13 ربيع الاول 1443 هـ   20 تشرين الأول 2021 مـ 6:55 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | شخصيات إسلامية |  ابن سينا.. امير الأطباء وزعيم الفلاسفة
2021-08-24   853

ابن سينا.. امير الأطباء وزعيم الفلاسفة

ولد أبو علي؛ الحسين بن عبد الله بن الحسن بن سينا في قرية أفشنة القريبة من بخارى (أوزبكستان حاليا)، سنة 980م، من أبٍ بلخي وأمٍ قروية.
كان والده موظفا كبيرا في دولة السامانيين، وكان محبا للعلم والعلماء، لذلك أهتم بولده كثيرا ووفر له أفضل المدارس والمدرسين في بخارى، حتى قوي عوده وانفتقت قريحته، فراح يداعب أوتار العلم والمعرفة في شتى ميادينها، فبلغ فيها مأربه، ونال منها مطلبه، وظل عَلَما يرفرف في سماء العلم، لألف سنة خلت من الزمان، توفي في همدان (في إيران حاليا) سنة 1037م.
كان بن سينا حاد الذكاء، متوقد الذهن، يلتهم العلم التهاما، فقد تعلم القرآن وهو لا يزال فتى يافعا، ثم تعلم حساب الهند، واشتغل في الفقه والمنطق والعلوم الأخرى، حتى قال هو عن نفسه: "وصارت أبواب العلوم تتفتح علي، ثم رغبت في علم الطب، وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه، وعلم الطب ليس من الأمور الصعبة، فلا جرم أني برزت فيه في أقل مدة، وتعهدت المرضى، فانفتح علي من أبواب المعالجات من التجربة ما لا يوصف"، نلاحظ هنا كم كان بن سينا معتدا بنفسه، واثقا منها في الوصول الى أية غاية يريدها، وهنا يكمن سر تفوقه وعبقريته، حتى انه حفظ القرآن الكريم وهو أبن عشرة سنين، ثم توجّه الى علوم الفقه والأدب والفلسفة، ثم الى الطب.        

أبن سينا والفلسفة
تتلمذ في الفلسفة على يد الفيلسوف أبي عبد الله النائلي، أخذ أبوه يغدق على هذا الفيلسوف بالعطايا ليُحسِن تعليم ولده، فاستضافه وأكرمه، مما حدا بالنائلي الى التفرغ لتلميذه وتدريسه الفلسفة والمنطق والعلوم الأخرى.
وجد النائلي في تلميذه بن سينا ذلك الطالب المُجد والمتفتح ذهنيا لتلقي العلوم بسرعة، حتى كان يجيب على بعض أسئلة معلمه بأجوبة لم تكن تخطر على بال المعلم نفسه، فأعجب به كثيرا.
لم يمتلك بن سينا مذهبا فلسفيا خاصا به، بل كانت آراؤه امتدادا لفكر الفارابي الفلسفي، حيث أقتبس منه أفكاره الفلسفية الالهية والطبيعية.
تبنى المذهب المشائي كمذهب رسمي له ـ وهو المذهب الذي جمع بين أفكار الفيلسوفين أفلاطون وأرسطو ـ لكن مذهبه الحقيقي الذي كان يؤمن به، فهو الذي يظهر من خلال أقواله وتصريحاته التي انتقد بها آراء الفلاسفة المشائين.

أبن سينا والطب
لُقب بالشيخ الرئيس، وسماه الغربيون أمير الأطباء، وأبو الطب الحديث في القرون الوسطى، وذلك لغزارة علمه وتفوقه على أقرانه من الأطباء، وذيوع صيته وكثرة تأليفاته التي بلغت مائتي كتاب في مختلف العلوم، والتي ركّز فيها على الطب والفلسفة، أتبع نهج وأسلوب جالينوس وأبقراط في بحوثه العلمية.
أشهر أعماله وأعظمها هو كتابه الشهير (القانون في الطب)، الذي ظل لسبعة قرون، المرجع الرئيسي للعلماء والأطباء في أوربا والشرق، وظل يُدرَّس في الجامعات الأوربية حتى أواسط القرن السابع عشر.

