22 ذو الحجة 1441 هـ   12 آب 2020 مـ 6:58 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | تجديد العهد مع الله (الحج) |  ماهية الأمن في بيت الله الحرام... تكوني ام تشريعي؟
2020-07-23   881

ماهية الأمن في بيت الله الحرام... تكوني ام تشريعي؟

((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(97))(آل عمران ـ96 ـ97)

منح الإسلام خصوصية كبرى لمكة الشريفة، وكرمها أكثر مما كانت عليه قبله، انسجاما لوزنها الاعتباري في الأديان الحنفية التوحيدية، فراح يطهرها مما علق بها من أوثان وأصنام، ومنح العاملين عليها خصوصية كبيرة، وراح يمنحها القداسة حيثما كان للقداسة محل، وللتوقير موطن، فضلا عن خصوصية ـ وإن شأت فقل خاصية ـ الأمن، حيث جعل اللائذ بها في مأمن مما وممن هرب منه ((.... وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ....)).
وحديثنا عن الآمن المتحصل في مكة المكرمة يجرنا لتساؤل مهم، حول هذه السمة، مفاده: هل سمة الأمن في مكة سمة تكوينية أن اعتبارية؟ 
والجواب هو إنها اعتبارية مجردة، فالتأريخ لا ينكر أن مكة المكرمة قد تعرضت للمعصية والجريمة في حالت كثيرة، بل وقد حصل فيها القتل والدمار وعاش ساكنوها شيء من الخوف والرعب، مما هو مذكور في كتب التأريخ، وهذا معناه إنها لم تستعصي على أصحاب المعصية ولم تكن بمنأى عن أرباب الجريمة، بدء ممن قذفها بالمنجنيق، ووصولا لمن حرقها، ومرورا بمن هدمها وشوه معالمها، وازهق الأرواح بين أكتافها وعلى جدرانها، بل ولم يكن ذلك من الحوادث التأريخية فحسب، فالتأريخ القريب يُذّكرنا بما تعرضت اليه مكة المكرمة مطلع القرن الخامس عشر الهجري، وهو ما يؤكد بأن خاصية الأمن فيها ليست على سبيل التكوين، إنما على سبيل الاعتبار. 
والاعتبار هنا متأتي من منظومة نصية تشريعية منحت الكعبة الشريفة ومكة المكرمة قداسة تؤدي بالمحصلة الى جملة تكاليف وواجبات على المسلم ـ وغيره المسلم ـ للحفاظ على هيبتها وتتشكل عندها الطمأنينة والسكينة التي يحتاجها المرء بقربه من بيت الله العتيق. 
ومن جملة النصوص القرآنية التي منحت اعتبار الأمان لبيت الله الحرام ما يلي من الآيات الشريفات:
ـ ((وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126))(البقرة ـ125 ـ126).
ـ ((فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ))(آل عمران ـ97).
ـ ((لَا أُقْسِمُ بهذا الْبَلَدِ (1) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ))(البلد ـ1ـ2).
ـ ((وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ))(التين ـ3).
ـ ((رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ))(إبراهيم ـ 35).
ـ ((وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ))(القصص ـ57).
ـ ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ))(العنكبوت ـ67).

وهو ما يجعل الأمن في بيت الله الحرام، أمنا تشريعيا (نصيا يُحّرم ما يخل بأمن الإنسان)، وليس من تلازم بين هذا التشريع وتكونية البيت الحرام، فقد يتعرض المرء فيها لما يخدش أمنه وينغص طمأنينته كما أسلفنا. 
  ولصناعة الأمن في بيت الله الحرام، مرام وقصود، يريدها الشارع المقدس ـ من باب "حكمة لحكيم" ـ ومن جملة ذلك، هو أن يُعّود الفرد على أهمية الشعور بالأمان في نقطة ما على أقل التقادير، كما أنه يقصد أن تكون ـ على قلتها ـ منطقة واحدة منزوعة السلاح، ((وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ))(البقرة ـ191)، تشد المرء لأجواء السلام والأمان، هذا غير ما يراد منه كمقصد أول في تعظيم هذه البقعة الشريفة التي شهدت ولادة الأديان الموحدة، بدء من زمان نبي الله ابراهيم عليه السلام (( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ))(أبراهيم ـ 37).
وبغية زيادة تأثير قداسة الكعبة المشرفة على الفرد، شرع الشارع المقدس جملة من الطقوس ـ وهي اشبه بالمراسم الدبلوماسية ـ تحكم الداخل لبيت الله الحرام، بجملة من الممارسات والحركات بل والأزياء، وهي بذلك تصنع أجواء من الخشوع، تصل بالداخل اليها؛ الى أعلى مراحل الروحانية والتقرب من الله جل شأنه، بعيدا عما يُلحد بالله ((وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ))(إبراهيم ـ25)، وهي بذلك تحقق حالة من عروج الروح وتسامى الفكرة كمطلب سماوي يحقق محاولة فردية ومجموعاتية ـ من خلال مراسم الحج مثلا ـ لتكامل الإنسان وانتزاع العوائق والعاهات التي تسيطر عليه في غير هذا المحل. 
وإمعانا في قدسية البيت الحرام، لم يكتف الشارع المقدس بالتنصيص على أمن الإنسان وحسب في البيت العتيق، بل راح يمنح الحيوان والنبات، بل والجماد، ذات الأمن وذات الطمأنينة، من خلال فرضه على الفرد المُحرم (من الإحرام كطقس من طقوس حج بيت الله الحرام) جملة من الواجبات التي يحّرم بمقتضاها بعض ما هو حلال خارج هذه البقعة المشرفة، كتحريم الصيد مثلا او حرمة قتل البعوضة والذبابة، بل وحتى حرمة استخدام العطر والزينة، وهو بذلك يجعل المحُرم في أجواء لا مكان فيها للعنف او القوة او السلب أو الغرور، بل وحتى منع عنه التجارة والتنافس والتفاخر بالملبس من خلال التزام الجميع بزي محدد (ملابس الإحرام)، وهو ـ المشرع ـ بذلك يؤسس لمدينة فاضلة يصطبغ بها الإنسان بصبغة الله سبحانه وتعالى، على أمل أن يكرر المسلم تجربته هذه في غير محل الكعبة الشريفة، وصولا لثقافة مجتمعية قوامها الأمن والطمأنينة، بأعتبار أن كل الأرض حرم الله، وكل المخلوقات خلقه، ولكل منها وظيفته التي لا تكون إلا عن حكمة من حكيم علام للغيوب. 

من دخله كان امنا

من دخله كان امنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م