22 ذو الحجة 1441 هـ   12 آب 2020 مـ 6:35 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2020-01-27   231

لماذا يجب أن نعرف الله؟

تطرق المتكلمون ـ المختصون في علم الكلام الذي يبحث في الألوهية والخالقية، ويتبنى إثبات أصول الدين الإسلامي بالأدلة التي الموصلة لليقين والمنتهية بتكوين العقيدة، كما يتكفل بدراسة المسائل الاعتقادية وإثباتها بالأدلة والحجج، ومناقشة أقوال وآراء المخالفين لها ودفع شبهاتهم بالحجة والبرهان ـ الى ضرورة إثبات وجوب معرفة الله سبحانه وتعالى، اتساقا مع جملة الأدلة العقلية الملزمة لذلك، وحديثهم عن الأدلة العقلية هذه، مرده أنها الحالة المجردة والفطرة الأولى لكل إنسان، قبل أن تشوهه اتجاهات العقيدة من خلال أبويه أو بيئته، بل وقبل أن يحيده النقل النصي والخبري ومنه بطبيعة الحال الأسطوري. 
ووجوب معرفة الله سبحانه وتعالى، فكرة أزلية، راسخة في كينونة العقل البشري، بحثها الإنسان الأول على اختلاف نظريات تسميته ومكان وجوده ودوافعه لهذا البحث، ـ مع إن الإنسان الأول كان خلقا سويا عكس ما تُنّظر له نظريات الماديين من وجود الإنسان القديم (النياديرتال) الذي وصوفوه بشكل قريب من الحيوان ويسكن الكهوف ويأكل أبناء جلده، ما يعني أن معرفة الله جل شأنه مطلب عقلي لصيق بالإنسان كونه وليد عقله وتفكيره، إنى كان هذا الإنسان ومتى ما وجد وحيثما تواجد.
وعلى الرغم من إن البحث عن الله جل شأنه له دوافع فطرية وأخرى غرائزية، حيث تشكل هذه الدوافع بالمجمل حقيقة صغر وفقر هذا الكائن ـ الإنسان ـ وحاجته للخالق العظيم الذي يدفع بالعبودية له شر الطبيعة وربما شر بني جنسه، إلا أن ثمة أدلة عقلية منطقية لا محيص منها، تدفع هذا الإنسان الى البحث عن هذا الوجوب المعرفي، والتعرف على الخالق الموجد له، والتقرب منه بالتفكر والتدبر مرة، والطقوس والمراسم العبادية في مرة ثانية، وهي ما يلي:

ـ تلبية نداء العقل البشري الداعي لمعرفة القوة الموجدة لهذا الكون:
وهو دليل عقلي أولي، يتملك كل إنسان، على اختلاف محفزات هذا الدافع، يحثه الى ضرورة الاستفهام عن سبب وجوده، ومنه الى الموجد له المسبب لوجوده، ومنها تكبير هذا الموجد والتصاغر أمامه ومحاولة التقرب منه بالخضوع والعبودية، (عبودية المخلوق أمام ربوبية الخالق).
كما ان هذا الهاتف الباطني ـ النداء العقلي الأول ـ هو نداء غريزي، يميز الإنسان عن باقي المخلوقات، ويجعله أمام مسؤولية كبرى أمام القوة التي أوجدته، وهو دافع كامن في عمق النفس البشرية، لا تنفك منه ولا ينفك منها، خصوصا إذا ما أصابها ـ النفس البشرية ـ خطر او مكروه، تجدها تبحث عن دواعي نشأتها وموجدها ومآلها. 

