما قوله تعالى: « فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ » فأيضا يمكن أن نستظهر منها معنيين، الأول هو: أي وأنتم لا تعلمون، فيكون معنى الآية: « على أن نبدّل أمثالكم وننشئكم في ما أنتم لا تعلمون بتبدّلكم»، والثاني هو: في ما لا تعلمونه أنتم، فيكون معنى الآية: « على أن نبدّل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمونه أنتم من جهة النوع، أو ننشئكم في ما لا تعلمونه أنتم من جهة عدم تعرفكم عليه من قبل »، والذي يظهر أنَّ الملاَّ صدرَا أخذَ المعنى الثاني .
غير أنَّ لفظة « نُنْشِئَكُمْ » وبالتحديد الضمير المتصل فيها « كُمْ » هو ما يرجَّح لنا أحد الظهورات من قوله تعالى: « في ما لا تعلمون » كما ويرجَّح الظهور المراد من باقي الألفاظ المذكورة في الآية، كلفظة « نبدّل »، ولفظة « أمثالكم »، وذلك من خلال القول بأنَّ الضمير المتصل بمفردة الإنشاء تكشف الجهة التي سيقع عليها التبديل والإنشاء الجديد، وهم المخاطبون في الآية.
وبالتالي فالمراد الذي نفهمه من الآية هو: أنَّ المولى يريد أن يوصل لنا حقيقة إمكانيَّة أن يبدَّل الصُّورة التي عليها الإنسان إلى صورة أخرى لا يعلمها الإنسان نفسه، وهذا المعنى لا يستقيم إلاَّ مع الفرض الذي طرحه الملاَّ صدرَا، الذي يرى أنَّ الحركة في التبدُّل تكون تدريجيَّة في الجواهر الماديَّة، وأنَّ الصُّور تُلبس للمادَّة صورة بعد صورة، لا هي لبس لصورة بعد خلع أخرى .


الآية السابعة: قوله تعالى: « إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ » (26) .
الحقُّ في المقام أنَّ هذه الآية لم نجد فيها ما يمكن أن يُستظهر منه معنى الحركة الجوهريَّة، وذلك لأنَّه لا يوجد في نصِّ الآية ما يشير إلى حمل مفردتي « الإذهاب » و« الإتيان » على موجود واحد، كما تقتضي ذلك الحركة الجوهريَّة، وكذلك لكون الإستظهار الأقرب هو: أنَّ المولى تعالى يريد أن يشير الى إمكانيَّة إعدام الصُّورة الإنسانيَّة من الوجود، والإتيان بصورة خَلقيَّة جديدة غير الصُّورة الإنسانيَّة، وهذا يحصل من خلال الحركة الدفعيَّة  لا التدريجيَّة.والله أعلم.


الآية الثامنة: قوله تعالى: « كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ » (27) .
أما هذا الجزء من الآية الكريمة فهو أوضح من سابقه في عدم توفر ما يُمَكِّنُنا من استظهار معنى الحركة الجوهريَّة، ولا يستقيم الإستدلال بها في هذا المقام إلاَّ مع التأويل، والتأويل بدون ضرورة تقتضيه ليس بحجَّة عقلاً ولاشرعًا، ويكون حجَّة فقط عندما يؤوِّل صاحب الكلام كلامه، والله أعلم.


الآية التاسعة: قوله تعالى: « وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ» (28) .
وكالآيتين السابقتين حال هذه الآية، فلم نجد لها دلالة على المطلوب،  والله أعلم (29) .
ويذكر الملاَّ صدرَا بعد ذكر هذه الآيات في سياق التأييد لطرحه المتعلَّق بوقوع الحركة في مقولة الجوهر، أن الآية رقم: « 3، 4، 5، 6، 7، 8 »  تشير إلى تبدّل الطبيعة، أمّا الآية رقم: «9» فتشير إلى تجدد الطبائع الجسمانية.


