19 ذو القعدة 1441 هـ   9 تموز 2020 مـ 12:53 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أخلاقيات الإسلام |  إنما المؤمنون أخوة
2020-02-12   557

إنما المؤمنون أخوة

يشتغل الدين الإسلامي على المساحة الاجتماعية بين بني البشر بشكل لا يقارن مع ما اشتغلت عليه الأديان السابقة، فضلا عن النظم والتشريعات الإنسانية الوضعية، وهي لفتة منه في إذكاء روح الأخوة بين بني البشر، وتذكيرا لهم على وحدة المصير والمآل، وأن نصرتهم لبعضهم وأخوتهم الخلقية، تجعل مرورهم للأزمات الكؤود في الحياة الدنيا أيسر وأسهل.
 ومن باب الانطلاق للأخوة الإنسانية الأشمل والأعم، قدم الإسلام إنموذجا أوليا للتآخي والتناصر بين افراد المنتمين اليه والمؤمنين به كدين سماوي خاتم لما سبقه، همه الأول هو خلق بيئة حياتية طيبة لمعيشة بني الإنسان ومن ثم مغادرتها صوب الخلود الأبدي، وفي هذا الصدد حث القرآن الكريم على أخوة المؤمنين بالله ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ...))(سورة الحجرات ـ 10)، بل أنه راح الى أبعد من ذلك بكثير، حيث عد الأخوة نعمة كبرى تستحق الشكران ((واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا))(سورة آل عمران ـ 103)، كما راح يؤسس لمنظومة أخلاقية كبرى يكون المانع من اختراقها هو الأخوة بين الناس ((يا أيها الذين أمنوا اجتنبوا كثيراُ من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحـدكـم أن يأكل لـحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم))(سورة الحجرات ـ 12) ليمنع بذلك غيبة الإنسان لأخيه الإنسان وغيرها من المثالب، وهو بذلك قد وسع من مفهوم الأخوة وأنطلق بها من المعنى الضيق الناتج من النسب، الى حيث مبدأ الإخوة الإسلامية بالمعنى الشامل، ومنه الى مفهوم العلاقة الإنسانية الأعم حسبما أسس له خليفة النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله، الإمام علي عليه السلام حيث قال: "الناس صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق".
والأخوة في الأيمان هي مرحلة يلتقي فيها من يؤمن بالله سبحانه وتعالى ونبيه الأكرم صلوات الله عليه وآله، وبالتالي فأنها تفرض عليهم ـ الأخوة ـ رابطة للعقيدة ذات المسار الواحد، ما يعني أنها تبنى لهم آلية تذكرهم بالمصير الواحد والهدف الواحد، فضلا عن المشترك القيمي أتجاه القضايا محل ابتلاءهم وتمسّ حياتهم كمسلمين بما يخلق بينهم نوعا من التضامن والتآلف مع بعضهم البعض، بغية تجاوز الصعاب ومواجهة الشدائد التي قد يتعرضون اليها، ناهيك عن رص صفوفهم واضفاء مسحة الوحد والرحمة بين افراد المجتمع المسلم. 
وللإسلام في سبيل تأكيد أخوة المؤمنين به، مقياس خاص به، قوامه النصرة والآزرة فيما بين المسلمين، حيث يقول نبي الرحمة محمد صلوات الله عليه وآله في هذا الصدد: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة"
فضلا عن مقياس التأخي في الله سبحانه وتعالى، الذي هو بحكم المنطلق لهذه الأخوة، فعن رسول الله محمد صلوات الله عليه وآله قال: "ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد فائدة الإسلام مثل أخ يستفيده في الله "، وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام انه قال في ذات الصدد: "الناسُ إخوان، فمن كانت أخوَّته في غير ذات الله فهي عداوة"، باعتبار أن ((الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)) (سورة الزخرف ـ67)، كما جعل عليه السلام مادة الأخوة هي التناصح في الله "اِمحض أخاكَ النصيحة، حسنةً كانت أم قبيحةً، ساعده على كُلِّ حالٍ، وزِلْ معه حيث ما زَالَ، فلا تَطلبْنَ منه المجازاة، فإنَّها من شِيَم الدناة".
