3 جمادي الاول 1444 هـ   27 تشرين الثاني 2022 مـ 9:37 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2022-08-11   258

المرأة في القرآن الكريم.. الكينونة والاعتبار

       ما زال البعض ينظر لدور المرأة في الحياة عموما وفي البناء المجتمعي على وجه الخصوص، بشيء من التسطيح، متغافلا عن أن لها وظيفة عظمى، تنسجم مع تكوينها البيولوجي والسيكولوجي من جهة، ومساوية للرجل في الوظائف الاجتماعية وربما تفوقه فيما لا يستطيعه هو.
ولأن المرأة مساوية للرجل في قيمة الخلقة، والوظيفة الحياتية، فمن المؤكد بأنها ستكون مساوية له في التكاليف والواجبات الشرعية لأنها ـ التكاليف هذه ـ الضابطة الحقة والمعيار الأهم لقربها من الله وتحصيلها الجنة التي يتشغل على تحصيلها المؤمن بالله، وهو ما يظهر جليا في ما منحها القرآن الكريم من منح، بدأ من استقلالها الكامل كشخصية اعتبارية ناهضة ومؤهلة ذاتيا، الى حريتها في إدارة شؤون حياتها والتزاماتها الدينية، الى غير ذلك، إذ لم نرى في القرآن الكريم ما يمكن عدّه تصغيرا لها ـ حاشا كتاب الله الأكرم؛ من ذلك ـ ولا بوصفها تابعة للرجل ـ أي رجل كان بما في ذلك زوجها ـ خصوصا في أمور دينها وعباداتها، وإن كان يظن البعض بأن القرآن الكريم جعلها في مرتبة ثانية ولاحقة للرجل في موضوع قواميته (أو قيمومته عليها) عليها، فما ذلك إلا ظنا لا يغني عن الحقيقة شيئا، إذ أن القيمومة جُرت لغير ما يراد منها، لأنها امتياز لها على صنوها الرجل، حق له عليه ووجب عليه لصالحها. 
وأبعد من ذلك، فأن القرآن الكريم، أصر على أن تكون للمرأة شخصيتها المستقلة عن الأخرين، خصوصا في ما تعتقد وتؤمن، بل وأنه لا يقبل منها أن تكون تابعا لغير عقلها، رجل كان أم امرأة، فيما يخص أمور العقيدة والدين والطهارة والعبادات، ومصداق ذلك ما قاله جل شأنه في كتابه الحكيم عن السيدة اسيا بنت مزاحم عليه السلام ـ زوجة فرعون ـ: ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ))(سورة التحريم ـ 66)، حيث أنها علسيه الصلاة والسلام تمردت على زوجها فرعون ـ رغم علمها المسبق بحجم طغيانه وقسوته، خصوصا بعد أن أمنت بنبوة النبي موسى عليه وعلى نبينا وآله افضل الصلاة وأتم التسليم، وما ان تناهى لعلم فرعون؛ أيمان زوجته بنبوة موسى عليه الصلاة والسلام، حتى بادر لنهيها ومنعها من ذلك؛ إلا أنها أصرت على الحق والحقيقة متمسكة بدين الله ومعارضة لما كان يؤسس له فرعون من ربوبية واهية وعلوا أجوف، بل ووصل الأمر بها الى أن تُقتل في سبيل ما تعتقد فصارت مثالا للمرأة المؤمنة، وعُدّت واحدة من سيدات نساء العالمين الأربع، حيث أنها أبت كل عروض فرعون على عظمها؛ ومنها ما قاله ـ والقول للقرآن الكريم ـ : ((وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ ٱلْأَنْهَٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ))(سورة الزخرف ـ 51)؛ إلا أنها عليه السلام رفضت كل ذلك من اغراءات وسلطة وما يستتبع ذلك من امتيازات دنيوية ضخمة، مستصغرة لها ولصاحبها فرعون قائلة: ((وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ))(سورة التحريم ـ 11)، فراح القرآن الكريم يعظّم في اسيا عليه السلام آنفتها في رفض الباطل وقبولها كل انواع الظلم والتعسف؛ طالما كانت بجوار الله سبحانه، فكان بذلك مضرب مثل قرآني، فضلا عن كونها دليلا قرآنيا على أن المرأة لا بد لها ان تكون مستقلة فيما تقرره، خصوصا إذا كان الرجل الذي بجوارها يشدها لغير ما يرتضيه الله جل شأنه.