النتائج المعرفيَّة المترتِّبة على القول بالحركة الجوهريَّة 
لم يقتصر الإبداع المعرفي لمذهب «الحكمة المتعاليّة» على القول والدِّفاع عن «الحركة الجوهريّة» فقط، بل حقيقة الإبداع تتجلى أكثر عندما ينكشف لنا ما يترتب على هذا القول والإقرار من نتائج علميّة وفلسفيّة مهمة، بحيث تطال عدّة حقول معرفيّة، ويعدّ بعضها من أهم النظريات العلميّة للقرن العشرين.
فالقول بوقوع الحركة في الجوهر من إبدعات صاحب ومؤسّس مذهب «الحكمة المتعالية»، إلا أنّه لم يقطف جميع ثمرات قوله وكذلك لم يكشف جميع أبعادها ونتائجها المعرفيّة، وعلى ضوء ذلك حاول جمع من أتباع هذا المذهب الوصول إلى بعض نتائجها وثمارها وعلى رأسهم مقرّرها الأبرز « العلاّمة الطباطبائي » الذي أماط اللِّثام عن عدّة ثمرات معرفيّة تترتب على القول بالحركة الجوهريّة، وسنحاول ذكر أهمّها في مايلي:


النَّتيجة الأولى: الزمان بُعْد رابع للجسم 
من المعلوم وإلى وقت ليس ببعيد، كانت الفيزياء وخاصة فيزياء « نيوتن »، وكذلك الفلسفة تعتقد أنّ للجسم ثلاثة أبعاد هي « الطول ، العرض ، العمق »، حتى جاء ألبرت أنشتاين بنظريَّة « النسبيّة » التي تفيد في إحدى معانيها أنّ الزمان  بُعد من أبعاد الأجسام، فانقلبت على إثر ذلك جملة كبيرة من التصوُّرات الفيزيائيَّة المتعلِّقة بالزمان، حتى عُدّ هذا التحول أو الإكتشاف من أهم مكتشفات فيزياء القرن العشرين .
والحقُّ أنّ هذه النتيجة العلميّة ليست من مكتشافات القرن العشرين، بل هي راجعة الى القرن السابع عشر، وقال بها مذهب «الحكمة المتعاليّة» الفلسفي، وكذلك ليست من نتاجات ألبرت أنشتاين بل هي من نتاجات صدر الدّين الشيرازي صاحب هذا المذهب.
فعلى ضوء القول بالحركة الجوهريّة، فإنّ الملاّ صدرَا يرى أنّ الزمان هو عرض يعرض على الجسم بواسطة الحركة وهو أحد مصاديق مقولة الكم العرضيّة، والزمان هو الذي يعيّن ويقدر إمتداد الحركة، فللحركة إمتداد مبهم غير معيّن والزمان هو الذي يعيّن لها المقدار، وإن كان الإثنان نحو وجود متّصل، وكذلك يرى أنّ الجسم لا يتحقّق فعليّا إلاّ به، لأنّ حقيقة الجسم في الحركة والصيرورة، أي أنّ حقيقة الجسم سيّالة، ووجودها وجود تدريجي سيّال، وبما أن الحركة لا تنفك عن الجسم بل هي ذاتيّة له، فإنّ الزمان لا يتحقق الجسم إلاّ به، لأن الزمان لا ينفكّ عن الحركة والحركة لا تنفكّ عن الجسم .
ومادامت الحركة هي ذات الجسم وأنّها والمتحرك واحد، وكذلك مادام الزمان هو الذي يعيّن امتداد الحركة ولا يمكن انفكاكه عنها، فإنّه أيضا لا يمكن تبعًا تجريد الجسم من الزمان، لعدم إمكان تجريد الجسم من الحركة، وكذلك لعدم إمكان تجريد الحركة من الزمان.
وعليه، فإنّه متى ما انعدم الجسم ينعدم معه الزمان، بخلاف ما كان سائدا في القديم من أنّ الزمان عبارة عن ظرف يتحقّق فيه الجسم وأنّه سابقٌ على الجسم (30) .

