11 محرم 1444 هـ   9 آب 2022 مـ 7:53 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2022-07-21   93

الإنسان... كائن بالصدفة أم بالتخطيط؟

يزعم الدهرية وفلاسفة اليونان القدماء وأتباع نظرية دارون في النشوء والارتقاء، أن خلق الإنسان كان بحكم الدهر أو الصدفة، وهو نوع من العبث الفكري، يجاريهم فيه الماديون الذين يعتقدون أن الحياة تكونت من اتحاد ذرات الأوزون والهيدروجين والأوكسجين، والكل يجمعهم هدف واحد هو إثبات عدم وجود خالق مدبر لهذا الكون، برغم كل المعطيات العلمية المادية وغير المادية وعلى مر التأريخ بما يفند دعواهم، خاصة بالتعقيد الحاصل في نظام الخلق وتشابك العلاقات فيه، والذي يشكل أكبر دليل؛ للمتدبر على وجود قوة عاقلة خالقة مدبرة لهذا الكون، وبما أن التطور العلمي الهائل والمتسارع قد أثبت وبالدليل القاطع وببراهين علمية لا تقبل التفنيد؛ وجود خالق مدبر لهذا الكون ولم يثبت العكس؛ فإن ذلك قد أفشل دعوى النافين لوجوده؛ وزاد في التأكيد أكثر؛ وجود الهدف والقصد من كل هذا الخلق؛ وهذا ما شكل عامل إحباط آخر لهم ولنظرياتهم؛ إذ لا يمكن تحديد هدف وقصد لأي موضوع إلا من قوة عاقلة تعرف ما تريد، أما الصدفة التي يقولون بها فهي عبثية عمياء لا هدف محدد لها؛ فكيف يستقيم  كل هذا التنظيم والتنسيق المعقد لها؟ لذلك كانت حججهم ضعيفة لا تقوم على دليل علمي ناهض يدعمها؛ وعليه باتوا متخبطين في إثبات نظرياتهم.

نظرية داروين في أصل الأنواع
أصدر العالم داروين كتابه "أصل الأنواع" في منتصف القرن التاسع عشر، والذي عالج فيه أصل بدء الحياة وعملية خلق الإنسان، مفترضا حدوثهما بحكم الصدفة ومن خلية أحادية بسيطة، منشؤها مركبات غير عضوية في ظروف أولية، ليسجل بذلك مخالفة لأبسط المسلمات العقلية عندما افترض أن الفوضوية ـ الصدفة ـ في الخلق يمكنها أن تحدث النظام، كذلك افترض الصدفة في انتقال الصفات الوراثية من جيل إلى جيل وفي النوع الواحد، وعلى شكل طفرات وراثية تحتاج حلقات وسيطة لإكمالها!!! وهذا ما كذبه العلم، حيث لم يدرك دارون أن آلية انتقال الصفات الوراثية من الآباء للأبناء في النوع الواحد لها نظام نسقي خاص ولها علم مختص يسمى علم الجينات، الذي عر ف بكيفية انتقال الجينات الوراثية من جيل إلى جيل، لذلك ولقلة علم منه أوعز عملية الانتقال هذه لعامل الصدفة وهو عامل عبثي لا نظام يحكمه، كذلك افتراضه صراعا قاسيا من أجل البقاء والارتقاء ليكون البقاء فيه للأقوى والأصلح القادر على التكيف مع بيئته وليكون الزوال مصير الأشكال الضعيفة التي ما استطاعت التكيف مع بيئتها، وهذا لا اعتراض عليه، لكن الاعتراض جاء في جعله من انتقائية الصدفة أيضا، والتي تشكل محور نظريته. 

