22 ذو الحجة 1441 هـ   12 آب 2020 مـ 7:11 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أفكار ونظريات |  كيف ينظر الإسلام للعلاقة الجنسية
2020-01-31   229

كيف ينظر الإسلام للعلاقة الجنسية

قراءة أولية في قيمة الجنس لدى الأديان والأمم والحضارات

تباين التعامل حيال موضوعة الجنس لدى المجتمعات البشرية، بشكل كبير، حتى وصل الأمر حد التناقض، وأحتل الحديث عنه صدارة الأهمية، وتشظت الآراء بصدده بين من شّرق فيها ومن غرّب، وكل منهم يدعي انه الحقيقة التي لا جدال فيها ولا مراء! خصوصا وأنه ـ الجنس ـ مما لا يمكن الاستغناء عنه، باعتباره حاجة بايلوجية يمكن لها ان تشكل ضغطا نفسيا على الفرد، ومنه الى المجتمع.
وعلى مر الأزمنة، يمكن أن نقسم وجهات النظر بخصوص هذا الموضوع الى قسمين اثنين، تبنى الأول منها أباحته على الإطلاق، في حين تبنى الأخر قمعه وتسكيته.
وفي الأسطر القادمة سنتطرق الى وجهات النظر البشرية هذه، ما مثل منها الدين أو الحضارة، ثم نشرع الى رأي الشارع الإسلامي المقدس فيه، باعتباره الحل الوسطي الذي توسل بالمنطق وسيلة غير قابلة للتفنيد، بدعم كبير جدا من التجريب والتطبيق. 

ـ الإباحة المطلقة:
تبنت بعض المجتمعات ومنها القبائل الطوطمية مثلا، مفهوم الجنس المشاع، حيث اعتبرته غريزة لازمة ولا تحتاج للتنظيم، إنما ينظمها الرغبة الفردية فقط، وعلى أساس ذلك، صارت المرأة مشاعة بين الأب وأبناءهّ كما صارت شيئا يشترى ويباع لأغراض المتعة الجنسية وحسب، دونما التفات لقيمتها الإنسانية!
والغريب في هذا الرأي، أنه رأيا متجددا، لم تطمسه السنون، إلا وعاد بأسلوب أقوى مما كان، وشاهدنا في ذلك هو تبنى بعض مجتمعات الحضارة الحديثة لهذا الشيوع من خلال مدن العري مثلا، فضلا عن التفنن في تعرية المرأة بعد ان أقنعوها بأن ذلك قيمة لها، وأن من حقها ممارسة هذه "الحرية"، حتى فتح لها الباب على مصراعيه، وصارت لدينا مجتمعات تتقن فن عبادة اللذة وتمارس غرائزها دونما قيد أو شرط! بعد أن خرّجت ذلك على أن ممارسة الجنس حالة غرائزية، ولا يمكن كبتها ولا حتى تنظيمها، حالها في ذلك حال غريزة الجوع والعطش والنوم، بل أمعنوا في ذلك بتصور غريب مفاده أن المشاكل النفسية والصحة ستنتهي لدى الأفراد والمجتمعات فيما لو صار الجنس مسألة عادية، باعتبار إن ـ حسب اعتقادهم ـ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية مردها الضغط النفسي المتولد من الكبت الجنسي! 
كما دعا أصحاب هذا التوجه الى ضرورة ان تعتبر مسألة الجنس أمرأ شخصيا، ليس من حق الدين أو النظم القانونية الوضعية فضلا عن الأعراف الاجتماعية، تنظيمه، بل وحتى التدخل فيه، لا كيفا ولا كما، أنما تحدده وتنظمه الحاجة له من أي طرف كان، باعتباره "حرية شخصية بحتة"، مستشهدين بذلك بعدم أمكانية الدين أو التنظيمات الوضعية كالقانون مثلا من تحديد ساعات نوم الفرد او عدد وجبات طعامه!
وقد وصل الأمر الى اعتبارهم الجنس عملا عاديا وحرية شخصية، حتى منحوا وفقا لذلك، الأحقية في ممارسته من أي فرد كان، وفي أي مكان وبأي طريقة كانت، حتى شاعت مفاهيم الإباحة الجنسية ومنها المثلية الجنسية والجنس الجماعي، ثم تغيير الجنس لأغراض اباحية وليس صحية او نفسية! وهو ما أدى بالضرورة الى الفوضى الأخلاقية وانهيار مفاهيم البناء الأسري الذي انعكس سلبا على البناء المجتمعي، ككثرة الأطفال غير الشرعيين ممن باتوا يشكلون معضلة اجتماعية في الكثير من المجتمعات الغربية.

