23 ربيع الثاني 1443 هـ   29 تشرين الثاني 2021 مـ 3:28 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2021-11-21   256

الآثار الوضعية لبر الوالدين والإحسان إليهما

ما أنفك الإسلام يوصي ببر الوالدين، ويدفع الأبناء الى طلب رضاهما، والإحسان إليهما، بل وجعل ذلك من اوجب الواجبات وافرض الفروض بعد فرض عبادة الله وعدم الإشراك به، فقد اوصى القرآن الكريم بذلك، وجعلهما تاليا لله بوجوب الطاعة: ((وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(24))(سورة الإسراء ـ 23 ـ 24)، ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي القربى واليتامى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ))(سورة البقرة ـ 83)، ((قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ))(سورة الأنعام ـ 151).
بل و عّد الشارع المقدس، بر الوالدين مما يستوجب الجنة فعن رسول الله صلوات الله تعالى عليه وآله أنه قال: "كن باراً واقتصر على الجنة، وإن كنت عاقاً فظّاً فاقتصر على النار".
وأبعد من ذلك، فقد تنزل الشارع المقدس في إحسانهما الى عدم تكليفهما السؤال، وهي لفتة إنسانية غاية في الرحمة والرأفة، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام في تبيانه لمعنى الإحسان للوالدين: "الإحسان أن تحسن صحبتهما، وأن لا تكلفهما أن يسألاك شيئاً مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين".
كما شدد الإسلام على ضرورة توخي أفضل اساليب التعامل معهما، من تودد وخفض الجناح لهما تحننا، مصداقا لقول الإمام محمد الباقر عليه الصلاة والسلام: "ثلاث لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين"، وقول الإمام جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام: "بر الوالدين واجب، فإن كانا مشركين فلا تطعهما ولا غيرهما في المعصية، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وقوله عليه الصلاة والسلام في مورد حديثه مع زكريّا بن إبراهيم (وكان نصرانيا فاسلم)، بعد أن قال له:
ـ إني كنت على النصرانية وإني أسلمت.
فقال عليه الصلاة والسلام: 
ـ وأي شيء رأيت في الإسلام؟
قال زكريا:
ـ قول الله عز وجل (( ... مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ ... ))(سورة الشورى ـ 52).
فقال عليه الصلاة والسلام:
ـ لقد هداك الله، ثم قال: اللهم اهده – ثلاثاً -، سل عما شئت يا بني.
فقالل زكريا:
ـ إن أبي وأمي على النصرانية وأهل بيتي، وأمي مكفوفة البصر فأكون معهم وآكل في آنيتهم؟
فقال عليه الصلاة والسلام:
ـ يأكلون لحم الخنزير؟
فقال زكريا:
ـ لا ولا يمسونه.
فقال عليه الصلاة والسلام:
ـ لا بأس، فانظر أمك فبرها، فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك، كن أنت الذي تقوم بشأنها ولا تخبرن أحداً أنك أتيتني حتى تأتيني بمنى إن شاء الله.
قال زكريا:
ـ فأتيته بمنى والناس حوله كأنه معلم صبيان، هذا يسأله وهذا يسأله، فلما قدمت الكوفة ألطفت لأمي وكنت أطعمها وأفلي ثوبها ورأسها وأخدمها، فقالت لي: يا بني ما كنت تصنع بي هذا وأنت على ديني، فما الذي أرى عنك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفية؟ فقلت: رجل من ولد نبينا أمرني بهذا، فقالت: هذا الرجل هو نبي؟ فقلت: لا ولكنه ابن نبي، فقالت: يا بني إن هذا نبي، إن هذه وصايا الأنبياء، فقلت: يا أمه إنه ليس يكون بعد نبينا نبي ولكنه ابنه، فقالت: يا بني دينك خير دين، اعرضه عليّ فعرضته عليها، فدخلت في الاسلام وعلمتها، فصلت الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثم عرض لها عارض في الليل، فقالت: يا بني أعد عليّ ما علمتني فأعدته عليها، فأقرت به وماتت، فلما أصبحت كان المسلمون الذين غسلوها، وكنت أنا الذي صليت عليها ونزلت في قبرها.