النَّتيجة الثانيّة: الحدوث الزماني لعالم المادّة 
لقد قسّم الفلاسفة القِدم أو السِبق لأقسام عديدة منها: السبق بالزّمان، والسبق بالعليّة، والسبق بالماهيّة، والسبق بالطبع، والسبق بالحقيقة، والسبق أو القدم بالدهر، والقدم بالرتبة، والسبق بالشّرف، ودليلهم على انحصار السبق أو القِدَم في هذه الأقسام هو الإستقراء لا البرهان (31).
ولكن ما يهمنا هنا هو السبق أو القدم الزماني لعالم المادّة، فلقد وقع فيه اختلاف بين المتكلمين والفلاسفة وخاصّة المسلمين منهم، فذهب مشهور المتكلمين إلى القول بحدوث العالم المادّي زمانيا، وأنَّ القِدَم بجميع أصنافه من مختصات واجب الوجود أي المولى تعالى، وعليه فقد أنكروا أيضا وجود عالم المجرَّدات الذي لا ينطبق ولا يتَّصف بالزمان والمكان، أمّا الفلاسفة فذهبوا الى القول بالقدم الزماني للعالم المادّي، بمعنى أنّ له زمانا أزليًّا حاصلاً من حركة أفلاكه الأزليّة، وأكّدوا أيضا على وجود عالم المجرّدات، وأنّه لا يدخل ضمن دائرة الزّمان والمكان، وكذلك يرون أنّه يتصف بالقدم الزماني السلبي، أي بسلب الحدوث الزماني والزمان عنه، وبمعنى آخر أنّ هذا العالم إذا كان لا ينطبق عليه الزمان فالحدوث الزماني مسلوب عنه لا بمعنى أنّ له زمانا أزليا .
ولعلّ السبب الذي جعل الفلاسفة يذهبون نحو هذا المنحى، هو عدم مقدرتهم على إثبات الحدوث الزماني للعالم المادِّي من خلال الأدلّة العقلية الفلسفية، فجرَّهم ذلك إلى القول بالقِدَم الزماني لعالم المادَّة، ولكن لو عدنا إلى مذهب الحكمة المتعاليّة، فسنجد أنّ الملاّ صدرا تمكّن من حلّ هذه المُعضلة، وذلك من خلال قوله بالحركة الجوهريّة .
فعلى ضوء القول بالحركة الجوهريّة يمكن لنا القول بأنّ العالم المادّي له حركة عامّة في جوهره ممتدّة بين مبدئه ومنتهاه، والزمان هو الذي يعيّن لنا امتداد الحركة الذي يرسمه الجوهر من خلال حركته، وأيضا نضيف على ذلك أنّ الحركة لها انقسام بالقوّة رغم كونها متّصلة في الخارج، وعليه فكلّ قسم مفروض من حركة له حدوث زماني لكونه فعليّة مسبوقة بقوّة، ومن مجموع هذه الأقسام - أي كلّ الحركة – وبلحاظ كونه نفس أجزاء الحركة، فإنّ حكمها حكم القسم ، - أي لها حدوث زماني – وبالتالي فعالم المادّة والطبيعة له حدوث زماني ....... (32) .

