8 ربيع الثاني 1441 هـ   6 كانون الأول 2019 مـ 6:56 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | الاقتصاد الإسلامي |  الإسلام والاشتراكية... مقاربات اقتصادية في الرؤية للملكية العامة
2018-02-25   515

الإسلام والاشتراكية... مقاربات اقتصادية في الرؤية للملكية العامة

لم يقتصر الدين الإسلامي على منظومة هداية تتعلق بتوحيد الخالقية وكفى، بل يتعدى ذلك لتوحيد الربوبية أيضا، فالرب هو المدبر لشؤون خلقه؛ يهتم بشؤونهم الحياتية عامة ومنها فيما يخص شؤونهم الاقتصادية، وأمر تدبيره لا يحده حد فهو الواسع الكامل، والحق الذي لا يأتيه الباطل أبدا، خاصة وأن له الإحاطة التامة بعباده، وهذه الإحاطة جعلت له تشريعات تامة وكاملة في كل شؤون الحياة ومنها الشأن الاقتصادي، لذلك كان له السبق والتفوق في التشريع على كل النظم الاقتصادية الوضعية والتي هي من صنع البشر وبالتالي فأن احتمالية خطأها قائما، في حين ان غاية الرب ـ الله سبحانه وتعالى ـ إيجاد سبل سعادة الإنسان كخليفة له في الأرض وصلاح أحواله بدرء المفاسد عنه.
وعلى ضوء ما تقدم، يكون مبدأ الملكية العامة والخاصة (الفردية)؛ هدفا تدبيريا ساميا يسعى الرب المدبر لتحقيقه بتشريعات وقوانين تنظم هذه الملكية بشكل توافقي بينهما إذ هي الضامن لبقائهما سوية في إدارة الاقتصاد الإسلامي، على عكس النظم الوضعية التي تتبنى جانبا أحاديا في تنظيراتها؛ فهي إما ان تكون نظاما اشتراكيا تذوب فيه ملكية الفرد لصالح المجتمع المتمثل بالسلطة الحاكمة، وهوا ما يقتل روح الإبداع عند الفرد نتيجة غياب نظام الحوافز لديه، وإما ان تكون نظاما رأسماليا تذوب فيه ملكية المجتمع لصالح ملكية الفرد مما يشكل طبقة من الأغنياء الأقوياء التي تستطيع ـ بقوة المال ـ أن تسيطر على هوية الدولة وتسيرها وفقا لمزاجها النفعي الخاص، وهو ما قد يسبب ضررا بليغا بالعامة من الناس.
لذا فإن طريق الوسطية والاعتدال الذي اختطه الإسلام بين النظريتين لم يكن نتيجة التأثر بهاتين النظريتين بل هو السابق بالعهد عليهما، وإن كان خطه يجمع إيجابياتهما ويبتعد عن السلبيات فيهما ـ وحديثنا خارج اطر الفلسفة السياسية ـ فهذا من تقدير الإله المحيط العليم بشؤون خلقه.
وتأسيسا على ما تقدم؛ يمكننا القول إن النظريتين الاشتراكية والرأسمالية هي من عولت أو نهلت من أفكاره ـ الاقتصاد الإسلامي ـ وهذا ليس ببعيد أو غريب، خصوصا وأن الإسلام دين الفطرة السليمة، خصوصا وان لطالما اقر وآمن بمبدأ العدل والمساواة بين الناس ((إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) (النحل-90) وهو الهدف الأسمى الذي تدور حوله النظرية الاقتصادية في الإسلام، ولا يتحقق هذا إلا بالتوزيع العادل للثروات بين الناس، وهو مبدأ عادل يقارب ويقترب مما يسمى اليوم بـ "الاشتراكية" وهو ما يدعو له الإسلام منذ ان شكّل دولته.
وإذا ما سارت باقي النظريات على هداه، فهذا سيشكل نقطة التقاء بينها وبين الإسلام، ولا حرج فيه؛ إذ لا يتقاطع الاقتصاد الإسلامي مع الإيجابيات في النظريات الوضعية، الاشتراكية منها أو الرأسمالية، ما دامت تهدف لسعادة الإنسان.
وبما أن الإسلام يتفرد بنظام اقتصادي يغاير الأنظمة الوضعية من رأسمالية أو اشتراكية؛ إذ لا يمكن وصفه كوصفهما، كأن يقال أن نظامه الاقتصادي رأسمالي أو اشتراكي، حيث لا يميل في سياسته الاقتصادية ـ التي مصدرها العدل، لأي طرف على حساب آخر، بل وقد اثبتنا سابقا بأن له مذهبا اقتصاديا خاصا، ومن ذلك مثلا، عدم ميله لصالح حقوق الفرد على حساب المجتمع كما في النظم الاقتصادية الرأسمالية، أو ميله لصالح المجتمع على حساب حقوق الفرد كما في النظم الاشتراكية، بل يعتمد السير بخطين متوازيين يكفل من خلالهما؛ حقوق الطرفين في آن واحد، ويحميهما وفق تشريعات عادلة تفضي للبناء الاقتصادي السليم، فمثلا فريضة "ضريبة" الخمس والزكاة ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ )) (البقرة-277) تفرض على ميسوري الحال من باب تقليل الفوارق الطبقية بين المجتمع، من خلال منع تكدس رأس المال عند طبقة صغيرة على حساب الأكثرية، مما يسبب آثارا إقتصادية واجتماعية مؤذية للمجتمع عامة، وهذا لا يعني أن الإسلام يضع حدودا تضيق على  الملكية الفردية أو تهميشها أو تلغيها، إنما يضع ضوابط وحدود لتلك الملكية، بما يحقق العدالة الاجتماعية. 
