

| معاجز قرآنية | الإعجاز القرآني: أبعاده وسر التحدي الإلهي

الإعجاز القرآني: أبعاده وسر التحدي الإلهي
الشيخ
معتصم السيد أحمد
لا شك أن القرآن الكريم قد بلغ الذروة في الفصاحة والبلاغة والنظم، فهو يتميز بأسلوبه الفريد الذي يجمع بين سمو المعنى وجزالة اللفظ وروعة التركيب وانسجام النظم، مما جعله متفرداً في البيان. إلا أن الاقتصار على البعد اللغوي فقط في تفسير إعجاز القرآن أدى ببعض العلماء إلى تبني نظرية الصرفة، وهي الفكرة التي تقول بأن القرآن في حد ذاته ليس معجزاً من حيث الفصاحة، وإنما الإعجاز يكمن في أن الله منع الناس من الإتيان بمثله رغم قدرتهم على ذلك.
ومن هذا المنطلق، يرى القائلون بالصرفة أن الله صرف العرب عن محاولة مجاراة القرآن، لا لأنهم عاجزون بطبيعتهم عن الإتيان بمثله، بل لأن إرادة الله اقتضت أن يحجبهم عن ذلك، إما بإلقاء الرهبة في قلوبهم، أو بسلب قدرتهم على المحاكاة، أو بصرف دوافعهم النفسية نحو العجز والاستسلام أمام تحدي القرآن. وهذا ما يفسر – وفقاً لوجهة نظرهم –امتناع العرب عن التصدي للتحدي القرآني رغم امتلاكهم لأدوات الفصاحة والبلاغة.
إلا أن هذا التفسير يواجه إشكالات جوهرية، إذ لو كان الإعجاز متحققاً بالصرفة، لكان ذلك أمراً خارجاً عن طبيعة القرآن ذاته، ولكان التحدي الإلهي غير قائم على جوهر النص القرآني وإنما على التدخل الإلهي المباشر في منع محاكاته. وهذا ما يعارض صريح آيات التحدي التي تربط بين الإعجاز وحقيقة القرآن ذاته، حيث يؤكد القرآن أن التحدي متعلق بخصائصه الذاتية وليس بمانع خارجي يحول دون محاكاته.
إضافة إلى ذلك، فإن القول بالصرفة يتناقض مع الشهادات التاريخية التي تنقل انبهار العرب أنفسهم بأسلوب القرآن واعترافهم بفرادة نظمه ومعانيه، فلو كان السبب في عدم محاكاته هو مجرد الصرفة، لما كان هناك داعٍ لدهشة فصحاء العرب وإقرارهم بتفوقه عليهم، بل لكانوا ببساطة عاجزين بسبب أمر خارج عن إدراكهم وليس بسبب تفوق القرآن في ذاته.
ولهذا، فإن الرأي الراجح عند العلماء هو أن الإعجاز القرآني لا يقتصر على الفصاحة والبلاغة فحسب، بل يمتد ليشمل تركيبه الفريد، ومضامينه العميقة، وتأثيره الروحي والنفسي، وعلاقته بالعلم والحقائق الكونية، مما يجعل التحدي قائماً على جميع هذه الأبعاد مجتمعة، وليس على مجرد الفصاحة التي يمكن – من الناحية النظرية – محاكاتها من قبل أهل اللغة.
الأمر الذي يقودنا إلى البحث من جديد عن سر إعجاز القرآن، فعندما قال تعالى: (فليأتوا بسورة من مثله)، تقودنا هذه العبارة "من مثله" إلى ضرورة معرفة حقيقة القرآن ذاته حتى ندرك كيف يكون المثل له. فلا يجوز لنا أن نفترض تعريفاً للقرآن من تلقاء أنفسنا، كأن نقول: "إن القرآن هو الكتاب الفصيح"، ثم نبحث عن المثل في فصيح كلام العرب، بل يجب الرجوع إلى القرآن نفسه لنرى كيف عرّف ذاته، وحينها يمكننا فهم ماهية التحدي الإلهي والإتيان بالمثل الذي أراده الله.
كيف عرّف القرآن نفسه؟
هناك آيات كثيرة تكفّلت بتعريف القرآن الكريم، ونستعرض أولاً الآيات التي تشير إلى أنه "قرآن عربي"، لأن البعض قد يتوهم أن هذه الصفة تعني اقتصار إعجازه على الفصاحة اللغوية فقط. يقول تعالى: (إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) (يوسف: 2)، ويقول: (وكذلك أنزلناه حكماً عربياً، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم، ما لك من الله من ولي ولا واقٍ) (الرعد: 37)، ويقول أيضاً: (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون) (طه: 113)، وفي موضع آخر: (بلسان عربي مبين) (الزمر: 195)، وغيرها من الآيات.
تؤكد هذه الآيات أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وقد يُفهم من ذلك أن القرآن يتميّز بالفصاحة والبلاغة نظراً لوضوح بيانه، إلا أن هذه الآيات لم تأتِ في سياق التحدي للعرب بفصاحته، بل في سياق التأكيد على أنه كتاب مفهوم لديهم، جاء بلغتهم التي يعقلونها ويتخاطبون بها. ولهذا كان يختم بعضها بقوله: (أفلا تعقلون)، أي أن القرآن يخاطبهم بلغتهم التي يعرفونها، ويدعوهم إلى التفكر في معانيه العميقة، وليس مجرد التوقف عند مستواه البياني.