ومع أنّ الشريعة الإسلامية أمرت الأبناء ببر الوالدين والإحسان إليهما، إلاّ أنّها جنحت للأم بشيء من الاهتمام على حساب الأب، تثمينا لجهدها في الحمل والطلق والرضاع والسهر وما الى ذلك من اهتمامات بصغيرها، فتجد إن النبي الأكرم صلوات الله تعالى عليه وآله أجاب من سأله عمن يّبر، فقال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك".
وإمعانا في التلطف بهما، لم يقف الإسلام بالتأكيد على الإحسان للوالدين في حياتهما فحسب، بل أوجب ذلك حال وفاتهما أيضا، بل وعدّ ذلك حقا لا يقسط بموتهما، بل وأن من ترك ذلك بعد وفاتهما صار عاقا لهما، حتى وإن برهما في حياتهما! فعن الإمام محمد الباقر عليه الصلاة والسلام قال: "إنّ العبد ليكون باراً بوالديه في حياتهما ثم يموتان، فلا يقضي عنهما ديونهما، ولا يستغفر لهما، فيكتبه الله عاقاً، وإنه ليكون عاقاً لهما في حياتهما، غير بار بهما، فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما، فيكتبه الله عزّ وجل باراً"، وقول رسول الله صلوات الله تعالى عليه وآله: "سيد الأبرار يوم القيامة رجل برَّ والديه بعد موتهما"، وقوله صلوات الله تعالى عليه وآله في مورد اجابته لرجل من بنى سلمة، قال له: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به من بعد موتهما؟ قال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وانفاذ عهودهما، واكرام صديقهما، وصلة الرحم الذي لا رحم لك إلاّ من قبلهما".
وبغية فك اللبس الذي قد يتوهم به البعض حيال اطاعة الوالين بشكل مطلق، لأن الضابطة لذلك هي أن لا تكون طاعتهما فيلا مورد معصية الله استاقا مع قوله النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: "لا طاعة لأحد في معصية الله، إنّما الطاعة في المعروف"، وقوله: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
وعلى هذا وذاك، فأن اطاعة الوالدين إنّما تتحقق فقط فيما يسمى بالأوامر الإشفاقيّة، أي أذا كان أمرهما لابنهما بما يسبب إشفاقهما او خوفهما عليه، فلزم طاعتهما فيه، وخلا ذلك ـ الأوامر غير الإشفاقيّة ـ فلا تجب طاعتهما، ، وإن كان الأفضل والأحوط مراعاة توجيههما وأخذ كلماتهما على بنظر الاعتبار، واجتناب معصيتهما، بالأخص اذا كان ذلك في مورد أمرهما ونهيهما لمصلحته، لا مصلحتهما.
ومن اثار بر الوالدين والإحسان لهما، أن ذلك مقدمة لرضا الله جل وعلا كما بينه النبي الأكرم صلوات الله تعالى عليه وآله: رضى الله في رضى الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين"، كما أن لذلك آثرا وضعيا قوامه زيادة في عمر البّار، والبركة في رزقه، فعن النبي الأكرم صلوات الله تعالى عليه وآله أنه قال: "من سرّه أن يمدّ له في عمره، ويزاد في رزقه، فليبر والديه، وليصل رحمه"، وقوله: "من برّ والديه طوبى له، زاد الله في عمره".
كما يخفف بر الوالدين عن البار سكرات الموت، فعن الإمام جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام قال: "من أحب أن يخفف الله عز وجل عنه سكرات الموت، فليكن لقرابته وصولاً، وبوالديه باراً، فإذا كان كذلك، هون الله عليه سكرات الموت، ولم يصبه في حياته فقر أبداً".

ظافرة عبد الواحد 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م