النَّتيجة الثالثة: وحدة الصّورة الجوهريّة الواردة على المادّة أثناء الحركة
ذهب المذهب المشائي والإشراقي إلى أنّ الصُّوَر الواردة على المادّة أثناء وقوع الحركة عليها متعدّدة بتعدّد ماهياتها ، بينما رأى مذهب الحكمة المتعاليّة أنّها صورة واحدة وإن تعدّدت ماهياتها، فلو لاحظنا مراحل نمو الإنسان مثلاً ، سنجد أنّ الصُّورة التي تتمتع بها المادّة في مرحلة « النطفة » مغايرة من حيث الماهيَّة عن صورة المادّة وهي في مرحلة « العلقة» أو « المضغة » ، وهكذا إلى باقي المراحل التي تمّر بها مادّة الإنسان، وبسبب التَّغاير المَاهَوِي الملحوظ للصّورة أثناء الحركة حين إنتقالها من مرحلة لمرحلة أخرى، فسّر المذهب المشائي ذلك بأنّه لبسٌ بعد خَلعِ، بمعنى أنّ المادّة حين إنتقالها من مرحلة لمرحلة أخرى من خلال الحركة، تخلع صورة المرحلة الأولى وتلبس صورة المرحلة الثانية . 
ولكن هناك تفسير آخر في خصوص هذا الأمر، نجده عند مذهب الحكمة المتعاليّة، ومن خلاله يخالف المذهب المشائي في قوله، وأيضا من خلاله يذهب للقول بوحدة الصورة الجوهريّة.
فمذهب الحكمة المتعاليّة وعلى لسان مؤسّسها الملاّ صدرا، يرى أنّ المادّة وأثناء حركتها وإنتقالها من مرحلة إلى مرحلة أخرى لا تخلع ثم تَلبس صورة جديدة، بل هي تلبس صورة جديدة بعد تلبُّسها بالصّورة القديمة، بمعنى أن ما يحصل هو لِبس بعد لِبس، لا لِبس بعد خلع، لأنّ الصّورة الثانية هي نفس الصّورة الأولى وإن اختلفت معها في الماهيّة. 
ولتقريب الصّورة أكثر نقول: أنّه لو افترضنا أمامنا مسطرة بطول خمسة أمتار، وكان لون كل متر مختلف عن الآخر، الأوّل مثلا أصفر، والثاني أحمر، والثلاث أخضر، والرابع أبيض، والخامس أسود، وحاولنا أن نلاحظ المسطرة في كل متر سنجد أنّنا ننتزع من كل متر ماهيَّة تختلف عن ماهية المتر الآخر، وأيضا عند ملاحظة المسطرة بكلّها سنجد أنّها رغم إختلاف ماهية كل متر منها إلاّ أنّها تشكّل في كلها صورة واحدة متصلة، فالصُّورة الكُلِّيَّة للمسطرة هي واحدة وإن إختلفت ماهية كل متر منها (33) .
وتجدر الإشارة أخيرا ، إلى أنّ هذه النتيجة تبنى على أسس أو مقدمات أربعة: 
القول بالحركة الجوهريّة .
القول بأنّ الحركة أمرٌ واحدٌ متَّصلٌ، تتحقّق بالتدريج وأنّ انقسامها بالقوّة لا بالفعل . 
أنّ معنى الحركة في كل مقولة هو: أنّه في كل آن يرد على المتحرك نوع من أنواع المقولة .
أنّ الصّور الجوهريّة المتعاقبة هي عين الحركة، والحركة نحو وجود هذه الصّورة .

النَّتيجة الرَّابعة: وِحْدَة العالم المادّي 
إنّ القول والإقرار بمفهوم « الحركة الجوهريّة » يمدّنا طبقا لمبانيها، بتصوّر هام على العالم المادّي من جهة وحدته في أصل تَكوُّنِه ووجوده، وكذلك في بقائه واستمراره .
فلو عدنا بالتصوّر إلى بداية تشكل العالم المادّي، وبالتحديد إلى المادَّة الأولى بلحاظ كونها قوَّة محضة لا فعليّة لها سوى أنّها قوّة محضة، سنجد أنّ مادّته محتاجة لحركة تخرجها من القوّة إلى الفعل، وأيضا تحتاج لصورة تمكّنها  في مرتبة أخرى من تحقيق فعليّتها بها، وبلحاظ تبعيّة هذه المادّة للصّورة في التميّز والتشخص لتَقَوُمِها بها، فهي تتبعها أيضا في الوحدة والكثرة .
وعليه فيمكن القول بأنّ عالم المادّة بكلّه حقيقة واحدة سيّالة تبعا لوحدة الصّورة، وهو واقع بمادّته تحت حركة عامة  متّجهة من مرحلة  القوّة المحضة إلى الفعليّة التي لا قوّة معها حتى تصل  لمرحلة التجرّد التام، وبهذا نتمكن من تصوير العالم المادّي على أنّه حقيقة واحدة سيّالة تقع عليها حركة عامّة، وكذلك فيه حركات خاصة متعلقة بحقائقه الجزئية التي يتكوَّن منها، فمثله كمثل سرب الطيور الذي نجده عند مشاهدته كحقيقة واحدة متناسقة لها حركة واحدة، وعند التدقيق والملاحظة نجد أنّ هذه الوحدة منحلّة إلى حركات متعدِّدة، وخاصَّة بكل فرد من السرب (34) .