وبغية اختبار صدقية الأخوة بين المسلمين، جعل الإسلام ضابطة ذلك في "عون المسلم لأخيه المسلم"، حيث أن أعانة المرء لأخيه المسلم يصير من أخوتهما صادقة وآمنة، ويجعل من مادة تآخيهما نقطة شروع لتقوى الله وبالعكس، فعن أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام، أنه قال: "من آخى في الله غنم، ومن آخى للدنيا حرم".
وبغية حفظ الأخوة بين المسلمين، جُعلت ثمة لوازم ومحددات، بحفظها تدون نعمة الأخوة، وتكون في سبيل الله سبحانه وتعالى، وهي تحقيقا لمرامي وأغراض اخروية ودنيوية، وكما يلي:
ـ إظهارعلامات محبة المسلم لأخيه المسلم:
وهو نقطة الشروع بإعلان الأخوة، ولا يقبل الأخوة مرء ما لم يجده لها من الطرف الأخر علائم ورسائل تدل عليها، فإظهار حب الأخ لأخيه يستلزم القول أولا ومن ثم الفعل، بأعتبار أن للكلام اثره النفسي على المتلقي، بل هو ما يمنحه الثقة على قبول الأخوة ويزيده أطمأنانا بها، فعن النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله أنه قال: "إذا أحبّ أحدكم صاحبه أو أخاه فليعلمه، فإنّه أصلح لذات البين"، وهو ما ربّى عليه الإمام محمد الباقر عليه السلام شيعته،ففي الأثر أنه عليه السلام قد سمع أحدهم يقول: "والله إنّي لأحبّ هذا الرجل"، فقال عليه السلام" ألا فأعلمه، فإنّه أبقى للمودة وخيرٌ في الألفة".
ـ إدامة الأخوة بعدم الجفاء:
وبغية استمرار الأخوة بين المتآخين، واثبات صدقيتها وحسن نيتها، استلزم ذلك على الأخ أدامة مؤاخاة أخية المسلم، وعدم جفوته بالابتعاد عنه وقطع صلة الوصل به تحت أي ظرف كان، لأن البعاد يفضي الى تضعيف وشيجة التأخي لتنتهي بقطيعة غير مبررة، فعن أمير المؤمنين علي عليه الصلام أنه قال: "اِرحم أخاكَ وإنْ عَصَاك، وصِلْهُ وإِنْ جَفَاك"، وهو عين ما، وعنه عليه السلام قوله: "إياك والجفاء فإنه يفسد الإخاء، ويمقت إلى الله والناس"، وقوله عليه السلام: "ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفاء بعد الإخاء، والعداوة بعد المودة".
ـ حفظ الأخوة القديمة بالوصل والتعهد بتجديدها:
حيث أن العلاقات الإنسانية هي الأخرى تحتاج لأسباب أدامتها وتقويتها، لئلا تصدأ، بل أن الحفاظ عليها أوجب من كسب الجديد من الأخوة، بأعتبار أن أدامة الأخوة القديمة حفظا لعهود التأخي وإشاعة لمفهوم الصلة فضلا عن أنها اثبات لمصداقية المتآخين وهو ما يشجّع الآخرين على اكتساب أخوّة مثلها، ففي الحديث النبوي الشريف، " إن الله تعالى يحب المداومة على الإخاء القديم فداوموا عليه"، وقوله صلى الله عليه وآله: " إن الله تعالى يحب حفظ الود القديم"، وهو بنفس المعنى الذي أوصى به النبي سليمان ابنه داوود عليهما السلام بقوله: "لا تستبدلن بأخ قديم أخا مستفادا ما استقام لك"، وقريب جدا مما قاله أمير المؤمنين علي عليه السلام: "من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه، وحنينه إلى أوطانه، وحفظه قديم إخوانه".
وقد منح النبي الأكرم الأخوة منزلتها العظمى وأنزلها منزلة فائدة الإسلام، حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد فائدة الإسلام مثل أخٍ يستفيده في الله"، بل وجعل النظر في وجه الأخ المؤمن بمرتبة الطقس العبادي، حيث قال عسله وآله أفضل الصلاة واتم التسليم: "النظر إلى الأخ تودّه في الله عز وجل عبادة"، فهو ـ الأخ ـ بذلك من دواعي تحصيل المرء جنانه ربه بشفاعة التآخي، فعنه عليه وآله الصلاة والسلام أنه قال: "استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة"، بل أنه ـ الأخ ـ مؤدى لتحصيل المرء رضا ربه بالفردوس، فعن حيث يقول الإمام الرضا عليه السلام: "من استفاد أخاً في الله عز وجل استفاد بيتاً في الجنة".

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م