22 ذو الحجة 1441 هـ   12 آب 2020 مـ 7:21 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات  |  الدعاء... مخ العبادة
2020-02-26   509

الدعاء... مخ العبادة

ما زال الإنسان موجودا معلولا، محتاجا بوجوده لعلة إيجاد، وهي العلة الأولى سبحانه وتعالى، وبالتالي فهو فقير محتاج الى هذه العلة كونها أقوى منه، تعينه على الحياة، وتقيه شرور غيره، وربما تنصفه من نفسه في بعض الأحيان.
وعلى تعدد العلل الموجودة، لهذا الإنسان، تبقى حاجته للعلة الأولى لا مناص منها ولا غنى عنها، فلولا إرادة الله سبحانه وتعالى في ايجاده للإنسان، ما وجد أبدا، ولما أوجدته غير علة الخالق الموجد، لذا فأنه عليق بهذه العلة وفي مورد طلبها وحاجته اليها، مهما كان وأنى كان ويكون.
ومع فقر هذا المعلول ـ الإنسان ـ وحاجته للعلة الموجدة سبحانه وتعالى، فأن تركيبته الحسية ستجعله يبحث عن طريقة للتواصل مع الله جل شأنه، طلبا لحاجاته، وتأمينا لمتطلباته، وإقرارا بالربوبية له، باعتباره كائن عاجز، أمام جبروت الخالق الغني، فراح يمد يده لطلب العون والسند بعبودية مطلقة تستعطف الرب الموجد، من خلال أسلوب الدعاء الذي هو تعبير حقيقي عن ارتباط هذا المخلوق العاجز بالخالق القادر، بدء من تلبية حاجته وانتهاء بالبحث عن شعور الطمأنينة والسكينة بوجود ملجأ آمن له كلما مر بصعوبة في الحياة. 
وفي الوقت الذي يكون فيه الدعاء حاجة وجدانية للإنسان حيال خالقه، فأنها أفضل أشكال عبادته، فعن النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله، أنه قال: "أفضل العبادة الدّعاء".
كما انه ـ الدعاء ـ أحب ما يمكن أن يربط الإنسان بربه، فعن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: "ما من شيء أحب إلى الله من أن يسأل ويطلب ما عنده، وما أحد أبغض إلى الله عز وجل ممن يستكبر عن عبادته، ولا يسأل ما عنده".
وقد عد الدعاء في موارد أخرى بأنه العبادة الكبرى، بل ومخها المدبر لها، فقد سأل سائل الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام بالقول: "ما تقول في رجلين دخلا المسجد جميعاً كان أحدهما أكثر صلاة والآخر أكثر دعاءً فأيهما أفضل؟ قال عليه السلام: كل حسن، قال السائل: قد علمت، ولكن أيهما أفضل؟ قال عليه السلام: أكثرهما دعاءً أما تسمع قول الله تعالى: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ))(سورة غافر ـ 60)، وقال عليه السلام: هي العبادة الكبرى".
كما عدّ النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله وسلم الدعاء مما لا هلاك معه، حيث قال: "الدّعاء مخ العبادة، ولا يهلك مع الدّعاء أحد".
ويستبطن الدعاء حقيقة اعتقادية كبرى، قوامها بأن صاحب الدعاء فقير عاجر بالمطلق الى غني قادر بالمطلق، وهي لفتة كلامية مهمة، تدل على حسن عبوديته لله سبحانه، بل وأنه سبحانه وتعالى المالك الحقيقي لكل شيء، والقادر على كل شيء، وأنّ صاحب الدعاء هو مجرد مملوك له، وبالتالي فأن الدعاء تمظهر حقيقي لعبوديّة الإنسان لله، وخضوعه متذللا بين يديه، مع إقرار بالفقر والحاجة والفاقة له، بل وان هذا الدعاء يمكن ان يغير المحتوم، فعن الإمام الصادق عليه السلام قوله: "ادع ولا تقل، قد فرغ من الأمر، فإن الدعاء هو العبادة، إن الله عزّ وجل يقول: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ))(سورة غافر ـ 60). 
والدعاء صلة حقيقة بالله سبحانه وتعالى، فقوله عز من قال ((ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ))، وقوله سبحانه ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ))(سورة البقرة ـ186) وقبول الدعاء من العبد، دلائل واضحة على أنه مقبول عند خالقه، شريطة أن يقطع جميع الأسباب المرجوة لتحقيق مناه، وتعليقها بالله سبحانه وتعالى، فعن النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله، انه قال: "يقول الله عزّ وجل: ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني، إلاّ قطعت أسباب السماوات والأرض من دونه، فإن سألني لم أعطه، وإن دعاني لم أُجبه، وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي، إلاّ ضمنت السماوات والأرض رزقه، فإن سألني أعطيته وإن دعاني أجبته، وإن استغفرني غفرت له".