النَّتيجة الخامسة: جسمانيّة النّفس حدوثًا روحانيّتها بقاءً
سادت ولقرون طويلة فكرة أنّ النَّفس في أصل حدوثها مجرّدة عن الجسمانيّة، وتعمَّق هذا التَّصور أكثر عند المسلمين وخاصّة في مذاهبهم الفلسفيّة، فنجد مثلا المذهب المشائي يقرّ بأنّ النَّفس روحانيّة الحدوث والبقاء، بمعنى أنّها في حدوثها وبقائها مجرّدة عن المادَّة .
إلى أن جاء الملاّ صدرا وخالف هذا المشهور وخاصّة المذهب المشائي، فقال بأنّ النَّفس مادّية الحدوث روحانيّة البقاء، بمعنى أنَّ النَّفس مادّية جسمانيَّة في حدوثها، ومن خلال الحركة الجوهريّة وبالتدريج تبدأ بالتحرُّر أو التجرُّد عن المادَّة والجسم حتى تستقرَّ بين البين أي بين المادَّة والتجرَّد العقلي وهو التجرّد البرزخي(35).

النتيجة السادسة: الحركة في الحركة 
إنّ هذه النتيجة تبتنى على مقدّمتين: 
الأولى: القول بأصالة الوجود التي تعني كون حقيقة الشيء التي تترتب عليها الآثار التكوينيّة، هي وجود الشيء لا ماهيته، كما ذهبت إليه باقي المذاهب الفلسفيّة، ويتفرع عن هذه المقدمة أنّ العرض مرتبة من مراتب وجود الجوهر .
الثانية: القول بالحركة الجوهريّة: التي تعني بأن هناك أيضا حركة واقعة في الجوهر لا في العرض فقط، كما أنّه يتفرع أيضا عن هذه المقدمة، كون العرض يتحرك تبعا لتحرك الجوهر، بمعنى أنّ حركة العرض ناتجة عن حركة الجوهر والعكس باطل . 
وعليه، فبعد التسليم بكون العرض مرتبة من مراتب وجود الجوهر، وأيضا بعد العلم بأنّ حركة العرض راجعة لحركة الجوهر، نلحظ أن هناك حركة واقعة في حركة، وهي حركة العرض الواقعة في حركة الجوهر .
وتقريبا لذالك نمثل بحركة حسام الماشي في السفينة المتحركة هي الأخرى، فعندما نلحظ هذا المثال نجد أنّ هناك حركة وقعت في حركة أخرى، وهي حركة حسام الذاتيّة وهو يمشى  في حركة السفينة المتحركة بنفسها نحو مقصدها. 
كما أنّه بإمكان الجوهر أن يتحرك دون أن يتحرك العرض والعكس غير ممكن، بناءا على القول بالحركة الجوهريّة، من قبيل حسام النائم في السفينة المتحركة، فحسام ليست له حركة بنفسه، وإنّما فقط هو يتحرك بتحرك السفينة التي لها حركة بنفسها نحو مقصدها (36) .
فهذا هو معنى مقولة « الحركة في الحركة » التي يعود القول بها إلى « العلاّمة  الطباطبائي» ، فهو من إستخلص هذه النتيجة من مقولة الحركة الجوهريّة . 
هذا باختصار، أهم الثمار المترتبة على القول بالحركة الجوهريّة، وهناك ثمار أخرى لم نذكرها من قبيل وحدة الصُّورة المادِّية الواردة أثناء الحركة، ومقولة وقوع الحركة في الحركة، وأيضًا نقل مسألة الحركة من مبحث الطبيعيات إلى مبحث الإلهيات بلحاظ كونها نحو وجود الشيء المتحرك، وبالتَّالي هي مرتبة من مراتب الوجود، خلاف ماكان سائدًا في الفلسفة الإسلاميّة من كونها تبحث في مبحث الطبيعيات بلحاظ أنّها حكم عام للجسم، وكذلك تفسير ارتباط المتغيّر بالثابت، وأيضا البرهنة على كون موضوع الحركة الجوهريّة هي نفس الحركة .


