20 ربيع الاول 1443 هـ   27 تشرين الأول 2021 مـ 10:34 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2021-06-19   820

الدعاء.. قوة الإنسان عندما يكون ضعيفا

يمس الإنسان شعورا بالضعف والوهن والعجز، يشعره بحجمه الحقيقي بل وبعجزه حيال المواقف الحياتية، وأن في قرارة نفس الإنسان؛ ـ أي أنسان مهما صغر شأنه أو تجبر وتفرعن ـ شعور بالقصور والضعف، شعور يجبره للبحث عمن يحميه ويشبع بطن جوعه من ثورة الخوف، الخوف من الطبيعة! من الكائنات الأقوى منه! من أخيه الإنسان! بل وحتى من نفسه! وهو ما يضطره للتوسل بمن يوفر له حماية ما، ويحصنه ويمنع عنه تلك الأدواء، ولا يكون ذلك الا من خلال الدعاء.
وبناء على حقيقة فقر الإنسان  وحاجته لمن يقويه ويشد منه عوده، خصوصا وإن صفة الفقر والضعف هذه من متلازماته وليس مما عُرض عليه من صفات، حتى صارت حقيقته الوجودية قبالة عظيم خلق الله وفعله؛ وعليه فهذا الكائن الضعيف الفقير، محتاج للغني المطلق جل شأنه، وهنا يتحرك الدعاء بالفقير المطلق تجاه الغني المطلق، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد))(سورة فاطر ـ 15).
ولأن الإنسان لا يمكنه العيش بلا أمن وأمان واطمئنان، صار الدعاء وسيلته العملية لتحصيل ذلك، فقد قال تعالى: ((الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ))(سورة الرعد ـ28)؛ فالدعاء هو عين الوصل مع القوى الأعظم ـ الله جل شأنه ـ وصار الدعاء بذلك المجال الرحب للإنسان في تحصيل الطمأنينة، على اعتبار إنَّه بحاجة ماسة دائمة إلى فتح قناة اتصال مباشرة، يمكنه اللجوء إليها في أي آن ومكان، وليست هذه القناة إلا الدعاء وبالتالي فالدعاء حاجة فطرية جِبلِّية لا يمكن الاستغناء عنها.
والدعاء هو الطلب، أما لغة فهو مُستل من الأصل الثلاثي "دعو"، الدال والعين والحرف المعتل أصلٌ واحد، وهو أن تُميل الشَّيءَ إليك بصوتٍ وكلام يكون منك، تقول: دعوت أدعُو دعاءً، أما اصطلاحا فتطلق لفظة الدعاء على ما يطلبه الأدنى من الأعلى متضمنا شيء من الخضوع والاستكانة.
وما يخصنا كمؤمنين بالله؛ فأن الدعاء هو طلب العبدِ من ربَه المعونة في جميع شؤونه الدنيوية والأخروية، وحقيقة الدعاء تظهر في إظهار العبد الفقر والاحتياج لله والبراءة من حول الإنسان وقوته بدون معونة الله، وهو سمةُ العبودية، واستشعار الذلَّة البشريَّة، وفيه معنى الثناء على الله جل شأنه، وإضافة الجود والكرم إليه.
وعلى هذا؛ فدعاء العبد لربه إنما هو  طلب للعناية منه، واستمداد المعونة منه، بمعنى أنه ابتهالُ لله بالسؤال والرغبة فيما عنده من خير فضلا عن دفع الشر بقوته وحوله.
وقد وردت لفظة الدعاء كثيرا في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ((وقالَ ربُكُم ادعُوني أستجب لكم إنّ الذين يستكبرُون عن عبادتي سيدخُلُون جهنَّم داخرين))(سورة غافر ـ 60)، وثمة وجوه كثيرة يراد بها هذا اللفظ حسب القرآن الكريم، مع أن مخصوص اللفظة هو للطلب، ومن هذه الوجوه ما يلي:
ـ النداء، يقال: دعوت فلانا، أي ناديته وصحت به، قال تعالى: ((فَقُل تعالوا ندعُ أبنَاءَنا وأبنَاءَكُم ونِساءَنا ونِساءَكُم وأنفُسنَا وأنفُسَكُم))(سورة آل عمران ـ61) أي ننادي، مع أن القرآن استعمل كل من النداء والدعاء بلفظين مستقلين، كما في قوله تعالى: ((كمَثلِ الذي يَنعقُ بما لا يَسمَعُ إلاّ دُعاءً ونِداءً))(سورة البقرة ـ 171).
ـ الطلب، يُقال: دعاه، أي طلبه، قال تعالى: ((وإن تدعُ مُثقلةٌ إلى حَملِها))(سورة فاطر ـ18) أي تطلب أن يحمل عنها.
ـ القول، كقوله تعالى: (فما كان دعواهُم إذ جاءَهُم بأسُنَا .....))(سورة الأعراف ـ 5) أي قولهم إذ جاءهم العذاب.
ـ العبادة، كقوله تعالى: ((لن ندعُوا مِن دُونه إلها))(سورة الكهف ـ14) أي نعبد.
ـ الاستعانة، كقوله تعالى:  ((وادعوا شُهداءَكُم من دونِ اللّه))(سورة البقرة ـ23) أي استعينوا واستغيثوا بهم.
ـ الحثّ على الشيء، كقوله تعالى:  ((قال ربِّ إنِّي دعوتُ قومي ليلاً ونهارا))(سورة نوح ـ5)؛ أي حثثتهم على عبادة اللّه سبحانه.
ـ النسبة، كقوله تعالى: ((ادعُوهُم لآبائهم هو أقسطُ))(سورة الأحزاب ـ5) أي انسبوهم واعزوهم.
ـ السؤال، كقوله تعالى: ((قال ادعُ لنا ربَكَ))(سورة البقرة ـ69)، أي سله.