قد يحاول القائلون بنظرية "الصرفة" توجيه هذه الآيات لدعم رأيهم، مستندين إلى قوله تعالى: (بلسان عربي)، بحجة أن هذه العبارة تؤكد أن القرآن جاء ضمن النظام اللغوي المعروف لديهم، وبالتالي فإن استعماله لنفس القواعد والتراكيب المألوفة ينفي عنه طابع الإعجاز. لكن هذا الفهم قاصر، لأن القرآن لو كان مجرد تركيب لغوي اعتيادي، لكان العرب قادرين على الإتيان بمثله. وإذا قيل إن القرآن استخدم أسلوباً لغوياً مغايراً تماماً لما اعتادوه، فهذا يعني أنه بات نصاً غريباً عليهم، مما يتنافى مع قوله تعالى: (أفلا تعقلون)، إذ لا يمكن لعقل أن يدرك ما هو خارج عن نطاق فهمه تماماً.
وفي موضع آخر، يقول تعالى: (ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا: لولا فصلت آياته، أأعجمي وعربي؟ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى، أولئك ينادون من مكان بعيد) (فصلت: 44). تشير هذه الآية إلى أن حقيقة القرآن لا تنكشف إلا للمؤمنين، فهو لهم (هدى وشفاء)، بينما يبقى الكافر محجوباً عن إدراك عظمته، لأن أذنه مثقلة بالوقر، وبصره مغشى بالعمى، فلا يستطيع التفاعل مع نور القرآن. وهذه الحقيقة تؤكد أن الذين كفروا لا يمكنهم الإتيان بمثله، ليس بسبب عجزهم اللغوي فقط، بل لأنهم مصروفون عن إدراك جوهره.
وهذا يقودنا إلى تفسير جديد لمفهوم "الصرفة"، فبدلاً من القول بأن الله منع العرب قهرياً من محاكاة القرآن، يمكن القول إن الله حجب الكافرين عن رؤية نوره بسبب جحودهم، وتركهم لأنفسهم دون هداية، فصاروا غير قادرين على إدراك معانيه العميقة، فضلاً عن القدرة على مجاراته. وهذا المعنى يتوافق مع قوله تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً) (الإسراء: 45)، أي أن هناك ستاراً يفصل بين الكافرين وبين الفهم الحقيقي للقرآن، مما يجعلهم غير قادرين على الإتيان بمثله، لأنهم ببساطة لا يدركون حقيقته.
ويقول الله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (البقرة: 2). تتضمن هذه الآية إشارات جوهرية إلى ماهية القرآن، حيث تنفي عنه أي شك أو ريبة، مما يعني أنه متكامل من جميع الجوانب، سواء في مضمونه، أو أسلوبه، أو بيانه، أو هدايته. وهذا يؤكد أن الإعجاز القرآني لا ينحصر في عنصر واحد فقط، كالفصاحة، بل يمتد ليشمل جميع جوانبه. كما أن الآية ربطت بين إدراك هداية القرآن وبين التقوى، مما يعزز الفكرة التي ذكرناها سابقاً، وهي أن المؤمن هو الذي يدرك سرّ القرآن، بينما يظل الكافر مصروفاً عنه بسبب حجبه الروحي.
بناءً على ذلك، يمكننا إعادة فهم آيات التحدي بشكل أوسع. فالتحدي ليس مجرد مسابقة لغوية بين القرآن وبين كلام العرب، بل هو امتحان شامل لحقيقة القرآن في كل أبعاده. المؤمن يدرك عظمته ويسلم بأنه من عند الله، بينما الكافر لا يستطيع مجاراته، ليس فقط لعجزه عن الإتيان بمثله، ولكن لأن بصيرته محجوبة عن إدراك جوهره.
خاتمة
بناءً على ما تقدم، يتضح أن الإعجاز القرآني ليس محصوراً في فصاحته وبلاغته، بل هو منظومة متكاملة تشمل الهداية، والمعاني العميقة، والحقائق الإلهية التي تتجاوز حدود الإدراك البشري المعتاد. فالقرآن ليس مجرد نص لغوي متميز، بل هو نور وهداية، ومنهج شامل للحياة، يتفاعل مع العقول والقلوب بحسب استعدادها وقابليتها لتقبّل الحق.
كما أن التحدي الإلهي لم يكن موجهاً إلى الفصحاء وحدهم، وإنما إلى البشرية جمعاء، بما في ذلك أصحاب القلوب المنكرة، الذين ضرب الله بينهم وبين القرآن حجاباً، فلم يدركوا عظمته، ولم يكونوا قادرين على مجاراته، لا بسبب منع خارجي، ولكن لأن الظلمة التي تغشّت بصائرهم حالت بينهم وبين فهم حقيقته. وهذا ما يجعل الإعجاز القرآني يتجاوز حدود الصرفة التي قال بها البعض، ليكون قائماً على حقيقة أن من لم يُمنح نور الإيمان لا يمكنه أن يرى سر القرآن، فضلاً عن أن يأتي بمثله.
وهكذا، لو تأملنا جميع آيات القرآن، لوجدنا أن إعجازه لا يقتصر على جانب الفصاحة، بل هو نظام متكامل من الحقائق والمعاني والهداية، يستحيل على أي أحدٍ الإتيان بمثله، إذ لا يدرك حقيقته إلا من أُوتي نور الإيمان والبصيرة.