17 ذو القعدة 1441 هـ   8 تموز 2020 مـ 2:08 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2020-01-14   641

الخمس... عندما تقصي السياسة أصحاب الحقوق

ما زال الحديث عن الخمس، كواجب مالي، مورد أخذ ورد، بين علماء المسلمين، فضلا عن عوامه، على الرغم من كونه تشريعا إسلاميا ثابتا وواضحا وضوح الشمس في رابعة النهار، بالنص القرآني والدعم والتأكيد النبوي.
وقد تأتى جدل الحديث عنه لأسباب سياسية وأحيانا مالية، والأهم من كل ذلك أسباب من الحسد والكبر لدى بعض من تصدى للفتيا، فضلا عن الأسباب المذهبية، التي جانب فيها البعض الحقيقة، وأتبع هواه، دونما دليل، وترك خلف ظهره ثابت النصوص وواضحها، خيفة من إفادته ـ الخمس ـ لمنظومة مذهبية محددة تمثل الإسلام الأصيل، ناهيك عن خيفته من توظيف هذا الواجب في إحقاق حق صعب عليهم وأبته أنفسهم.
والحديث عن الخمس يحيلنا الى النص القرآني ـ الذي لم ينسخه نص أخر ـ القائل ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))(سورة الأنفال ـ 41)، وهو ما يحتم علينا تفكيك هذه الآية الشريفة، جزئيا ومن ثم كليا ضمن سياقها، وصولا لحقيقة الخمس. 
بداية... فأن أصل "غنمتم" الوارد في الآية الشريفة، هو الغنيمة، والغنيمة اصطلاحا هي كل مال مأخوذ من الكفار المحاربين ـ وليس المسالمين منهم ـ في ميدان الحرب فقط، والشيئية الواردة في الآية الكريمة "من شيء" يراد بها مطلق المال المأخوذ بلا بدل، وإن كان لبعض اللغويين رأي في ذلك، مراده إن الغنيمة هي "الفوز بالشيء من دون مشقة"، باعتبار أن غنم الشيء، يعني فاز به، ومنه جاءت مفردة اغتنام الفرص أي انتهازها، وعليه ـ حسب اللغويين ـ غنم الشيء غنماً، أي فاز به بلا مشقة وناله بلا بدل جهد، وهو مورد مؤاخذة فقها ولغة سنتطرق لتفنيدها في قابل السطر، خصوصا وأن النص القرآني يتحدث عن الحرب، وليس من المعقول أن الحروب والمعارك ليست مشقة ولا جهد، هذا من جهة. 
من جهة أخرى، تنسحب مفردة الغنم على كل شيء، ولا تنحصر بالمال، فالأشياء المادية هي الأخرى غنائم، كالسيوف والدروع والخيول، وأثباتا لمدلول الغنم وانسحابه على كل شيء، قوله عز من قال ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا))(سورة النساء ـ94).
ولما كانت لفظة "غنمتم" الواردة في الآية الكريمة لفظا عاما شاملاً لكل الأرباح والفوائد التي يحصل عليها الفرد، فلا يمكن تخصيصها بمشقة او بدونها، بحرب أو بسلم، وهو ما درج عليه أئمة أهل البيت عليه الصلاة والسلام في تخميس جميع الفوائد حتى وإن كانت متوقعة من حرب أو متحصلة بالمفاجأة كالهدية ونحوها، باعتبار إن عموم "غنمتم" يدل على عموم المعنى، ولا يمكن تقييدها طالما لا يوجد قيد فيها، وهو الدليل الأوحد على ذلك.
والخلاصة، إن الآية الشريفة تدل على مطلق ما يحصل عليه الفرد المقاتل وغير المقاتل ـ خلال الحرب أو بدونها ـ من أشياء، بدلالة وصية النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله لعبد القيس وقومه يوم تعذر وصولهم اليه ـ خلا الأشهر الحرم ـ لضعف فيهم، فقال لهم صلى الله عليه وآله: "........ وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس........"، فضلا عن تأكيدات النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله على وجود الخمس من خلال عشرات الرسائل التي أرسلها الى قبيلة بني زهير وقبيلة حدس وقبيلة لخم وقبيلة جديس وقبيلة بني حرقة وقبيلة بني قيل وقبيلة بني قيس وقبيلة بني جرمز وقبيلة أجنادة وقبيلة مالك بن أحمر وقبيلة صيفي بن عامر شيخ بني ثعلبة وقبيلة الفجيع وقبيلة نهشل بن مالك رئيس بني عامر، فضلا عن رسائله لملوك الأمم التي زامنته كحمير واليمن.
وعلى هذا، يمكن تعريف الخمس على أنه فرض مالي منصوص بالنص القرآني ومدعوم بالأحاديث العصموية، وهو فرض محدد بنسبة خُمس (20 %) بما يتعلق بغنائم الحرب فضلا عما يكنزه المكلف من معادن وكنوز بلا صاحب وغوص، ناهيك عن تخميسه لماله الحلال المخلوط بالحرام وخمس ما يربحه من التجارة، مضافا أليه مال الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم.
