22 ذو الحجة 1441 هـ   12 آب 2020 مـ 7:00 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات في القرآن الكريم |  اخلاقيات الحوار في القرآن الكريم
2020-03-11   664

اخلاقيات الحوار في القرآن الكريم

يمتاز الإنسان عن غيره بالسمة الاجتماعية التي تحتم عليه العيش مع غيره من البشر، بعيدا عن العزلة والوحدة، وهي سمة متحضرة فيه دون باقي المخلوقات، وعد وفقا لها، مدنيا حسب تعبير علم الاجتماع. 
وأهم ملامح مدنيته هذه، هو مبدأ الحوار، فالحوار مادة التواصل بين الناس، على خلاف تواصل الحيوانات مثلا، التي تلجأ للغة القوة وفرض الإرادات.
وكي يكون الحوار بناءا مجديا، حث القرآن الكريم في مواضع عدة على تأسيس شكلية وآلية حوارية تفضي الى نتائج ملموسة، وتقضي على الجدال والمراء الذي يجر لجدلية تنتهي بعراك او تضاد، مؤسسا ـ القرآن الكريم ـ بذلك الى منهجية علمية في الحوار، بعد أن أطرها وسورها وضبط ملامحها بأخلاقية محددة، ضمانا منه للنتائج المرجوة منه.
ومن اخلاقيات الحوار القرآني، ما يلي:

ـ حاور وجادل بالأحسن: 
((ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ))(سورة النحل ـ 125).
فعلى الرغم من عظمة الربوبية وحقارة العبد أمامها، وعلى الرغم من الخير المرجو من بعثة الأنبياء الى ربهم، فأن الله سبحانه وتعالى أسس لمبدأ الجدال الحسن، حتى مع الكافرين به، من خلال أمره لرسله ودعاته الى اعتماد الجدال الحسن معهم، بل أنه أكد مرارا على ذلك، فقد ورد فيه ((وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ))(سورة العنكبوت ـ 46)، ليكون بذلك منهاجا ألهية في الحوار مع الأخرين بعد الاستماع لما عندهم من أراء ومن ثم مناقشتها بالتي هي أحسن، خصوصا وإن هذا الأسلوب ـ الجدال الحسن ـ سيكون له تأثيرا حقيقيا على المتلقي بل ويمكن أن يحول العدوّ اللدود منهم إلى صديق حميم ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيم(35))(سورة فصلت ـ 33 ـ35).

ـ أركن للحجة والدليل والبرهان:
كما يؤسس القرآن الكريم الى جدلية أثرائية، تفيد الطرف المقابل، بعيدا عن الجدال السفسطي، من خلال الركون إلى الحجج والبراهين العلمية الثاقبة، معتمدا بذلك على قوة المنطق لا منطق القوة، بأعتبار أن الحجة تقارع بالحجة، والدليل يصارع بالدليل والبرهان ينازل بالبرهان. 
ومن آيات القرآن الكريم الشريفات، الداعية الى ذلك قوله جل وعلا ((وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(111) بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(112))(سورة البقرة ـ 111 ـ112) وقوله تعالى ((أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ))(سورة الأنبياء ـ 24)، وقوله تعالى ((أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ))(سورة النمل ـ64)، وقوله تعالى ((فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أهدى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49))(سورة القصص ـ 48 ـ49).

ـ أنصف من تحاور: 
لم ينظر القرآن الكريم للجدال على أساس الغلبة، بل على أساس أتباع الحق وحسب، ومنه صار ينظر للطرف المحاور على أنه إنسان يحتاج لتوضيح الحقيقة، وهو ما يستلزم من المحاور انصافه بالحوار، من خلال الحوار البعيد عن المسبقات الحكمية على الذات (الطرف المحاوِر) او الطرف الأخر (المحاوَر)، من خلال الابتعاد عن الأحكام المسبقة لصالح الذات وضد الطرف الخصم، والتحلّي بأخلاف الفرسان من شجاعة أخلاقية تمنع عن التشكيك في فكرة المحاور او فكرة الخصم، على حدّ سواء، مع تبيان الاستعداد الحقيقي للتنازل عن الخطأ وقبول الصواب انى كان، وفتح الباب مشرعة للوصول للأفضل والأحسن حسب الحجة والبرهان المنطقي، وهو ما أكده القرآن الكريم بقوله الشريف ((فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ))(سورة آل عمران ـ 61) وهو تأسيس حقيقي لقبول النتيجة على الذات كقبوله على الطرف الأخر، فضلا عن قوله تعالى ((قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24) قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاءَ ۖ كَلَّا ۚ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(27)((سورة سبأ ـ 24 ـ 27)، حيث نجد أن النبي الكريم صلوات الله عليه وآله ـ وعلى الرغم من كونه يمتلك الحقيقة ـ ابتعد عن منح نفسه صفة الهدى، كما ابتعد عن توصيف خصومه بالضلال.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م