4 ربيع الاول 1444 هـ   30 أيلول 2022 مـ 4:45 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | التوحيد |  التَّمانع دليلا على نفي الشراكة في الرُّبوبيَّة
2021-12-03   820

التَّمانع دليلا على نفي الشراكة في الرُّبوبيَّة

الخلاف بين الموحدين وغيرهم مِن أصحاب الملل ـ ما عدا المنكرين لوجود الإله ـ ليس في وجود الصانع الخالق ذي القدرة، حيث يظهر من آيات القرآن الكريم أنَّهم لا ينكرون ذلك، بل الخلاف معهم يكمن في الاعتقاد بوجود شراكة بين الله وبين الآلهة المصطنعة التي يعتقدون بها، ولأنَّ المشكلة لم تكن في إنكار هؤلاء النَّاس لوجود الإله مطلقا، لم يحتج القرآن الكريم إلاَّ إلى تبيينِ مسألة التَّوحيد و توضيح الأدلَّة عليها.
والمتدبِّر في الكتاب الكريم يرى تعدد أساليبه في الاستدلال على الوحدانية، ومن الأدلة التي اعتمد عليها الكتاب الكريم في الاستدلال على وحدانية الصانع هي دليل التَّماَنُع أو دليل التَّغَالُب، وقد ورد هذا الدليل في كلمات العلماء المسلمين على مختلف مشاربهم، حيث تجده في كتب التَّفسير والعقيدة والفلسفة الإسلامية.
وفي البداية نشير إلى أنَّ التَّمانع في اللُّغة يقابل العطاء، فيقال منعته عن الشيء بمعنى حُلْتُ بين الفرد وبين إرادته للشيء، والمناسبة بين المعنى اللُّغوي والمعنى الاصطلاحي ظاهرة لأنَّ التَّمانع الحاصل بين إرادَتيْ الإلهين لا يقصد به إلاَّ حيلولة أحدهما للآخر عن الوصول إلى إرادته.
وأمَّا من جهة مضمون الدليل فإنَّه لو فرض وجود خالقين قادرين مريدين، كان اختلافهما في الذَّات مشيرا إلى اختلافهما فيما يريدان، وإذا فرضنا اختلافهما في الإرادة من جهة إيجاد الكون من عدمه حصل التَّمانع بينهما، لوضوح أنَّ الأمر لا يخرج عن الفروض الثلاثة التَّالية: 
فإمَّا أن يقع مرادهما معا، بحيث تتعلَّق إرادة الأول بإيجاد الكون وإرادة الثاني بإعدامه، فيلزم ويترتَّب على ذلك اجتماع النَّقيضين، لأنَّ  إرادة أحدهما متعلِّقة  بوجود المخلوقَ وإرادة الآخر ستتعلَّق باعدامه في نفس الوقت، وإمَّا أن لا يحصل مراد أي منهما، فيلزم ارتفاع النَّقيضين في هذا الفرض، لوضوح أنَّه لا يمكن أن يخلو الواقع من وجود الشيء  أو عدمه ، وإمَّا أن يحصل مراد أحدهما دون الآخر فيلزم من ذلك خلاف الفرض، لأن الفرض كونهما إلهين مريدين وقادرين، وهذا الفرض يثبت عجز أحدهما دون الآخر، وبهذا البيان يثبت المطلوب من أن فرض تعدد الآلهة غير ممكن.
وأما فرض أن يكون هناك إلهان قادران مريدان يريد كل منهما ما يريده الآخر، فهو وإن بدت بالنَّظرة الأولى معقوليته، إلا أنَّه قد يناقش فيه؛ بأنَّ مجرد فرض التَّمانع كاف لأنَّه لا بد وأن يختلفا ولو في حالة واحدة، إضافة إلى أنَّه يأتي السؤال هنا بأنَّه: ما الحاجة عندئذ لوجود إلهين قادرين مريدين متوافقين تمام التوافق في كل شيء؟ وما الفائدة من مثل هذا الفرض؟     
والحقيقة هي أنَّ هذا الدليل قد اقتبسه العلماء من خطابات المولى تعالى للنَّاس في القرآن الكريم، فإنَّ مضمونه يوجد في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ))(سورة المؤمنون ـ 91) فهذه الآية تكشف على أنَّ فرض وجود إلهين في الكون يستلزم أن يختص كل واحد منهما بما يملكه، وبالتالي يترتب على ذلك التَّنازع بينهما حتى يتعالى أحدهما على الأخر. 
