13 صفر 1442 هـ   1 تشرين الأول 2020 مـ 9:51 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | قادة محمديون (الأئمة وبعض الصحابة) |  الإمام زين العابدين؛ بقية الإمامة وشاهدها الشهيد
2020-09-16   450

الإمام زين العابدين؛ بقية الإمامة وشاهدها الشهيد

الحديث عن سلسلة أئمة أهل البيت عليهم السلام، حديث متسلسل، يتطلب ربطا حكيما بين حياتهم سلام الله عليهم، والمنظومة القيمية التي يسلكون، مع ضرورة ربطها بالفهم القرآني، خصوصا فيما يتعلق بمواقفهم حيال الأحداث، بل وتراتبيتهم معه ـ القرآن الكريم ـ باعتبارهم توأمه وترجمانه، والثقل الأصغر لك.
أما الحديث عن الإمام زين العابدين عليه السلام، فقد يكون الأهم، كيف لا؟! وهو من حفظ الدين قبل أن يحرفه شذاذ الأفاق من الأمويين، يوم خلت الساحة الإسلامية من أبن بنت رسول الله صلوات الله عليه وآله، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فأنه عليه السلام، أشتغل طيلة حياته، على تفهيم الناس دينهم بشكل عميق وإرجاعهم للملة التي حاول الأمويون تبديلها، بعدما سنوا لهم دينا غير دين جده محمد صلوات الله عليه وآله.
والإمام السجاد هو علي بن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، ولد في المدينة المنورة في الخامس من شعبان من العام (37) هجرية على الأرجح، وصار بذلك رابع أئمة الهدى عليهم السلام بعد أبيه الحسين وعمه الحسن وجده أمير المؤمنين عليهم السلام.
تعرض سلام الله عليه لأبشع أساليب الظلم والتعسف، خصوصا وأنه عاصر أطغى طغاة بني أمية، بدءا من يزيد لعنه الله وانتهاءً بالوليد بن عبد الملك بن مروان، ما جعله يتبنى مناهجا واساليب أجدى في إدامة زخم الإمامة بين المسلمين، ككتباته للصحيفة السجّادية ورسالة الحقوق العظيمة، ناهيك عن توظيفه لمفاهيم الحزن والبكاء ـ وهو الشاهد الأخير على واقعة الطف الأليمة ـ حتى عُّد خامس البكّائين الخمسة عليهم السلام.
وقد لقب عليه السلام بعدد من الألقاب، وكلها ذات معانِ ومصاديق كبيرة، ومنها: زين العابدين، وهو مما حُصر به، ولم يعرف لغيره، ناهيك عن لقب السجاد، وذي الثفنات، وكلها تدل على كثرة عبادته لله سجوده بين يديه، فضلا عن ألقاء أخرى. 
عاش الإمام السجاد عليه السلام شطرا من إمامة عمه الحسن عليه السلام، وطيلة إمامة أبيه الإمام الحسين عليه السلام، فتربى بين أروقة الإمامة، ونشأ في روضتها، حتى صارت اليه بعد استشهاد الحسين عليه السلام، في واقعة كربلاء، وكان قد ناهز الثلاث وعشرون سنة من عمره الشريف، وقد تحمل بعد ذلك ثقل مسؤولية أمة انحرف الكثير من افرادها، بل وقتلوا سبط نبيهم؛ وزورا القول عليه، وبدلوا دينه وسنته، ناهيك عن سنهم للبدع، ومنها سب جده أمير المؤمنين عليه السلام، فضلا عما عاينه بعينه الشريفة، بدءً من سم السبط الأول وقتل الثاني وأهل بيته عليهما السلام، وانتهاءً بمرحلة الأسر التي تعرض لها عليه السلام وسبي الفواطم من النسوة الطاهرات، التي اختتمت بها واقعة الطف الأليمة، في وقت كان يعاني فيه أشد العلل والأمراض التي صارت لحياته درعا، وللإمامة مدا، ناهيك عن كونه الشاهد الذي منح الواقعة بعدها الإعلامي وزخمها التوعوي الذي كشف تستر العصابة الأموية بالدين، على الرغم مما عاناه عليه السلام من اساليب الترهيب والتخويف كمحاولة من العصابة الأموية في إبعاده عن تصحيح مسار الأمة التي بدأت تعي حجم انتكاستها بعد تخليها عن أبن بنت نبيها عليهما السلام، وتجرأ الحكومة الأموية ـ التي تخاذلوا أمامها عن نصرة الحسين عليه السلام ـ في استباحة المدينة المنورة وحرق الكعبة المشرفة.