ـ ضرورة شكران المنعم المتفضل:
وهو دليل أخلاقي كامن في النفس البشرية السوية، يدعو الإنسان الى الامتنان لمن يسدي له خدمة ونعمة، بشكرانه والآلفة معه، وربما التقرب أليه، بدء من أبناء جنسه، وانتهاء بمن تفضل عليه بالنعم الكبرى التي تحيطه من كل جهة وصوب، وعلى طول آماد حياته؛ بدء من نعمة الوجود ومرورا بشعوره الفطري بأنه أسمى من غيره من المخلوقات بناء على ما يمتلكه من عقل يستطيع به أن يتدبر حياته وأمنه، والتعايش مع الطبيعة بل وتسخيرها لصالحه، وانتهاء بما ستؤله له نهايته، وهي نعم تدفع هذا الإنسان عقليا وبشكل فطري الى شكر صاحبها والمنعم عليه بها، وهو ما يدفعه للبحث عن هذا المنعم المتفضل ـ كي يشكره ويتقرب إليه ويطلب منه المزيد ـ، فصار له دافع أخر لمعرفة المنعم جل وعلا، ليتسنى له شكرانه والامتنان منه. 

ـ اجتناب الضرر وتقليل الخطر: 
يدفع العقل السليم صاحبه الى ضرورة أن يتجنب الأضرار والأخطار في حياته، وهذا الدافع فطري قبل ان يكون تجريبي، ومع تجربته صار لازمة بشرية.
ومن الأضرار التي يحتملها الإنسان، هو الضرر الذي قد يلحقه بعد موته، ـ بأعتبار أن رسل الله وأنبياءه كانوا قد أنذروا البشرية على مر ازمنتها؛ بضرورة العمل ليوم يأتي بعد الممات ـ وهو ما دفع الإنسان بصورة عامة الى التأمل والتفكر في العاقبة، والحذر من النهاية، حتى وإن كانت غير محسوسة لديه وهو ما شده لمعرفة الحقائق الأخرى التي لا يمكن ان يدركها بحواسه العادية، فكان العقل السليم يحكم عليه بضرورة تدقيقه وتحقيقه في وجود حياة أخرى مثلا، ووجود قوى عظمى خالقة له وموجدة له من عدم، وهو ما دعاه للبحث عن هذا الخالق، وبالمقارنة بما أنعم عليه بعد خلقه من نعم صارت الضرورة الى شكران الخالق، خصوصا وإن عدم أخذه بتحذيرات المصلحين من الأنبياء والرسل هو بمثابة مجازفة في مصير الإنسان، وهو ما دفعه لتقليل ضرر هذه المجازفة بل وتجنبها من خلال معرفة الخالق عقلا، فراح يبحث في البراهين الدالة على معرفة الله  سبحانه وتعالى بدء من برهان النظم بصوره الأولية والبدائية الى صوره الكونية الكبرى، المبنية عموما على ملاحظة الدقة اللامتناهية في النظام الكوني والتناسق السائد على أجزاءه الفسيحة بدء من الذرة وانتهاء بالمجرة من دون استثناء، مرورا ببرهان الامكان المبني على أن وجود الموجودات في هذا الكون الفسيح لا تقتضي بذاتها الوجود والعدم، إنما هي محتاجة لعلة إيجاد، تدور معها وعلى أساسها، فلو وجدت علة وجودها، وُجِدت وإلا فقد بقيت في دائرة العدم، أي تكون ذات علة؛ بمعنى أنها ممكنة ومحتاجة بوجودها الى الواجب بالذات القائم بنفسه سبحانه وتعالى، وانتهاء ببرهان حدوث المادة المبني على ما اثبته العلم بحدوث المادة وعدم كون وجودها ذاتياً، أي أن وجودها كان بسبب التحول والانتقال المحتاح الى سبب، ومنه مثلا الانتقال الحراري من الأجسام الحارة الى الأجسام الباردة، إذ أن لو لا هذا الانتقال لأتجه الكون إلى وضع تتساوى فيه جميع الأجسام من حيث الحرارة والبرودة، عندها تنضُبُ طاقاته، وتتوقف العمليات الفيزيائية والكيمائية في الكون ما يعني توقف الأثر الحياتي فيه.
وجميعها براهين عقلية موصلة إلى معرفة الله تبارك وتعالى ـ يضاف له براهين أخرى لا حصر لها ولا عد ـ خصوصا وإن كل ما في الوجود اية وعلامة على وجود هذا الخالق العظيم المتفرد بحكمه عليها.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م