ـ القمع المطلق:
الرأي الثاني حيال الجنس هو تحريمه بشكل مطلق، وللأسف رهن أصحاب هذا الرأي توجههم هذا بالدين، واعتبروه تقربا لله جل شأنه عن ذلك، إذ يعدون صنيعهم هذا ترهبنا يقربهم لخالقهم، خصوصا وانهم يعتقدون أن الحياة الدنيا إنما هي بالمجمل عقابا ألهيا على البشرية، وهو ما يحتم عليهم أن يعيشوها بأبسط اشكالها بما في ذلك الزهد في الطعام مع وفرته، والانقطاع عن المجتمع، وخدمته بالخلوة تعبدا، ومنه اعتزال النساء باعتبارهن وجه من وجوه الشيطان! وهن من خلال "حواء" أخرجن ابونا أدم عليه السلام من فردوسه الكبيرة، التي كنا سنبقى فيها أبد البدين لولا اغراء حواء لأدم!، فضلا عن اغراء زليخا ليوسف عليهما السلام، وهم بذلك يترفعون عن الجنس والمرأة عموما، بما في ذلك الزواج باعتباره ـ حسب تصورهم ـ تعلقا في الحياة الدنيا وحبا لها! وقدوتهم في ذلك عيسى عليه السلام ويحيى عليه السلام، دون أن يتفكروا في علل عدم زواجهم وينظروا للجوانب الأخرى المانعة من اقترانهم بزوجات، فضلا عن الحكمة الربانية في ذلك.
وأبعد من ذلك، فقد عمد هؤلاء المترهبنون الى تحريم الملاذ الأخرى من طعام لذيذ كاللحوم مثلا ـ مع أنه نعمة من نعم الله عليهم ـ فضلا عن زهدهم في اللبس النظيف والاستعاضة عنه بالخشن والرث حتى في حالة تيسره.
ولهؤلاء الرهبانيين حججهم في هذا الزهد المفرط، فهو يرون في ترك المقاربات الجسدية مع المرأة ترشيدا للطاقة الجسدية والنفسية، فضلا عن كون حب المرأة والتعلق بها مانعا من معرفة الله جل شأنه عن ذلك، حيث أن الابتعاد عن النساء سيوسع طريقهم للوصل الى مرادات الله سبحانه وتعالى ويسمح لهم بتوجه قلبي عميق! خصوصا وأن متطلبات التعلق القلبي بالملكوت يحتاج لمقدمة تكمن في وأد الغرائز وقتل الرغبات أنى كانت وكيفما تكون، بل أنهم لا يكتفون بتنظيمها وترشيدها، إنما اجتثاثها من الجذور، ومصداق هؤلاء هم الرهبانيين والراهبات في الدين المسيحي والأيتوكاوكاي في البوذية.

ـ الترشيد والتوظيف السليم للغريزة الجنسية:
وهو المنهج الذي تبناه الإسلام منذ بدايته، وعلى لسان حال كتابه المبين (القرآن الكريم) وقول نبيه الكريم محمد صلوات الله عليه وآله، بأعتبار أن الخالق المبدع، سبحانه وتعالى هو الذي خلق هذه الغرائز في النفس البشرية، وأن هذا الخلق ـ الإنسان ـ وغريزته يبقيان له الأفضلية على سائر الخلق ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ))(سورة التين ـ4) وبالتالي فهي نعمة ربانية من لدن منعم كريم، ما يجعلها تستحق الشكر والامتنان من خلال حسن الاستثمار والترشيد كحال بقية الغرائز، ومنها مثلا الطعام والشراب، وهو ما جعل سيد الأنبياء النبي الأكرم محمد صلوات الله عليه وآله ـ وكذلك فعل بقية الأنبياء عليهم السلام ـ يتزوج ويعيش كأسوياء البشر، دونما افراط او تفريط في الغرائز، بل أنه سن لأتباع دينه الكريم سنة الزواج، وصارت لازمة للمسلمين في أكمال دينهم، حتى قال في ذلك صلوات الله عليه وآله: "من تزوج فقد أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر"، وقال أيضا "..... وأتزوّج النّساء، فمن رغِبَ عن سنّتي فليس منّي" خصوصا وأن الزواج ـ من خلال هذه المقاربات الجنسية ـ هو السبب الوحيد لاستمرار النوع البشري، ما يجعل منها عملية هادفة ومقصودة من الخالق جل شأنه في حسن تنظيمه وابداعه، فضلا عن كونه تعبيرا حسيا عن الميل العاطفي والحب القلبي للجنس الأخر، بل أن ذلك آية عظمى من آيات الخلق البدع ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ))(سورة الروم ـ21)، ناهيك عن بعده الروحي كونه تسكينا للنفس البشرية وتحصينا للفرد المسلم، وإبعاد له عن الملاذ المحرمة، بل إن الشارع المقدس أمعن الى أبعد من ذلك، حينما منح الزوج أجره على مقاربة زوجته، فعن الإمام الصادق عليه السلام، أن النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله سأل احد أصحابه وكان يوم جمعة: "هل صمت اليوم؟!" فقال الصحابي: "لا"، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "فهل تصدقت بشيء؟!"، فرد الصحابي: "لا"، فقال عليه وآله الصلاة والسلام: "قم فأصب من اهلك فانه منك صدقة عليها".
كما منع النبي الأكرم من الرهبانية والتبتل المفرط، فيروى أن زوجة عثمان بن مظعون كانت لا تهتم بزينتها، بداعي أن زوجها مشغول مع أصحابه، فهم يصومون النهار ويقومون الليل، ولا يقربون النساء، فوصل الأمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج إليهم، وقال: أ ترغبون عن النساء؟! اني آتي النساء و آكل بالنهار و أنام بالليل، فمن رغب عن سنتي فليس مني، حتى نزلت الآية الشريفة ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (86) وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (87))(سورة المائدة ـ 86 ـ 87)، فراحوا يتحججون بقسمهم وايمانهم على ذلك، فنزلت الآية الشريفة (( لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ))(سورة المائدة ـ 98).

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م