وعلى عظمة هذه العادة ـ الدعاء ـ لا بد له من مقدمات مهمة، يستجاب بها، وهي:
ـ اجتناب الذنوب:
والذنوب من موانع قبول الدعاء، بل هي حاجز بين العبد وربه، وبالتالي فتجنبها شرط من شروط قبوله، فعن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "إنّ العبد يسأل الله الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب أو إلى وقت بطيء، فيذنب العبد ذنباً فيقول الله تبارك وتعالى: للملك لا تقض حاجته واحرمه إياها، فإنه تعرض لسخطي واستوجب الحرمان مني".
وهو عين ما قصده أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام بقوله: "المعصية تمنع الإجابة"، وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تستبطئ إجابة دعائك وقد سددت طريقه بالذنوب"، وقول الإمام الصادق عليه السلام في مورد أجابته لمن سأله: "إنا ندعو الله فلا يستجيب لنا؟ فقال عليه السلام: إنكم تدعون من لا تهابونه وتعصونه، وكيف يستجيب لكم؟".
ـ العمل فريضة الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر:
وهي فريضة مهمة اكدها القرآن الكريم والسنة النبوي في موارد كثيرة، منها: ((لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ))(سورة أل عمران ـ 113 ـ114)، وقوله سبحانه وتعالى ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ))(سورة التوبة ـ 71)، وقوله ((الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ))(سورة الحج ـ 41) وقوله تعالى ((ا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ))(سورة لقمان ـ 14) وقوله تعالى ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))(سورة آل عمران ـ 104).
وعن النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله انه قال: "وإذا لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر، ولم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي، سلط الله عليهم شرارهم، فيدعوا خيارهم فلا يستجاب لهم"، وهو عين ما قاله أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بقوله: "لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولى عليكم أشراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم"، وقول الإمام الصادق عليه السلام: "إن الله بعث ملكين إلى أهل مدينة ليقلباها على أهلها، فلما انتهيا إلى المدينة وجدا رجلاً يدعو الله ويتضرع إليه، فقال أحدهما للآخر: أما ترى هذا الداعي؟ فقال: قد رأيته، ولكن أمضي لما أمرني به ربي. فقال: ولكني لا أحدث شيئاً حتى أرجع إلى ربي فعاد إلى الله تبارك وتعالى، فقال: يا رب إني انتهيت إلى المدينة فوجدت عبدك فلاناً يدعوك ويتضرع إليك، فقال: امض لما أمرتك، فإنّ ذلك الرجل لم يتغير وجهه غضباً لي قط".
ـ الامتناع عن المال الحرام:
يعتبر كسب المال الحرام ماتعا حقيقا من قبول الدعاء، بل وحاجبا عن صلة العبد بربه سبحانه، فعن النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله: "إن العبد ليرفع يده إلى الله ومطعمه حرام، فكيف يستجاب له وهذا حاله؟، وقوله صلى الله عليه وآله: "ومن تغذى بالحرام فالنار أولى به، ولا يستجاب له دعاء"، وقوله صلى الله عليه وآله: "إن أحدكم ليرفع يديه إلى السماء فيقول يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام فأي دعاء يستجاب لهذا؟"، وقوله صلى الله عليه وآله: "أطب كسبك تُستجب دعوتك، فإنّ الرجل يرفع اللقمة إلى فيه فما تستجاب له دعوة أربعين يوماً". 
ـ ذنوب أخرى:
وقد عّد أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم أجمعين مجموعة من الذنوب ـ وإن كان بعضها من الصغائر ـ مانعا من قبول الله سبحانه وتعالى لدعاء العبد، فعن السجاد عليه السلام، أنّه قال: "الذنوب التي ترد الدعاء: سوء النية، وخبث السريرة، والنفاق مع الاخوان، وترك التصديق بالإجابة، وتأخير الصلوات المفروضات حتى تذهب أوقاتها، وترك التقرب إلى الله عز وجل بالبر والصدقة، واستعمال البذاء والفحش في القول".

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م