16 محرم 1441 هـ   16 أيلول 2019 مـ 5:05 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2018-03-20   7055

شهودية النقد الرحيم

دور الصلاة في إحياء الرقابة الاجتماعية
يسجل القرآن الكريم في بعض آياته؛ حقيقة رائعة تحيط الإنسان بجو من المسؤولية والرقابة التي تساعده على ضبط سلوكه في الحياة؛ عندما يشعر بأن ثمة عين تراه ولا يراها؛ لتحاسبه على كل قول أو فعل، تلك هي رقابة الله سبحانه وتعالى ((مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) (ق ـ 18).
فرقابة الله سبحانه من الدقة بحيث لا يفوتها شيء ولا يخفى عليها أحد، وهي بالتالي رقابة دائمة مستمرة لا يستطيع الإنسان أن يتغيب عنها لحظة واحدة من عمره.
وهذه الرقابة التي تسهر من أجله وعليه، تمثل في بعض معطياتها أسلوبا من أساليب الإسلام العملية في محاولته لبناء الإنسان النموذجي؛ وفي محاولته لأن يرتبط هذا الإنسان برسالة السماء، فلكي يعيش الإنسان المسلم عملية الالتزام بمبادئه؛ التزاما تلقائيا لا يتصنُّع فيه، والتزاما لا يتوقف فيه، غرس الإسلام في نفسه من خلال رقابة الله؛ شعورا ايمانيا بالمسؤولية؛ يجعله يراقب نفسه في كل حركة، وفي كل همسة.
وقد أوجدت رقابة الله في نفسه ضميرا لا يغفو، ورقابة ذاتية يقظة تسجل عليه كل كلمة وكل موقف، وتمده بالقوة لإطفاء نيران غرائزه المشتعلة، وتمده بالعزيمة على كبح جماح نزعاته المضطربة لتعيده بذلك إلى أجواء الإيمان والهدى كلما شذّ خطوه عن الطريق. 
وفي وصية لقمان لابنه: "يا بني إذا راقبت الله تعالى لم تقدم على معصية ابدا لأنه بمجرد التفاتك الى أنه يراك ويطلع عليك، يمنعك الحياء من مخالفته".
وعندما نبحث عن ولادة الرقابة الذاتية في داخل الإنسان، نجدها لا تولد إلا مع الصلاة... ولا تصحو إلا في صبح الصلاة ولا تخضرّ إلا في جنة الصلاة.
ولم يكتف الإسلام بالرقابة الذاتية لضمان الالتزام الديني في حياة الإنسان، فوضع أسس الرقابة الاجتماعية عبر تشريعه لحكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الله سبحانه وتعالى: ((وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وأولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) (آل عمران ـ 104).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر والتقوى، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت عنهم البركات وسلّط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء".
وهذه الرقابة يتحمل مسؤوليتها كل عضو من أعضاء الجسم الإسلامي؛ وهي وسيلة فاعلة للحد من عمليات الانحراف بجميع أشكاله فكريا وسلوكيا في المجتمع. 
وهي وسيلة أبرز ما فيها؛ أنها إجراء جماعي عام يتخذه المسلمون في حق من تسول له نفسه بالشذوذ والانحراف؛ فيفرضون عليه العزلة الاجتماعية حتى يفيء لأمر الله ويستقيم. 
ولذلك ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: "إن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء؛ فريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحل المكاسب وترد المظالم وتعمر الأرض وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر".
فهذه الفريضة الحيوية التي تعتبر من ضروريات الدين، لا يمكن أن نعيشها في مستوى المسؤولية المطلوبة إلا من خلال الصلاة وما تزرعه الصلاة فينا من مشاعر رسالية تدفعنا الى تكريس المعروف ورفض المنكر، وتبعث في قلوبنا ونفوسنا حس الإصلاح الاجتماعي، وتخلق فينا روح التغيير، لكل المظاهر الغريبة والدخيلة التي طرأت على المجتمع المسلم بفعل الانحراف عن مبادئ الإسلام وتشريعات القرآن، فهناك تلازم حتمي بين الصلاة وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فمن المستحيل أن تجد إنسانا يعيش رسالة الصلاة بوعي وإخلاص ثم يتهاون في تبليغ رسالات ربه أو يسكت عن منكر يراه شاخصا أمام عينيه، ومن المستحيل أن تجد أمة تحيا روح الصلاة الواعية ثم لا تصلح ما فسد من أمورها على جميع الأصعدة وفي كافة المستويات.
وإن المجتمع لم يُصب بذل السكوت عن المنكر وبذُل السكوت على الأمر بالمعروف إلا عندما عاش ذُل التخلي عن الصلاة والتهاون والتمزق والضياع، ودخل في دوامة القلق والتسيب والفوضى والارتباك على الرغم من جميع الإمكانات البشرية والمادية التي يمتلكها، ولكنها تحولت بين يديه إلى هباء وتراب وعجز؛ لأنه أضاع كلمة الله، وقد أثبت لنا التاريخ الديني في جميع مراحله، أنه ما من أمة فرّطت بكلمة الله إلا ضربت عليها المسكنة والعذاب، وما من قوم تمردوا على إرادة الله إلا وسقاهم الله كاس الذهل والهزيمة والخراب بما كانوا يكسبون. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م