13 صفر 1442 هـ   1 تشرين الأول 2020 مـ 11:36 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2020-09-07   671

الطريق الى الله

تتسم مفاهيم الإيمان، بل وحتى الكفر، بالتدرج، فهي على درجات ودركات، فبالإيمان يرتقي الفرد ويترقى من درجة الى أخرى، وبالكفر يتسافل، يتدنى دركة بعد أُخرى، وبذلك يكون نصيبه جنة أو نار، وهما كذلك درجات ودركات، وهو ما يحتم على الفرد منا الترقي والتسامي للحصول على أعلى درجات الجنة، بعد حيازة أفضل مراتب الإيمان، خصوصا وأن للإيمان درجات قابلة للزيادة كما يبين ذلك القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى: ((هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم))(سورة الفتح ـ 4).
وهذا هو ديدن الكفر، هو الأخر قابل للزيادة، كشأن الإيمان، ويكون في أدناه عندما يلامس قلب الكافر شيئا من الإيمان، أو يلامس قلب المؤمن شيئا من الكفر، وهو ما دل عليه القرآن الكريم بتبيان قوله جل من قال: ((وما يؤمن اكثرهم باللّه إلاّ وهم مشركون))(سورة يوسف ـ 106 ).
لذا، صار لزاما على ضعيفي الإيمان نشدان مراتب أعلى لإيمانهم، خصوصا أولئك الذين لم يتخلصوا بعد من رواسب الكفر واسقاطاته السالفة، وما زال يراود قلوبهم خلط من الشرك والكفر ولو بمناسبات قليلة، خصوصا وأن أعقد العقبات الكئود التي يمكن لها أن تعيق اكتمال إيمانهم هو الفقر المعرفي وضعف التدبر والتفكر في آيات الله الكونية والخلقية، فضلا عما يورثه الضعف في البناء القيمي والأخلاقي والجدب الروحي لهم.
من هذا نفهم بأن مفهومي الإيمان والكفر ليس بالضرورة يتمثلان بماثل متقابل، وليس بالضرورة أنهما متضادين بالجملة، بل أن أقل درجات الكفر تقترب من أقل درجات الإيمان، وهو ما يعطي جرعة أمل لكل من يحملها، في الترقي وصولا للإيمان المطلوب الذي لا تجدي معه وساوس الشيطان ولا تخضع فيه النفس للتسافل او الانحطاط.
وحسب علماء الأخلاق، فأن لا دور بين أي مفهومين، بتعبير أدق، أن العلاقة بين أي مفهومين كالكفر والإيمان ليس بالضرورة علاقة سبب بمسبب، أو علة بمعلول، لذا فأن أي عمل الذي يصدر عن مرتبة إيمانية معينة لا تتأثر به ولا يؤثر بها، إنما يكون تأثيره في المرتبة الإيمانية اللاحقة أو في غير المرتبة التي صدر عنها، ما يعني أن العمل هو الذي يتأثر بمفعول إيمان صاحبه، ومن ذلك أن تأثير الإيمان الأخروي بالعمل الدنيوي، كما يظهر ذلك في إيمان الفرد في الأخرة مثلا، باعتبارها دار الجزاء والحساب على الفعل الدنيوي، بل وهي ساحة العدالة الذي يثاب فيها المحسن ويعاقب فيها المسيء، كبرهان عملي لمن يؤمن بعقيدة المعاد الأخروي. 
وفقا لهذا المثل، شيد الإسلام منظومته الاخلاقية، أي أنه شيد مراتب إيمان الفرد بالحقائق العقائدية التي يؤمن بها، وفعلها في السلوك الشخصي والجمعي، خصوصا وإن أقوى باعث ـ أن لم يكن الباعث الأوحد ـ لدفع الفرد للعمل الإيجابي وترشيد سلوكه وتصويبه هو باعث الأمل في الحصول على الجائزة الكبرى كالحصول على ما ينفعه من خير أو التخلص مما يضره من شر، وهو ما يبرر منهجية الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وكتبهم المقدسة بلازمة الترغيب والترهيب، أو ما يسمى بثنائية (الانذار ـ التبشير) (الوعد ـ الوعيد)، وهو ما أكده القرآن الكريم كمنهج إلهي ناجز وفاعل في العفل البشري، كما قال سبحانه وتعالى: ((رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا))(سورة النساء ـ 165)، وهو منهج متسق مع قوانين العدالة الإلهي فضلا عن مناسبته للفطرة البشرية التي يحركها الخوف من جهة والرجاء والرغبة من جهة ثانية.
ذلا؛ فإن إيمان الفرد واعتقاده بيوم الحساب سيشكل لديه دافعا حقيقيا ومحركا فاعلا في حثه على فعل الخير، فضلا عن أداء واجبه الذي رسمه له خالقه، ما يعني إن مفاهيم التخويف والوعيد يمكن أن تشد ضعيفي الإيمان وتعيد لهم حساباتهم بشكل غير ما اعتقدوه، كما قال جل وعلا: ((....إن الذين يضلّون عن سبيل اللّه لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب))(سورة ص ـ 26)، في حين أنهما يزيدان المؤمن تعلقا بالله بعدما يمنحاه دافعا أخرا لفهم قدرة الله وسطوته وجبروته على ما خلق، وبالتالي زيادة ايمانه درجة فوق درجاته.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م