أعمال بن سينا في الطب
ـ يعتبر بن سينا الطبيب الأول الذي أكتشف أن الهواء الفاسد ينقل الأمراض، فقال: "إن فيه مواد تؤدي الى نقل الأمراض"، والتي عُرفت بالجراثيم في العصر الحديث.
ـ تعمق في دراسة بعض الأمراض مثل السل الرئوي، والشلل الدماغي، والتهاب السحايا، والسكتة الدماغية.
ـ استطاع التمييز بين مغص المثانة والمغص الكلوي، وطرق استخراج الحصاة لكل منهما.
ـ شرح عمل العضلات الخاصة بالعين بشكل يشبه ما توصل اليه الطب في العصر الحديث.
ـ أول من وصف التهاب غشاء الجنب، وميزه عن الخراج الذي يصيب الكبد، كما ميزه عن التهاب الرئة.
ـ أول من وصف التهاب السحايا الحاد، وميزه عن التهابات السحايا الأخرى.
ـ أول من استطاع التمييز بين اليرقان الناتج عن انسداد القناة الصفراء، واليرقان الذي يصيب الكريات الدموية.
ـ يعد من الذين اهتموا بالعلاج النفسي لمرضاه، وأثره في شفائهم من آلام الأعصاب.

كشف بن سينا لأول مرة؛ طرق العدوى لبعض الأمراض المعدية كالجدري والحصبة، وقال إنها تنتقل عن طريق بعض الكائنات الحية في الماء والهواء، وقال: "إن الماء يحتوي على حيوانات صغيرة جدا لا ترى بالعين المجردة" ـ فهو إذن أول من اكتشف الجراثيم ـ وهي التي تسبب بعض الأمراض، وهذا ما أكده فان ليفنهوك في القرن الثامن عشر بعد اختراعه المجهر ورؤيته للأحياء المجهرية".
كان لابن سينا الباع الطويل في مجال الأمراض التناسلية، فقد وصف بدقة بعض أمراض النساء مثل الانسداد المهبلي، والاسقاط والأورام الليفية وأمراض النفساء كالنزف واحتباس الدم وتعفن الرحم نتيجة عسر الولادة وموت الجنين في الرحم، كما تعرض لذكورة الجنين وأنوثته، وعزاها الى الرجل دون المرأة، وهذا ما أثبته الطب الحديث، كما برع بن سينا في الجراحة، فقد وضع عدة طرق لإيقاف النزف، منها الربط كما هو الحال اليوم، أو إدخال الفتائل، أو الكي بالنار، أو بضغط اللحم فوق العرق المقطوع، كما تحدث عن الاصابة بالسهام وطرق انتزاعها والخطورة في ذلك على العصب.
لم يغفل الغربيون عن عظمة هذا الرجل، والكشوفات التي توصل اليها، فهروَلوا مسرعين الى ترجمة كتبه الى اللاتينية وغيرها من اللغات، وظلت قرابة الستة قرون، المرجع الوحيد للطب العالمي الذي يُدرّس في جامعاتها.

قالوا في أبن سينا
ـ قال البروفسور جورج سارطون :"ابن سينا أعظم علماء الاسلام ومن أشهر مشاهير العالميين".
ـ أما السير وليام أوسلر فيقول عن كتاب بن سينا القانون في الطب :"إنه كان الإنجيل الطبي لأطول فترة من الزمن".
ـ كما قال جورج سارطون ايضا عن فلسفة بن سينا: "إن فكر بن سينا يمثل المثل الأعلى للفلسفة في القرون الوسطى".
ـ عرج الدكتور خير الله في كتابه الطب العربي على بن سينا قائلا: "ويصعب علينا في هذا العصر أن نضيف شيئا جديدا الى وصف ابن سينا لأعراض حصى المثانة السريرية.
ـ يقول أوبرفيك عن بن سينا: "ولقد كانت قيمته قيمة مفكر ملأ عصره، وكان من كبار عظماء الانسانية على الإطلاق".

بعض حِكَم بن سينا 
ـ إن قوة الفكر قادرة على إحداث المرض والشفاء منه.
ـ إحذروا البطنة، فإن أكثر العلل إنما تتولد من فضول الطعام.
ـ الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر بداية الشفاء.
ـ بلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهم.
ـ المستعد للشيء تكفيه أضعف أسبابه.
ـ يدعون الناس الى الجنة وهم عاجزون عن دعوة يتيم الى مائدة.
ـ أقوى الناس عقلا وأزكاهم نفسا، من يكلم الناس على قدر عقولهم.

لم يكن بن سينا وحده، المسلم الذي رفد البشرية بعلومه، وأبهر العلماء باكتشافاته، وترك لهم ولنا إرثا عظيما من الكتب والمقالات والرسائل، إنما هو واحد من كثير من المسلمين، الذين دخلوا العلم من أوسع أبوابه وقدموا للبشرية الكثير.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م