13 ربيع الاول 1443 هـ   20 تشرين الأول 2021 مـ 7:59 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أفكار ونظريات |  الميتافيزيقيا بين الله والإنسان
2021-06-24   583

الميتافيزيقيا بين الله والإنسان


خُلق الإنسان بعدد من الحواس التي يتحسس من خلالها وجوده ومحيطه، يعرف بها حجم نفسه، تركيبة جسده وما يحيطه، حجام ومساحات وأوصاف الأشياء من حوله، أين يعيش ومع من وكيف ولماذا، وما الى ذلك من أسئلة يستطيع استفهامها وفهم أجوبتها، ثم يُدخل ما حس به من تلك الحواس الى آلة تفكيره ـ العقل ـ لتخرج له مخرجاته الفكرية، التي تميزه عن غيره من المخلوقات. 
وعلى عظمة خلق الإنسان، وحسن تقويمه، إلا أنه قاصر عن استشعار ما هو خارج قدراته، فسلمعه مثلا عتبة صوت مخصصة، لا يمكن سماع ما تجازها وعلاها أو أنخفض عنها، ونفس الأمر بالنسبة لنظره، فلعينيه أفق بصري محدد، لا يرى ما هو أبعد من ذلك، وربما حتى الأقرب منه، ونفس الشيء لحدود تعقله وفهمه المحكومة بآلية تحليل العقل واستنطاقه للمعلومة من بعد استقراء!
وقدر تعلق الأمر بالهيئة والكون والوجودات الأخرى غير المحسوسة من الإنسان، فأنه سيحتاج الى حواس أقوى من حواسه، وقدرات عقلية واستيعابية اكبر مما عليه قدراته هو، فثمة حقائق غير محسوسة بالحواس العادية للإنسان، وإن كانت حقائق مادية وملموسة؛ إلا إنها أبعد من حواسه وأصعب من فهمه وتصوره، كما في أمثلتنا السابقة من سمع وبصر، كما أن هنالك حقائق أكبر وأوسع وأعقد، لأنها خارج المنظومة الحسية العادية للإنسان، بل ولغيره من المخلوقات، وهو ما يسمى بعالم الغيب، أو العالم الماورائي (الميتافيزيقي).
وعلى الرغم من محدودية حواس الإنسان، إلا أن ثمة مفاتيح فكرية توصله الى احساس بشيء ما من عالم الغيب هذا، وتمكنه من اكتشاف وجود أخر غير ما تحدده له حواسه العادية، وإن شأت فقل أن حاسته السادسة أو بصيرته قد توصلانه الى حقيقة غير ما تحققها له حواسه القاصرات وعقله الاستقرائي البسيط. 
قرآنيا.. فأن القرآن الكريم لم يغفل عن التطرق الى ما وراء المعقول من العقل البشري، فقد أدرج القرآن الكريم صورا ومشاهدا سرمدية أو أزلية أو أبدية او حتى أمدية، ـ وبتعبير حداثوي؛ يمكن أن تسمى مشاهدا ميتافيزيقية ـ فضلا عن توصيفه لحيوات أخرى غير هذه الحياة، حياة تكون فيها الفيزياء مثلا غير التي فهمها العقل البشري، ومن ذلك الزمن وحركته، الضوء وسرعته، بل حتى الوجود والعدم، وهي حقائق لا يمكن للعقل العادي تصورها، خصوصا ذلك العقل المادي الذي أعتاد على فهم محيطه فحسب، ولم يحاول الخوض خارج ذلك، معتما على حواس سريعة العطب إذا ما أُقحمت فيما لا تستطيعه. 
ومن المفاهيم القرآنية التي أكد عليه القرآن الكريم، هو وجود عالم غُّيب فهمه عن العقل العادي، لمصلحة ما، عالم حُصرت معارفه بذات الله سبحانه؛ وقصرت عن فهمه العقول البشرية، ولأن حقيقته غائبة سمي بعالم الغيب، وهو نقيض عالم الشهادة والحس الذي نعيشه. 
ولدى الاطلاع على ما ورد في القرآن الكريم من تصور عن عالم الغيب هذا، يجد المتتبع للقرآن الكريم بأنه ينقسم الى قسمين اثنين، الأول منها مما خص الله جل شأنه به نفسه، وبالتالي فأنه غيب مخصوص من مخصوصات الخالق، وهو جل شأنه العالم الأوحد بهذا الغيب وليس لأحد من الخلق سبيل إلى معرفته، ولا طريق للاطلاع عليه، كما في قوله تعالى: ((قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ))(سورة النمل ـ 65)، وقوله تعالى: ((وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ))(سورة الأنعام ـ59)، وبمعنى أدق فإن العلم بالغيب حصريا لله على وجه الأصالة والذاتية والإطلاق والإرسال، وبالتالي فإنه غيب أختص الله به نفسه ولم يُشاركه فيه غيره.
في حين أن القسم الثاني منه مما يُسمح للبعض بالاطلاع عليه بمقدار ما؛ ولمصلحة محددة، أي أنه علم بالغيب على وجه التبعية وليست الأصالة، والموضوعية وليست الذاتية، والمحدودية دون الإطلاق المخصوص  بالله جل شأنه، علم مأذون من الله وتعليم منه على نحو اللطف بالعباد، وعليه فأن هذا العلم ـ على الرغم من كونه غيبيا ـ إلا أنه كينونة عرضية كسبية، مقيدة بظرف ما ومحددة لأشخاص محدودين كالأنبياء والأوصياء ومن ارتضاهم الله جل شانه. 
وما يؤكد إمكانية اطلاع بعض الأشخاص على عالم الغيب هذا، هو ما نصه القرآن الكريم، كقوله تعالى: ((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا(28))(سورة الجن ـ 26 ـ28)، وقوله تعالى: وقوله تعالى: ((ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ))(سورة آل عمران ـ44)، وقوله تعالى:((مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ))(سورة آل عمران ـ 179)، وقوله تعالى: ((ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ))(سورة يوسف ـ 102). 
وخلاصة القول هو أن الغيب من مخصوصات الله جل شأنه، ولكن له أن يُطلع غيره بحدود محددة وظروف معينة، لطفا منه واتساقا مع رحمته، وإكراما منه لمن يصطفيه لذلك. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م