كما إن إيمان الإسلام بتعدد أشكال الملكية في توزيع الثروات، ما بين الملكية الفردية والملكية العامة وملكية الدولة، يُعّد ركيزة اساسية يبني عليها نظريته الاقتصادية، بل ومذهبه بالمجمل، من خلال وضعه ضوابطا وقواعدا وحدودا لكل حقل منها، كالإرث مثلا ((يستفتونك قُلِ اللَّـهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) (النساء-176) والهبات والشراء والبيع  وإحياء الأرض ((وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) (هود-85)، ومن باب احترامه لحرية التملك الفردي، فقد وضع قوانين تحرم السرقة والغصب وأوجب رد الأموال لأصحابها ((إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ .............)) (النساء-58).
كما أكد الإسلام على حرمة المراباة - وهو أخذ الفائدة على القرض بمدة معلومة – وفي حال عدم السداد بالمدة المعلومة تضاعف الفائدة مما يرهق الفرد المدين ويكون سببا في تلكؤ عجلة الاقتصاد في المجتمع، كنتيجة لتكدس الأموال عند شريحة مجتمعية تشكل أقلية، قبالة الأكثرية المثقلة بالديون، وهو ما يسبب شللا في حراكها، بل وآثارا كارثية على البنية الاجتماعية للمجتمع، لذا نراه قد وضع بديلا عن ذلك من خلال نظام الصدقات الذي هو مبدأ تكافلي  يعطي به الميسور من ماله لفقير الحال، مما ينعكس إيجابيا على المجتمع ويقلل نسبة الفقر فيه، والأخير بدوره سيقلل من الجريمة، وبذلك يحقق هدف من مجموعة الأهداف المنشودة لبنية الاقتصاد الإسلامي ((الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّـهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٧٥﴾ يَمْحَقُ اللَّـهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ..........)) (البقرة -275ـ 276).
تاريخيا، فان سياسة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام هي نفسها سياسة الرسول الأعظم صلى الله عليه واله في الرعية، وأخذُنا هذه الأمثلة من عصر أمير المؤمنين عليه السلام هو لاكتمال بناء الدولة الإسلامية، حيث بنيتها الاقتصادية والتي كان هو خير مجسدا لها، إذ يقول في خطبة يشير فيها لنظام دولته، وفيه تتقارب الاشتراكية بدرجة ما مع المفهوم الإسلامي، كنظام اقتصادي يمتاز بالملكية الجماعية، ـ وحديثنا اقتصاديا فقط وليس أيديولوجيا ـ "وأيما رجل استجاب لله وللرسول، فصدق ملتنا، ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين عند الله غدا أحسن الجزاء وأفضل الثواب لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجرا ولا ثوابا وما عند الله خير للأبرار وإذا كان غدا ـ إن شاء الله ـ فاغدوا علينا فإن عندنا مالا نقسمه فيكم، ولا يتخلفن أحد منكم عربي ولا عجمي، كان من أهل العطاء أو لم يكن إلا يكن إلا حضر .....".
وله عليه السلام مواقف أخرى ساوى فيها بين الرعية دون النظر لتمييز أو تفريق بلون أو عرق أو جنس مما ألب عليه من في قلوبهم حب السيادة والتسلط على رقاب الناس وله في ذلك خطبة قال فيها: "أيها الناس! إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار، ولكن الله خول بعضكم بعضا، فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله تعالى، ألا وقد حضر شيء ونحن مسوون فيه بين الأسود والأحمر، فقال مروان لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما، قال: فأعطى كل واحد ثلاثة دنانير وأعطى رجلا من الأنصار ثلاثة دنانير وجاء بعد غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير فقال الأنصاري: يا أمير المؤمنين! هذا غلام أعتقته بالأمس تجعلني وإياه سواء؟ فقال: إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلاً".

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م