13 صفر 1442 هـ   1 تشرين الأول 2020 مـ 9:09 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2020-09-11   285

التلازم بين الإنفاق والإيمان

((آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ))(سورة الحديد ـ 7)

أخذ موضوع الإنفاق أهمية كبرى من خلال المعالجات القرآنية الكثيرة، كيف لا؟! وهو معيار التكافل المجتمعي وضابطة المجتمع الآمن، ناهيك عن كونه نقطة الشروع في تحقيق العدالة الاجتماعية.
وبغية شد الفرد لثقافة الإنفاق، أثبت القرآن الكريم بما لا يدع للشك مجالا، بأن المال إنما هو مال الله، والناس عيال فيه ذلك، وهم أحق به على نحو المنفعة العامة، كما أن وجوده بيد الفرد لا يعني أنه مالكا له بالمطلق، وإن جمعه بيده! إنما هو خليفة للمالك الحقيقي جل شأنه، وهذا ما يلزمه بأن يتصرف به بنحو يرضي مالكه الحقيقي، لأنه بمحل الأمانة ليس إلا، ومن ذلك تبلورت نظرية الإسلام الكبرى بخصوص المال، وكونه وسيلة من وسائل تحقيق الحياة الكريمة للفرد ومنه للمجتمع، ولا يمكن بأي حال تحويل هذه الوسيلة الى ممارسة ترتهن بها إرادات الأخرين، وأن كان الأصل في تحقيق السعادة والرفاهية من المال لجامعه وواضع اليد عليه من باب أولى وقبل الأخرين ممن ستؤول إليهم منفعته حسبما يبينه الشارع المقدس بما يرفع الحرج عن الفقراء والمعوزين بما مُنح به الأغنياء والميسورين. 
وفي مورد تأكيد ما ذهب إليه القرآن الكريم في الآية الشريفة أعلاه، فقد ورد عن النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله أنه قال: "لم نُبعَث لجمع المال ولكن بُعِثنا لإنفاقه..."؛ باعتبار أن آلية الجمع هذه ستفضي لا محالة الى تكدسه بأدي الموسرين والأغنياء فحسب، وهو ما يؤدي بالضرورة الى عدم تدويره وجعله أداة اكتناز لا أدارة إنتاج وتوزيع، وهو ما ينتهي الى تكدسه بيد ثلة قليلة تحتكر حركته وتتحكم بمصائر الناس من خلال سطوته، وقد يُسبب هذا فتنا كبرى؛ ناهيك عن كونه مبررا للكثير من ألوان الفساد والانحرافات المجتمعية.
ومن قاعدة أن الملك لله، وأنه جل شأنه مالك الملك ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ  إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))(سورة آل عمران ـ 26)، يعتبر الإسلامُ المالَ كصاحبه ؛ ملك لمالك حقيقي هو الله سبحانه وتعالى، وليس لهذا المالك الاعتباري ـ من صار المال تحت يده ـ أن يتصرف بما ملك بحرية مطلقة بنحو يتعارض مع حق المجموع البشري فيه.
وإمعانا منه، ربط القرآن الكريم بين إيمان الفرد من جهة، وقدرته على الإنفاق مما استُخلف فيه من جهة ثانية، معتبرا أن إنفاق المال في موارده الحقة وحسب ما يريده الشارع المقدس إنما هو قرين للإيمان بالله ورسوله، وبه يحوز صاحبه الأجر والثواب.
والجميل في ذلك بأن الآية القرآنية لم تحصر الإنفاق بنحو معين أو نمط محدد كالخمس والزكاة والصدقة وغير ذلك، إنما أطلقته بالعموم، وإن كان التحديد لازم لها بالوسائل المباحة، كالتجارة او تشغيل المال واستثمار حركته على اعتبار أن مقصد الآية الشريفة من الإنفاق هو انفاق المال بما يقابل ويضاد جمعه وتكديسه وعدم تحريكه، لأن في ذلك حرمان للأخرين من فوائد حركته، لأن هذه الحركة ـ المؤدية للإنفاق ـ ستحقق جملة أهداف، كسد حاجة المحتاجين والمعوزين وتأمين حياتهم بشكل كريم، كما أنه يحقق نوعا من التكافل الاجتماعي ولو بأدنى صورة من صوره، ناهيك عن كونه ـ الإنفاق ـ مانعا من تبذير المال والإسراف فيه بغير الفائدة المبتغاة منه فيما لو تحرك ولم يُكدس بأيدٍ قليلة.
من جهة أخرى ، فأن لهذا الإنفاق ثواب وأجر عظيمين لمنفقه، وهو حيازة الجنة الت وعد الله بها المؤمنين، خصوصا وإن هذا الإنفاق هو المانع الحقيقي لتغلغل الفساد الأخلاقي في المجتمعات، باعتبار أن ذلك ـ الفساد ـ إنما هو النتيجة الحتمية للفقر والحاجة.
لذلك، تؤكد النظريات الاقتصادية المعاصرة ـ وقد سبقها القرآن الكريم بمئات السنين ـ الى إن تحريك المال في مجتمع فقير من الوجهة الاجتماعية والاقتصادية؛ ستفضي الى حركة في جهد الناس لتحصيله، وهو ما يؤدي بالضرورة العلمية الى زيادة أرزاقهم وبالتالي تحقيق حاجتهم بل ورفاهيتهم، وبتعبير أدق؛ أن الإنفاق هو الحل الحقيقي والضروري لكل مجتمع يعاني من تدني في مستواه المعيشي، وهو ما يعني وجوب انفاق الموسرين والأغنياء لأموالهم ولو بتحريك المال في السوق بما يُعيد التوازن ويحقق أدنى مراتب التكافل اللازم للمجتمع الذي ينشد الحياة الآمنة والمستقرة.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م