كما وظف عليه السلام مفاهيم الدعاء ـ من خلال صحيفته السجادية ـ في إذكاء روح الثورة في الأمة، فضلا عن ربطها بالخط النبوي، فعلى الرغم من كون ظاهرها مجرد أدعية، إلا انها تستبطن وعيا دينيا وحسا عقائديا وتعاليما عبادية يمكن لها أن تعود بالأمة الى جادة الصواب، رغما عن تجاسر حكامها وتسافل سلاطينها، باعتبارها ـ الصحيفة السجادية ـ كانت أشبه ما تكون بمران فكري ورياضة روحية، يستفيدها المسلم في رفضه للظلم ومجابهته للعدوان، بعد التوكل على الله، ناهيك عن مضامينها التي كانت تدعو الى اقامة الحكومة الحقة على المنهاج النبوي الأصيل، فضلا عن مفاهيم إحقاق الحق وضبط الحقوق والواجبات، واقامة العدل والمساوة.
كما أدام عليه السلام مفهوم الثورة في نفوس المؤومين، من خلال أدامة حرارة قتل أبيه الحسين عليه السلام؛ والطريقة الوحشية التي قُتل فيها مع ثلة طيبة من أهل بيته الطاهرين، حتى أنه كان يُلهب مشاعرهم ويديم فيهم ثورة الرفض من خلال تذكريهم بها في كل مناسبة، حتى ورد عنه عليه السلام أنه قد مر بقصاب وهو يذبح شاة، فسأله: هل سقيتها ماءً؟"، فأجاب القصاب بـ: "نعم"، فذكره عليه السلام ومن معه، بأن أبيه الحسين عليه السلام قد قُتل عطاشا، وهو درس للضمير، مع ما اشتمل عليه من تذكير بضرورة سقي الحيوانات قبل ذبحها كنوع من الحقوق لها على مالكها
كما اشتغل عليه السلام في فك رقاب العبيد وتحرير الرقيق، كنوع من الحفظ لإنسانيتهم التي ولدوا عليها، فقد روي عنه أنه كان يشتري العبيد والإماء ليعيشوا معه ردحا من الزمن، يتعلموا خلاله اساليب الحياة الكريمة، ويتقنوا فيها عباداتهم وتعاملاتهم، ليعتقوا بعد ذلك، وهم على بصيرة من أمرهم، وهو ما جعل الناس تحلق حوله، وتسور دينها به، تكفيرا عن خطيئة عدم نصرتهم لأبيه عليه السلام من جهة، وايمانا منهم بأنه سلام الله عليه؛ التتمة المحمدية الحقة.
وقد روي بأنه عليه السلام كان قد حج بيت الله الحرام ذات سنة، وقد صادف ذلك وجود الطاغية هشام بن عبد الملك بن مروان، حيث شاهد هشام تزاحم الناس حول الإمام السجاد عليه السلام بين سائل ومتبارك، فراح يتهكم عن الأمر وصاحبه، بالقول: من هذا؟!، فرد عليه الشاعر الفرزدق ـ وكان مواليا لأهل البيت عليهم السلام ـ بقصيدته الميمية العصماء، التي استنكر فيها سؤال الطاغية هشام:
هذا الذي تـعرف البطحاء وطأتـــــه والبيـت يعرفه والحل والحــــــرم
هذا ابـن خير عباد الله كلهــــــــــــم هــذا التقـي النقي الطاهر العلــــم
يكاد يمسكه عرفان راحـتـــــــــــــه ركـن الحطيم إذا ما جاء يستلـــــم
إذا رأتـه قـريـش قال قائلهــــــــــــا إلى مكــارم هـذا ينتهـي الكـــــرم
هذا ابن فاطمــــة إن كـنت جاهلـــه بجــــــده أنبـياء الله قـد خـتمـــــوا
وليس قـولـك مـن هذا بـضائــــــره العرب تعرف من أنكرت والعجم
يفضي حياء ويفضى من مهابتـــــه فـما تكلــــــــم إلا حين يبتســـــــم
ينمى إلى ذورة المجد التي قصرت عنهـــا الأكف وعن إدراكها القدم
من جده وان فضل الأنبياء لــــــــه وفضـــــــــــل أمته دانت له الأمم
ينشق نور الهدى عن صبح غرتــه كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم
ما قال "لا" قط إلا في تشهـــــــــده لولا التشهد لكانت لاؤه "نعــــــــم"
وقد امر هشام لعنه الله بسجن الفرزدق كعقوبة له على قصيدته هذه، كونها قد فضحته وبينت للناس ثقله الزائف أمام الإمام السجاد عليه السلام وقبوله من المسلمين باعتباره من سلسلة ائمة الهدى عليهم السلام.
استشهد عليه السلام في الخامس والعشرين من محرم الحرام من العام (95) من الهجرة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، بعد أن دس الوليد بن عبد الملك لعنه الله له السم، خيفة من وجوده الذي زلزل عقيدة الناس ببني أمية لعنة الله عليهم، حتى قال الوليد بن عبد الملك لعنة الله عليه: "لا راحة لي، وعلي بن الحسين موجود في دار الدنيا"، فصار القرار الى تصفيته غيلة وغدرا من خلال السم الذي كُلف به عامله على يثرب، ليدُفن عليه السلام في البقيع بجوار عمه الإمام الحسن عليه السلام.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م