13 ربيع الاول 1443 هـ   20 تشرين الأول 2021 مـ 7:19 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | حقوق الإنسان |  حق إبداء الرأي
2021-03-20   724

حق إبداء الرأي

أصدق مصاديق حرية إبداء الرأي يكمن في كون الإنسان يتمتع بالتقويم الأحسن ((وخلقنا الإنسان في أحسن تقويم))(التين ـــ4)، وما تقويمه الحسن هذا وتمييزه عن سائر خلقه بالعقل واللسان الا توفيقا منه ـــ الخالق سبحانه وتعالى ـــ  للإنسان بما يسمح له بالتعبير من خلال لسانه عما يدور في عقله، وهو ما يسمى عصريا بحق ابداء الرأي، إذ يرى الإسلام أن تعبير الإنسان عن رأيه بغير اكراه او تغرير، إنما هو حاجة أساسية له، وإن كبتها يولد عواقب كثيرة، فضلا عن صيرورة من يكبتها الى كائن غير متكامل بل ولا منتج أصلا، وهو تناف صريح مع ما فضّله الله به عمن سواه، بل وتعويق لمسؤوليته في استخلاف الأرض وعمارتها المبنية بالأساس على حالة الاجتماع البشري والتفاهم والتكافل الإنساني، في وقت منح جل وعلا؛ حرية إبداء الرأي حتى لإبليس على علمه بأنه عاص له ((قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32)  قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ))(الحجر ـــ 33)).
وعلى هذا؛ يرى الإسلام ضرورة قصوى في ترشيد الفكر الإنساني وإعماله بحرية إبداء الرأي، لأن هذه الرياضة ـــ إبداء الرأي ـــ مهما كانت مساوؤها، ستكون أفضل بكثير من حالات الكبت التي تدفع الإنسان للتسور حتى على علاقته مع ربه، فضلا عن كونها منطلقا لاستلاب غيرها من الحقوق التي بخلافها يصير الإنسان عبد للأخر وليس لله جل وتعالى. 
وما منح الإسلام هذه الحرية؛ الا لأيمانه بقدرته على إقناع من يخالفه في الرأي بالحقائق اليقينية المستندة للعقل في مواجهة حالة التجهيل التي ستسيطر على المخالف بالرأي فيما إذا رد عليه رأيه دون قناعة، إذ إنه يرى إن انتشاره ـ الإسلام ـ إنما هو نتيجة طبيعية لحالة إبداء الرأي وليس كبته، لذا تراه رحب الصدر حتى لمن اتهمه بالأسطرة (من الأساطير) والسحر والفرية، بل على العكس من ذلك إذ إنه تعامل معهم ومع أراءهم على أنها أراء قابلة للنقاش والدحض وهو ما فعله اتجاهها. 
وعلى كل ذلك، فقد كفل الإسلام التعبير عن الرأي ومنع من كبته؛ بداعي أن هذا الرأي ـــ أي كان مصدره ودوافعه ــــ لا يخلو من ان يكون أحد امرين، إما ان يكون صوابا وعندئذ سيكون الإسلام ملزم بقبوله ـــ وهو ما لم يحدث البتة باعتبار علوية مشرع الإسلام قبالة صغروية الراد له ـــ او أن يكون خطأ وليس من المنطق كبته دون إقناع لئلا يتحول الى خطأ دفين ينمو بجذور الحقد والتحين. 
كما سمح الإسلام في النقاش الإثرائي وإبداء الرأي فيما يعتقد الأخر، ولم يحصر ذلك بين المسلمين فحسب، بل سمح بذلك للمخالفين له، (( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ))(آل عمران ـــ 64) (( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ))(العنكبوت ـــ 46)، ومن الطبيعي إن هذا الجدال الحسن إنما هو سماح من الإسلام  للأخر في حرية إبداء الرأي ووجهات النظر وعلى مختلف الأصعدة، وهو بذلك  يؤسس لثقافة الحوار الصريح الذي يتضمن إبداء الرأي ببيئة سليمة وحوار هادئ وبّناء، وأسس علمية رصينة تتعكز على الدليل والحجة والبرهان.  
ولا ننسى ما تفتخر به الإنسانية من تأسيس كبير لأمير المؤمنين علي عليه السلام في مجال منح الحريات الفكرية ومنها حرية إبداء الرأي وأسبقيته على النظم والتشريعات الأممية العصرية، ومن ذلك مناقشته ـــ وهي الرئيس الأعلى للمسلمين في حينها ـــ للخوارج بعدما اتهموه بأبشع التهم ومنها الحيد عن الإسلام، بشعار واهم وموهِم بأن "لا حكم إلا لله" ليأتي رده الرشيد المتزن بأن قولكم هذا إنما هو " كلمة حق يراد بها باطل". 
ونفس الأمر حدث معه سلام الله عليه عندما طلب منه بعض من أراد شق الصف الإسلامي والتهيؤ لحرب الجمل، بعذر يحمل بين طياته من الحقد الكثير فقال عليه السلام: "إنّهما استأذنا في العمرة فأذنت لهما بعد أوثقت منهما بالأَيمان أن لا يغدرا ولا ينكثا ولا يُحدثا فساداً، وإنّي لأعلم أنّهما ما قصدا إلاّ الفتنة فكأنّي بهما قد سارا إلى مكة ليسعيا إلى حربي"؛ فقيل له: إن كان ذلك عندك يا أمير المؤمنين معلوماً فلِمَ أذنت لهما؟ هلاّ حبستهما واوثقتهما بالحديد، وكفيت المؤمنين شرّهما!، فقال عليه الصلاة والسلام: "أتأمرني بالظُلم، أبدأ بالسيّئة قبل الحسنة؟ وأعاقب على الظنّة والتهمة؟ وأؤاخذ بالفعل قبل كونه، كلاّ ـوالله لا عدلت عمّا أخذ الله عليّ من الحُكم والعدل، ولا ابتدئ بالفصل".

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م