ووجوب الخمس ينطبق على كل بالغ له ما ذكر أعلاه من مداخل وموارد مادية، شريطة مرور عام على ربحها، ولا يشمل ذلك ـ بطبيعة الحال ـ إذا كان المسلم مقترا بالحاجة والفاقة، كما لا يشمل الخمس حوائج الفرد الشخصية كمأكله ومسكنه وملبسه وعلاجه وسفره، وبتعبير فقهي أدق، خمس ما يفضل عن مؤنة الفرد وعياله السنوية المتعلقة بأرباح التجارة وسائر المكاسب الأخرى (الصناعة، الزراعة، الإجارة، العمل كحدادة والنجارة والخياطة والكتابة والصيد وحيازة المباحات) وغير ذلك من الحرف والأعمال التي لها أجرة.
كما ينطبق الخمس على مطلق الفائدة، حتى وأن اكتسبت بلا جهد كالهدية والهبة والجائزة والوصية عدا الميراث الذي لا خمس فيه مستثنى من ذلك المال الذي يملك المكلف من حيث لا يحتسب.
وعلى هذا فالخمس ضريبة مالية تفرض على "خمس" ما يحصل عليه المكلف لقاء خدمات تقدمها له الحكومة الإسلامية، كما إن للخمس مواضع صرف لا يمكن الاجتهاد قبالتها، وهي ـ حسب النص القرآني ـ لله ولرسوله، ثم وذوي القربى من الرسول وهم السادة الهاشميين من أبناء فاطمة الزهراء عليه السلام، ثم يتاماهم ومساكينهم ثم أبناء السبيل منهم، وبتفصيل أشمل، حسب الآية القرآنية الكريمة ((.... لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ....))(سورة الأنفال ـ41)، وكما يلي:
ـ سهم الله سبحانه وتعالى، (.... لله...).
ـ سهم النبي الأكرم محمد صلوات الله عليه وآله، (...ورسوله...).
ـ سهم قرابة النبي صلى الله عليه وآله، (... ولذوي القربى...).
ويطلق على الأسهم الثلاث أعلاه فقها "سهم الإمام".
ـ سهم اليتامى من نسل النبي وابنته الزهراء عليهما السلام، (... واليتامى...).
ـ سهم المساكين من نسل النبي وابنته الزهراء عليهما السلام، (.... والمساكين...).
ـ سهم أبناء السبيل من نسل النبي وابنته الزهراء عليهما السلام، (.... وأبن السبيل...). 
ويطلق على الأسهم الثلاث أعلاه فقها "سهم السادة".
ولأهمية الخمس في الإسلام، عين النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله جباة له، كأولئك الذين يجبون الصدقات والزكوات، ومن جملتهم تعيينه الإمام علي عليه السلام على أخماس اليمن ـ وهم ممن أسلم بدون حرب ـ، كما عين عمرو بن حزم على أخماس عمان ومحمية بن جزء على اخماس بني زبيد، إلا أن طبيعة الصراع السياسي بعد استشهاد الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله دفع من تسيد المشهد السياسي لتمييع هذا الحق وحرف حقيقته، خصوصا أيام الخليفة الأول الذي بدأ بإرسال جيوشه لإخضاع الفئات المعارضة للحكم الجديد، فضلا عما سمي بحروب الفتوحات الإسلامية، وهو ما جعله يصرف الخمس في موارد إعداد هذه الجيوش وتهيئتهاـ اجتهادا منه في مورد نص قرآني ثابت وسنة نبوية قولية وفعلية ـ وهو ما درجت عليه سياسة الخليفة الثاني، وبأفراط، في وقت غنمها الخليفة الثالث لأقربائه وحواشيه فقط في تحد خطير للنص الواضح، في وقت دأب فيه أئمة أهل البيت عليهم السلام على ذات المنهج النبوي بخصوص وجوب الخمس وموارده، كتأكيد منهم على النص القرآني والأحاديث الشريفة آنفة الذكر، فعن الإمام علي عليه السلام في مورد أجابته لمن سأله: "يا أمير المؤمنين إنّي أصبت مالاً لا أعرف حلاله من حرامه" فقال عليه السلام: " أخرج الخمس من ذلك المال فإنّ الله عزّ وجل قد رضي من ذلك المال بالخمس، واجتنب ما كان صاحبه يُعلَم".
كما أكد ذلك الإمام الصادق عليه السلام بقوله: "فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يُعرف صاحبه والكنوز الخمس"، وهو عين ما قاله أبنه الإمام الكاظم عليه السلام: "الخمس خمسة أشياء، من الغنائم ومن الغوص والكنوز ومن المعادن".

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م