أما الدعاء في الحديث العصموي، فهو مما نُدب اليه كثيرا، وقد وردت في سبيله جملة من الآثار والمؤكدات، كقوله نبي الرحمة صلوات الله عليه وآله: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة"، وقوله صلوات الله عليه وآله:"اغتنموا الدعاء عند الرقّة فإنها رحمة"، وقوله صلوات الله عليه وآله: "ولو عرفتم الله حقّ معرفته لزَالت الجبال بدعائكم".
وقد وردت عن أئمة أهل البيت عليهم السلام الكثير من الروايات بشأن الدعاء وعظمته عند الله جل شأنه، فعن أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام قوله: "أن الله أوحى إلى عيسى بن مريم: "قُلْ لِلْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَدْخُلُوا بَيْتاً مِنْ بُيُوتِي إِلَّا بِقُلُوبٍ‏ طَاهِرَةٍ، وَأَبْصَارٍ خَاشِعَةٍ، وَأَكُفٍّ نَقِيَّةٍ، وَقُلْ لَهُمُ: اعْلَمُوا أَنِّي غَيْرُ مُسْتَجِيبٍ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ دَعْوَةً، وَلِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِي‏ قِبَلَهُ مَظْلِمَة".
وعن الإمام السجاد عليه الصلاة والسلام: "فَسَمَّيْتَ دُعَاءَكَ عِبَادَةً، وَتَرْكَهُ‏ اسْتِكْبَاراً، وتَوَعَّدْتَ عَلَى تَرْكِهِ دُخُولَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين‏".
وعن عن الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام قوله: "أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَطَعْتُمُوهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، ثُمَّ دَعَوْتُمُوهُ لَأَجَابَكُمْ، وَلَكِنْ تُخَالِفُونَهُ،‏ وَتَعْصُونَهُ،‏ فَلَا يُجِيبُكُم"، وعنه عليه الصلاة والسلام ايضا قوله: "الدعاء هو العبادة التي قال اللّه: ((إنّ الذينَ يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنَّم داخرين))؛ وهو قريب جدا مما قاله الإمام الباقر عليه الصلاة والسلام: "أفضل العبادة الدعاء"، وقوله عليه الصلاة والسلام بعدما سأله سدير: "أي العبادة أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "ما من شيء أفضل عند اللّه من أن يسأل، ويطلب ممّا عنده".
وأبعد من ذلك؛ فإن شعار أهل البيت عليهم الصلاة والسلام إنما كان هو الدعاء، بل وأن رأس مالهم البكاء اثناءه، ورغم أنَّ أهل البيت عليهم الصلاة والسلام كانوا جميعا من أهل الدعاء وروّاده، إلا أن الإمام السجاد كان بينهم كقطب الرحى خصوصا فيما تركه لنا من آثر عظيم في صحيفته السجادية المعروفة، والتي عُرفت بـزبور آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين، خصوصا وأن اساليبه فيها كانت مما يُثبت رفعة تقربه من الله جل شأنه ويبرهن لنا درجة ذوبانه عليه الصلاة والسلام في حبِّ الله تعالى.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م