ولعلَّ أكثر النصوص القرآنية وضوحا في احتوائها لمضمون هذا الدليل هو قوله تعالى: ((لوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ))(سورة الأنبياء ـ 22)
فالمـتأمِّل في هذه الآية سيلاحظ كونها مركبة من  مسألتين: الأولى: أنَّ تعدد الآلهة موجبة لوجود الفساد، والثانية: أنَّه لا يوجد فساد في السَّماوات والأرض، وهذا ما نراه ونلحظه حين الرجوع للتدبُّر في الكون،  الذي يكشف لنا عن توازن وانسجام دقيق في حركته، وهذه المسألة الثانية اعتمد فيها القرآن الكريم على مشاهدات النَّاس لما هو حاصل في نظام الكون، ولم يبيِّنُها بل اكتفى بذكر ملزومها، وعليه تكون نتيجة البرهان - بعد الإقرار بأنَّ النِّظام غير مختل – أنَّ الإله واحد لا غير، وإلاَّ لما حصل هذا التَّوازن والانسجام الدقيق في حركة الكون بجميع مكوناته الكثيرة . 
ولإتمام هذا الاستدلال نلفت النظر إلى النِّقاط المهمَّة التالية :
أولاً: أنَّ الكتاب الكريم يحكي عن مسألة متعارفة بين النَّاس، ألا وهي إشراكهم لغير الله تعالى في الربوبية، وهذه القرينة تمنع من ورود بعض الاعتراضات مثل القول بأنَّ هذا الدَّليل لا يثبت وجود الواجب،  فهذا الدليل لم يتم إيراده للبرهان على وجود الله، بل غاية ما يريد هذا الدليل بيانه هو نفي الشركة في الرُّبوبيَّة، وبالتَّالي - وكما هو متعارف عليه في علم الكلام- فهو دليل على نفي الشركة في الرُّبوبية، أي في التَّدبير لهذا لعالم المنحصر به تعالى ولا يوجد أي شريك له في ذلك.
ثانيًا: أنَّ الفساد والاختلال الوارد في الآية الكريمة، لا يراد به ما يصطلح عليه بالشرور الطبيعية، من قبيل الزلازل والبراكين، حتَّى يقال بأنَّ الفساد حاصل في الأرض بالضرورة، فإنَّ هذا ليس محل الكلام في دليل التَّمانع .
ثالثًا: أنَّ التفصيل في هذا الموضوع يمكن الرجوع فيه إلى كتب علم الكلام والفلسفة الإسلامية، حين تعرضهم لبيان أنَّ الصانع أو واجب الوجود واحد، أو بحث أنَّه لا شريك له، ويمكن أن يراجع كتب التفسير على اختلافها عند تعرضهم لتفسير هذه الآية من سورة الأنبياء. 
فيمكن أن يراجع التبيان للشيخ الطوسي، أو مجمع البيان للشيخ الطبرسي، أو التفسير الكبير للفخر الرازي، أو غيرها من التفاسير التي تعتني بالجنبة الكلامية، أو يراجع تفسير الميزان أو تفسير روح المعاني التي لها اعتناء إلى حد ما ببيان الأمور الفلسفية، وسيجد أيضا هذا البحث في كل من علمي النحو في بحث الاستثناء، و في البلاغة في مواضع متعدِّدة من شروح المختصر للسعد التفتازاني كشرح عروس الأفراح.
وخلاصة الكلام: أنَّ دليل التَّمانع له أصل قرآني اعتمده أصحاب العلوم في تقريراتهم، و أنَّ حاصله هو امتناع تعدد الآلهة لوضوح أنَّ كل الفروض غير صحيحة، وقد تبين أيضا أن القرآن الكريم قد أعتمد في بيان هذا الدَّليل على مقدمتين: إحداهما أنَّ الفساد بمعنى اختلال النِّظام في الأرض والسماء غير موجود، وإذا ثبت هذا ثبتت كاشفيته عن كون الإله واحدا، لأن فرض تعدُّد الإله يلزم منه تعارض الإرادات واختلاف الآلهة في التَّدبير، والاختلاف في التَّدبير يلزم منه الفساد في النِّظام الكوني.

عبد الجليل بن رشيد الجزائري

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م