3 ربيع الاول 1442 هـ   20 تشرين الأول 2020 مـ 11:37 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2020-10-15   937

فلسفة انتظار الفرج

ما أنفك المسلمون ينتظرون القائم بأمرهم بالحق بعد غيبته الطويلة، بناء على ما أشار اليه القرآن الكريم في غير موطن كقوله تعالى: ((وعد اللّه الّذين آمنوا منكم وعملوا الصّالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الّذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الّذي ارتضى لهم وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون))(سورة النور ـ 55)، وقوله تعالى: ((ونريد أن نمنّ على الذين استُضعِفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين))(سورة القصص ـ 5) فضلا عن الوصايا النبوية الشريفة؛ ومنها قوله صلوات الله عليه وآله: "لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا"، وقوله صلوات الله عليه وآله: "لن تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، يملؤها عدلاً وقسطاً ، كما ملئت ظلماً وجورا".
وفلسفة انتظار فرج ظهور الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ فلسلفة تربوية عظيمة، تؤسس لثقافة تصحيحية لسلوك الفرد المسلم، خصوصا وأن هذا المفهوم ـ مفهوم انتظار الفرج المنتظر عليه السلام ـ  تضّمن مسالك ترويضية جمة، تقع ضمن مستويين متسقين متعاضدين لخلق عقلية عبادية للفرد المؤمن؛ كما يريدها الله جل شأنه، وهذان المستويان هما:
1. الدربة وتوطين النفس..
حيث تؤسس فلسفة الانتظار لدربة النفس على تلقّي الازمات ومواجهتها بصدر رحب، فضلا عن تقبل الصعاب من مكاره الزمن وشدائده، تحت شعار ((أن بعد العسر يسرا (5) أن بعد العسر يسرا(6))(سورة الشرح ـ 5 ـ6)، بما يقنع النفس بوجود انفراجة بعد كل أزمة مهما كانت صعبة وخانق، وهو ما يستنفر طاقة الصبر لدى الفرد المنتظِر ويمحص درجته عند كل ابتلاء واختبار حسبما بينه أئمة اهل البيت عليهم السلام، ومنه قول الإمام الباقر عليه السلام: "لا يكون فرجنا حتى تغربلوا، ثم تغربلوا، ثم تغربلوا - يقولها ثلاثاً - حتى يذهب الله الكدر ويبقى الصفو"؛ وقوله عليه السلام: "هيهات لا يكون الذي تمدّون إليه أعناقكم حتى تمحّصوا، ولا يكون الذي تمدّون إليه أعناقكم حتى تميّزوا، ولا يكون الذي تمدّون إليه أعناقكم حتى تغربلوا، ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم الا بعد اياس، ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى يشقى من شقي، ويسعد من سعد".. أي أن الانتظار بمثابة تمحيص وفحص لصبر المؤمن على ما يبتلى به، يُفرز من خلالها العبد الصابر الراجي لرحمة الله عن القانط عنها، ليكونوا بذلك اصناف ودرجات بناء على تحملهم وحسن ظنهم بالله وتصرفهم حيال ما يبتلون به، وهي حسب الظاهر، حالة اختيارية، يمكن للفرد اختيارها أو التعويل على الياس بالضد منها، إلا أنها من أفضل الأعمال حسبما بينه نبي الرحمة صلوات الله عليه وآله: "أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله تعالى".
2. إعداد النفس بالترقب والرصد للظهور المقدس..
وهو المستوى الثاني من مستويات الانتظار، بل وأنه المتأخر عن الأول، ففيه يتحصل العبد المنتظِر نتيجة انتظاره، بل وصدقها، باعتبار أن من يترقّب أمراً عظيماً لا بد أن يهيئ له العدة، يتهيأ له، ويعمل من اجله بقدر عظمته وأهميته بالنسبة له، بل ويتشوق له بمستوى اعتداده به، ولا شيء أحب للمؤمن الصلب في عقيدته من إحياء أمر آل محمد صلى الله عليه وآله، خصوصا أذا كان هذا الإعداد ملحّ وضروري لخلق المجتمع المتكامل الذي يؤمن برسالة نبي الرحمة وأهل بيت عليهم السلام.

وعلى عظم هذين المستويين من الانتظار، إلا أنه ـ الانتظار ـ يبقى عيال على الزهد الحقيقي من قبل المنتظر لكل مظاهر الحياة وحطامها فضلا عن ضرورة التزامه بالتقوى كمعيار روحي ضروري يلتقي عنده الهدف الدنيوي بالهدف الأخروي.
وعلى هذا، فأن الانتظار ثقافة ايجابية وليست سلبية اتكالية كما يظنها البعض، وليس ترقبا لغيب عاجز أو أتكال وعوم على فراغ لا يُرتجى، كما أنه واقعية محض وليس ترهبنا وانعزالا عن المجتمع وفعاليات الحياة كما يتصرف بعض اتباع التصورات الوضعية كالكونفوشيوسية والبوذية، إذ أن العارف بالمهدي المنتظر عليه الصلاة والسلام كالمجاهد ـ مجاهدة الصبر والتحمل ـ كما بينه الإمام محمد الباقر عليه الصلاة والسلام بقوله: "العارف منكم هذا الأمر، المنتظر له، المحتسب فيه، كمن جاهد – والله - مع قائم آل محمد صلى الله عليه وأله وسلم بسيفه، بل والله كمن استشهد مع رسول الله فسطاطه"، بل أنه ـ الفرد المنتظِر إنما هو المهتدي الذي لا زيغ له، كما وصفه الإمام جعفر الصادق بالقول: "طوبى لمن تمسّك بأمرنا في غيبة إمامنا، فلم يزغ قلبه بعد الهداية"، بل أنه من اصحاب العقول الفاهمة والمعارف الصادقة، حسب قول الإمام علي السجاد عليه السلام: "تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة من بعده، ... إنّ أهل زمان غيبته، القائلون بإمامته، المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان، لأنّ الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والإفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف، أولئك المخلصون حقاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله سراً وجهراً".

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م