العلم يدحض نظرية دارون
• اكتشاف العالم مندل قوانين الوراثة عام 1865 مهد لعلم سمي بعلم الوراثة، ما كان يعرفه دارون؛ حيث كان يوعز انتقال الصفات الوراثية للنوع؛ لأسباب خارجية ادعى أنها تجري بفعل الطبيعة والصدفة، متغافلا عن كونها لا تملك الارادة الواعية لتقرر ما ينفع وتنسق العلاقات ما بين الذكر والأنثى، في حين يقول علماء الجينات الوراثية أنها تنتقل بفعل الكروموسومات في النوع نفسه حيث أن عددها في كل خلية قبل التناسل يبلغ النصف وعددها 23 وبعد التناسل يكمل العدد ليصبح 46 وهو العدد الكامل للخلية حيث يكون ناتج جمع الخليتين عند الذكر والأنثى، كذلك كان اكتشاف الحامض النووي DNA البالغ التعقيد والمحافظ على سلالة كل نوع؛ دالا على هذا التنظيم والتنسيق الدقيق؛ وأنه لا يكون إلا بفعل قوة عاقلة مريدة تعرف مسبقا ما تريد وتخطط له بقدرة وتمكن فائقين.
• أثبت العلم الحديث أن التركيب المعقد للخلية والمعاملات العديدة المعقدة التي تجري داخلها لا يمكن أن تكون بفعل الصدفة وهو قول دارون، إذ أن كل خلية تحتوي على مصانع لصنع الأنزيمات والهرمونات اللازمة للحياة، كذلك تولد بنفسها الطاقة اللازمة لكل هذه التفاعلات خاصة إذا ما عرفنا أن كل ما موجود فيها مقدر بأقدار محسوبة لا يمكن الزيادة أو النقصان فيها؛ حيث يبطلان فاعليتها مما يجعل انتفاء الغرض من وجودها.
• عجز كل المختبرات العلمية من إنتاج خلية واحدة!!! برغم كل التطور العلمي الحاصل، وهذا مالم يعلمه أو يدركه داروين وهو من أبناء القرن التاسع عشر فكيف بالصدفة العمياء والعبثية من أن توجد خلية واحدة بهذا النظام المعقد.
• لم يعثر علم الحفريات على الحلقات الوسيطة في سلم تطور الكائنات الحية الذي كانت تدعيه نظرية داروين، كذلك لم يعثر علم الأحياء على هذه الحلقات حيث وجد أن كل الكائنات الحية متكيفة مع بيئتها تشريحيا وسلوكيا، وهذه ضربة علمية أخرى توهن وتسقط نظرية الصدفة.
• التركيب المعقد لجسم الإنسان يدحض نظرية الصدفة ـ نظرية داروين في النشوء والارتقاء ـ حيث ملايين الخلايا العصبية في المخ التي تنظم استقبال الإشارات ومن ثم توزيعها كإيعازات بشكل منتظم ومنسق تحرك بها كافة أعضاء الجسم، كذلك التعقيد الحاصل في حاسة الإبصار حيث يوجد في كل عين 130 مليون خلية ملتقطة للضوء تقوم بإرسالها للمخ، وهكذا حاسة الذوق حيث توجد 3000 شعيرة ولكل منهما مسلك معين بواسطتها يميز الإنسان المذاقات المختلفة، كل ذلك لا يمكن أن يكون بفعل الصدفة.

من خلق الإنسان؟
بعد تناقض نظرية الصدفة ـ نظرية دارون ـ مع العلم واكتشافاته المتسارعة، التي أثبتت وتثبت في كل يوم أن لا عبثية في الخلق ولا مجال للصدفة فيه؛ يصبح من باب الإلزام تصديق ما جاء به العلم وما وصلت إليه اكتشافاته حيث أثبت وجود قوة عاقلة خالقة ومدبرة ومهيمنة على هذا الكون؛ وهذا تصديق لخبر السماء الذي جاء به الأنبياء والرسل والذي يقول بوحدانية الخالق جل وعلا؛ وأنه المدبر لهذا الكون ولا مجال للصدفة والعبث فيه خاصة في خلق الإنسان ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)) (المؤمنون - 115)، وهذا إنما هو تأييد لفطرة التوحيد التي فطر الناس عليها ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) (الروم-30).

مراحل خلق الإنسان
بيّن القرآن الكريم؛ وهو قول الله؛ أحسن القول؛ في آيات عدة؛ طبيعة خلق الإنسان والمراحل التي مر بها منذ نشأته الأولى حيث كانت بداية خلقه من تراب ((نَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّـهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)) (آل عمران - 59)، وقال في خلقه أيضا تحول التراب إلى طين ((إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ)) (ص -71) ثم بين نوع الطين الذي منه خلق الإنسان ((فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ)) (الصافات -11)، ثم تحول هذا الطين إلى صلصال مفخور ((خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)) (الرحمن-14) كذلك قدم شرحا وافيا لمراحل الجنين في بطن أمه ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)) (المؤمنون-12-13-14) ليؤكد بذلك عظمة الخالق ودقة صنعه؛ وقد أشار القرآن الكريم لخلق الإنسان ووصفه بأكرم مخلوقات الله ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)) (التين-4)  وأعظم تكريم له حيث جعله خليفة في الأرض ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة)) (البقرة-30) وطلب من الملائكة وإبليس السجود له إكراما لخلقه ولحمله أمانة الخلافة الإلهية ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ )) (البقرة-34).

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م