ولم يقف الأمر عند اسيا عليها السلام، فثمة شواهد قرآنية أخرى، كذلك الذي حدث مع السيدة مريم بنت عمران عليه السلام في تحديها للمجتمع الذي لا يعذر المرأة، فنجد كتاب الله الأعظم يؤسس لأن تكون المرأة في حالة مقاومة للمؤثّرات الاجتماعية السالبة لدينها؛ كي تستطيع أن تلتزم الأوامر والنواهي التي يريدها الله سبحانه منها، خصوصا مع علمها بأن قومها لا يعبأون بقتلها كما قتلوا الأنبياء والمصلحين ممن عاصرها وقبلها، ومن أهم ما قاومته عليها السلام هو رفضها للبيئة الاجتماعية الداعية للتهتك والفحش، من خلال احصانها لنفسها وممانعتها الحرام الذي كان سائدا، فكانت بحق قانتة لله، بعد أن أحصنت فرجها: ((وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ))(سورة التحريم ـ 12)، وصارت بذلك ممن يرتضيه الله: ((يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ))(سورة آل عمران ـ 43).
ولأن النظرة القرآنية للمرأة، نظرة عادلة ومحقة، نجده في موارد كثيرة، يؤسس لاستقلالها المعرفي ايضا، بل ويشيد بحكمتها وحنكتها كلما اقتضى ذلك، ومنه ما قاله جل وعلا بحق ملكة سبأ السيدة بلقيس بنت شرحبيل: ((قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ))(سورة النمل ـ 32)، حيث أملت حاشيتها عليها برأي الحرب لأنهم كانوا من ذوي العزم والشدة والعدد والعدة: ((...... نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ..... ))(سورة النمل ـ 33)، إلا أن حكمتها وبعد نظرها أبت ذلك لأنها تعلم بأن الملوك اذا دخلوا القرية سيهلكونها لا محالة ((إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا))(سورة النمل ـ 34)، فراحت تبحث عن نوايا سليمان عليه الصلاة والسلام وتبيان إمره من كونه نبيا كما يدعي أم مجرد ملك، فأرسلت ما يبين له ذلك: ((وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ))(سورة النمل ـ 35)، فكان رد النبي سلمان عليه الصلاة والسلام: ((فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ))(سورة النمل ـ 36 ـ 37)، عندها أمنت بأن سلميان عليه الصلاة والسلام ما هو بملك فقط إنما نبي ولديه رسالة ما، وأنها وقومه ليس لهم عليه استطاعة، فأمنت به من بعد ظلمها له ولنفسها: ((.....إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))(سورة النمل ـ 44)، فكان لها بذلك على باقي النسوة موردا للاقتداء والتأسي لما تملكه من شجاعة ورباطة جاش وحكمة لا متناهية، عدا أن القرآن قابل هذه الحكمة بالإشادة والمديح، تبيانا منه على أن للمرأة قيمتها وحكمتها التي لا بد أن تُحترم وتُقتدى. 
ووفقا لهذه المعطيات القرآنية التي تبين ـ حسب قصة السيدة أسيا عليه السلام ـ أن للمرأة قدرة على مواجهة الطغيان، والصمود أمام الكفر حتى وأن كان مغريا، كما أن المرأة ـ حسب قصة السيدة مريم عليه السلام ـ القدرة على مواجهة التحدي المجتمعي مهما كثر وتعدد، بل يمكن أن تثني كل ذلك؛ إذا ما اصرت على اثبات الحق والحقيقة، ناهيك عما تتسم به ـ المرأة ـ والشاهد هنا قصة السيدة بلقيس ـ من حكمة وبعد نظر يؤهلانها لأن تكون على رأس الأشهاد، ملكة؛ لها الأمر والنهي. 
وبذلك فأن القرآن الكريم يؤسس من خلاله قصصه العظيمة الى تعظيم المرأة، وأنها كما الرجل، مساوية له على نحو الإنسانية وما يستتبع ذلك من تكاليف، بل وأنها أهلا للاصطفاء الرباني.
وعدا هذه الشواهد القرآنية، فأن التأريخ الإنساني، ومنه الإسلامي، يتضمن الكثير النسوة العظيمات اللواتي أثبتن بما لا شك فيه على أنهن أنموذج يحتذى، ليس من النساء فحسب، إنما حتى من الرجال، والأمثولة العظمى هنا هي السيدة الزهراء عليها الصلاة والسلام والسيدة الحوراء عليها الصلاة والسلام. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م