11 محرم 1444 هـ   9 آب 2022 مـ 7:07 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2022-04-12   64

حسن الظن... أداة البناء المجتمعي

يُعدّ سوء الظن بالأخرين من أبرز السلبيات المجتمعية، بل وأنها من أسباب الفرقة والاختلاف الاجتماعي بين الأفراد من جهة، والأُسر من جهة أخرى، وبالتالي المجتمع عموما. 
وسوء الظن من الأفكار الموهومة أو الكاذبة أو المظنونة التي يتشبَّث بها البعض تجاه البعض الاخر بدون بيِّنة شرعية أو يقين قاطع، وهو ما دفع بالمشرع المقدس لإيلاها ما تستحقه من تنبيه وتنويه، مع تخليقه للمسلمين بما هو عكس ذلك، من حسن ظن وصفاء سريرة وطهارة نفس وطيبة قلب ونقاء روح ومسْلك تسامح مع الجميع، كل ذلك تحت عنوان "حسن الظن".
وقد أكد الإسلام على المسلمين بأن لا ينسبون الأخرين الى دائرة السوء أو حظيرة التهمة ما لم تكن هنالك أسباب منطقية ووجيهة، بل وأكد على ان يحملوهم كل محامل الخير قبل الظنة والتهمة، من خلال تبرير ما يفعله الأخرون بما يحتمله من تبرير.
كما أكّد الاسلام على المنتسبين أليه بأن يتسمون بتوقع الخير من الأخرين أنى كانوا، فضلا عن حفظ حرمتهم، حضّارا كانوا أم غيابا، مع ظن حسن واشاعة لروح الإخوَّة والانسجام والإيثار والتواضع، ناهيك عن تأكيده على أهمية التواصل مع الأخرين، بما في ذلك المنقطعين عنهم، كنوع من صلة الرحم والتراحم، فدعا الى الاتصال بمَنْ لم يتصل، وزيارة مَنْ لا يتزاور، وصلة من لا صلة له، والعفو عمن يظلم، مع توظيف الأعذار للأخرين قبل أن يأخذ الظن فيهم ما يأخذ، فعن الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله، أنه قال: "أطلب لأخيك عذراً، فإنْ لم تجدْ له عذراً، فالتمس له عذراً"، وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "لا تظنَّن بكلمة خرجت من أحدٍ سوءً، وأنت تجد لها في الخير محتملا".
وبذلك فإن الإسلام يدعو لأن يكون اساس التعامل معه الأخرين هو الخير والنَّظرة الطيِّبة والبُعد عن سياسة التهمة والوقيعة، والابتعاد عن اسلوب التشكيك والتفتيش عن الزلات، والاستعاضة عن ذلك بشيء من السماحة وحسن الظن واحتمال الخير قبل الشر بما يبقى الأخرين في عزة من الظنون ومنعة من الشكوك والتخرصات، وهو ما يؤدي بالضرورة الى بناء المجتمع الإسلامي على أسس من التماسك والتآزر، خصوصا وأن ترك مفهوم حسن الظن في الأخرين مما يمكن ان يسهم في نتشر وتأصيل مفاهيم الهدم المجتمعي، بل وله الأثر السلبي على متانة العلاقات الفردية والجماعية، فكم من علائق هدُمت ووشائج قُطعت بسبب هزة ثقة و استعجال في حكم ما جراء نقل موهوم أو تصور مستعجل او رواية مظنونة أو خبر مشاب بشبهة، في وقت كان بالإمكان أن لا تصل فيه الأمور لذلك، عِبر شيء من الحكمة وقليل من صفاء النية التي يُجلِّلُها حسن الظن بالأخرين.
ممّا لا شك فيه أنّ إهمال هذه الأمر الإلهي ـ اجتناب الظن ـ قد يؤدي، وبحسب الواقع المنظور، الى شقاء في الدنيا وبُؤس في الاخرة، بل هلاك لا يُعوَّض، فقد بين الله جل شأنه في محكم كتابه الشريف ذلك بالقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ......))(سورة الحجرات ـ 12)، وهو عين ما ذهب أليه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلامة بقوله الشريف: "حسن الظن راحةُ القلب وسلامةُ الدين ويُخفِّفُ الهم، ويُنجِّي من تقلُّد الإثم".
ويبدأ حسن الظن بأن يحسن المرء الظن بالأخرين وحمله على محامل حسنة ولو أضطر للتفتيش عن عذرا أو اختراع ما يعذره من أعذار، صيانة للدين وتورعا عن كل ما قد يؤدي الى الانحراف والبوار، لأن َ حسن الظن هذا مما تصان به الأفراد وتراعي فيه حرمات المجموع، ويجنب المجتمع متاعب البغضاء والكره والتشاحن، فضلا عن حفظ حرمات الأخرين كحق لازم لهم علينا، فعن رسول الإنسانية محمد صوات الله عليه وآله: " مَنْ أساء بأخيه الظن فقد أساء بربِّه"، وعن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام أنه قال: "مَنْ عرف من أخيه وثيقة دين، وسَداد طريق، فلا يسمعنّ‏َ فيه أقاويل النَّاس، أما إنَّه قد يرمي الرامي، وتُخطيء السِّهام".

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م