حبيب مقدم 



(1) الشفاء الطبيعيات ، إبن سينا ، ج 1 ص98 .
(2) الأسفار ، الملاّ صدرا ، ج 3 ص 112 .
(3) ولد سنة 240 هجري – 854 م ، وتوفي في بغداد سنة 320 هجري – 934 م ، وقيل توفي سنة 311 هجري – 925 م ، وهو طبيب وفيلسوف شيعي المذهب .
(4) عيون الأنباء في أخبار الأطباء ، لابن أبي أصيبعة ، ص 423 .
(5) نقلا عن الحكمة المتعالية ، الملاّ صدرا ، ج3 ص 112 .
(6) لعلّ القصد من " اللّطافة " هو أن هذا الحجاب موجود في الوهم لا في العين ، لأنّ الحركة متّصلة واحدة في العين .
(7) الحجاب هو الشيء الفاصل بين مرتبة ومرتبة، كما هو متعارف عليه بين أهل العرفان والتصوف .
(8) الشفاء الطبيعيات ، ابن سينا ، ج 1 ص 98  .
(9) التحصيل ، بهمنيار بن المرزبان ، تعليق وتحقيق الشهيد مطهري ، ص 426-427 .
(10) النجاة من الغرق في بحر الضلالات ، ابن سينا ، تحقيق محمد تقي دانش بژوه، ص 109 .
(11) الأسفار ، الملاّ  صدرا ، ج3 ص 61-62 ، لقد تم تلخيص الدليل لتجنب الإطالة .
(12) الأسفار ، الملاّ صدرا ، ج 3 ص655 .
(13) الجواب للملاّ هادي السبزواري في شرح المنظومة ،ص 250 .
(14) هذا الإشكال تعرض له الحكيم السبزواري في تعليقاته على الأسفار ج3 ص 63 .
(15) جواب الملاًّ هادي السبزواري في شرح المنظومة ص 250 .
(16) الأسفار ، للملاّ صدرا، ج 3 ص 61-62-63-64 .
(17) الأسفار، للملاَّ صدرَا،  ج 3 ص 115 .
(18) راجع المنهج الجديد في تعليم الفلسفة ، الشيخ مصباح اليزدي ، ج 2 ص 331 .
(19) سورة النّمل: 88 .
(20) سورة ق:  15 .
(21) سورة إبراهيم: 48 .
(22) سورة الأنبياء: 104 .
(23) سورة فصّلت: 11 .
(24) سورة النّمل: 87  .
(25) سورة الواقعة: 61 .
(26) سورة فاطر: 16 .
(27) سورة الأنبياء: 93 .
(28) سورة الأنعام: 61 .
(29) هذه الآية وكذلك الآيات الثمان السالفة الذكر، أوردها الملاّ صدرا في كتابه الأسفار ، ج 3 ص110-111 .
(30) راجع نهاية الحكمة، العلاّمة الطباطبائي، المرحلة الثانية عشر الفصل الثالث والعشرون، ص 402-403 .
(31) بداية الحكمة، العلاّمة الطباطبائي، المرحلة التاسعة الفصل الأول، ص 144 .
(32) نهاية الحكمة ، المرحلة الثانيّة عشر الفصل الثالث والعشرون ، ص 402-403 .
(33) بداية الحكمة ، العلاّمة الطباطبائي ، المرحلة العاشرة الفصل الحادي عشر ، ص 161 . نهاية الحكمة ، لنفس الكاتب ، المرحلة التاسعة الفصل الثامن ، ج 2 ص 135 .
(34) بداية الحكمة، العلاّمة الطباطبائي، المرحلة العاشرة الفصل الحادي عشر، ص 162. ونهاية الحكمة، للعلاّمة الطباطبائي، المرحلة التاسعة الفصل الثامن, ج 2 ص 140-141 .
(35) الأسفار، الملاّ صدرا، ج 9 ص 112-113 .
(36) لابد  للقارئ من الإلتفات لتلك الفوارق الحاصلة  بين الأمثلة التي نذكرها لتقريب المعنى ، وبين وما نحن في صدد تقريره في أي مطلب .

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م