30 رجب 1447 هـ   19 كانون الثاني 2026 مـ 10:37 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | لماذا الدين؟ |  هل مشكلة العنف في الدين أم الإنسان؟
2026-01-04   110

هل مشكلة العنف في الدين أم الإنسان؟



الشيخ معتصم السيد أحمد


يتكرّر في الخطاب النقدي المعاصر اتهامٌ جاهز مفاده أنّ الدين هو السبب الأكبر للعنف في التاريخ الإنساني، وأنّ ما خلّفته الأديان من حروب ودماء ودمار يفوق ما أنتجته أي فكرة بشرية أخرى. وغالباً ما يُقدَّم هذا الادعاء بصيغة يقينية لا ترى حاجة إلى البرهنة، بل تتعامل معه كحقيقة بديهية لا تقبل النقاش. غير أنّ هذا النمط من الطرح، على شيوعه، يكشف عن إشكال عميق في طريقة قراءة التاريخ وفهم الإنسان وطبيعة الأفكار نفسها. فالسؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: كم قُتل باسم الدين؟ بل: هل كان الدين هو المحرّك الحقيقي للعنف، أم أنّ الإنسان هو الذي استثمر الدين كما استثمر غيره لتبرير نزعاته ومصالحه وصراعاته؟


إنّ قراءة التاريخ الإنساني قراءة متأنية تُظهر بوضوح أنّ العنف لم يكن ظاهرة دينية خالصة، ولا حتى ظاهرة دينية في جوهرها. فقبل الأديان، وبعدها، وبمعزل عنها، مارس الإنسان القتل والاستعباد والإبادة. الصراع على السلطة، والخوف من الآخر، والطمع في الثروة، والرغبة في الهيمنة، كلها دوافع رافقت الإنسان منذ بدايات تشكّل المجتمعات. وإذا كان الدين قد دخل أحياناً في هذا السياق، فإنّه لم يكن دائماً السبب، بل كان في كثير من الأحيان الغطاء أو اللغة التي صيغ بها الصراع. وهذه نقطة محورية يغفل عنها الخطاب الذي يحمّل الدين وحده مسؤولية العنف، إذ يخلط بين «السبب» و«التبرير»، وبين «الدافع الحقيقي» و«الشعار المرفوع».


ولو تأملنا في أكثر الفترات دموية في التاريخ الحديث، لوجدنا أنّها وقعت في سياقات تراجعت فيها المرجعية الدينية أو أُقصيت بالكامل عن المجال العام. الحروب العالمية، ومعسكرات الإبادة، والمجازر الجماعية، والأنظمة الشمولية التي أبادت شعوبها باسم الأمة أو العرق أو الطبقة أو التقدم، لم تكن نتاجاً لعقائد دينية، بل لخيارات بشرية خالصة. ومع ذلك، نادراً ما نسمع من يقول إنّ القومية أو الدولة أو العلم أو الفلسفة الوضعية هي «أفكار إجرامية» يجب التخلص منها، رغم أنّها استُخدمت في تلك السياقات بأبشع الصور. هذا الكيل بمكيالين يكشف أنّ المشكلة ليست في العنف ذاته، بل في الموقف المسبق من الدين.


ومن الأخطاء المنهجية الشائعة في هذا النقاش عدم التمييز بين الدين بوصفه منظومة قيمية ونصية، وبين التديّن بوصفه ممارسة بشرية تاريخية. فالدين، في نصوصه المؤسسة، يضع قيوداً صارمة على العنف، ويؤكد على حرمة النفس الإنسانية، ويجعل العنف استثناءً لا أصلاً، ويُخضعه لشروط أخلاقية دقيقة. أما ما فعله البشر باسم الدين، فقد كان في كثير من الأحيان خروجاً صريحاً على هذه المبادئ، لا تجسيداً لها. إنّ إنساناً يقتل بدافع الطمع أو السلطة ثم يرفع شعار الدين، لا يجعل من الدين سبباً لجرمه، تماماً كما أنّ من يقتل باسم الحرية لا يجعل من الحرية فكرة إجرامية.


ويتجلّى هذا الخلل في الفهم أيضاً في الطريقة التي تُقرأ بها الأحكام الدينية قراءةً مبتورة، تُفصل فيها النصوص عن سياقاتها التاريخية والأخلاقية، ثم تُقدَّم بوصفها تناقضات داخلية في المنظومة الدينية. فبدلاً من النظر إلى التشريع الديني باعتباره نظاماً متكاملاً يهدف إلى ضبط السلوك الإنساني في ظروفه الاعتيادية والاستثنائية معاً، يجري اقتطاع بعض الأحكام من إطارها العام، وتحميلها دلالات لا تحتملها، وكأنّ الدين يشرّع الفوضى حين تعجز القراءة السطحية عن فهم منطق التنظيم والضبط الكامن خلفها. والحقيقة أنّ كثيراً من هذه الاتهامات لا تكشف عن إشكال في القيم الدينية بقدر ما تكشف عن إصرارٍ على قراءة الدين خارج بنيته الكلية، ثم محاكمته بمعايير مجتزأة لا تُطبَّق حتى على النظم الوضعية الحديثة، التي تميّز هي الأخرى بين الحالات العادية والظروف الاستثنائية دون أن تُتَّهم بالتناقض الأخلاقي. 


وفي مقابل النقد للدين، يُقدَّم الإلحاد أحياناً بوصفه بديلاً أخلاقياً «محايداً»، لا يفرض منظومة قيمية، بل يترك تنظيم السلوك الإنساني لعلماء النفس والاجتماع. غير أنّ هذا الطرح، عند تفكيكه، يكشف عن فراغ أخلاقي خطير. فالعلوم الإنسانية، مهما بلغت من التطور، هي علوم وصفية في الأساس؛ تشرح كيف يتصرّف الإنسان، لكنها لا تجيب عن سؤال: لماذا يجب أن يتصرّف على نحو معيّن؟ القول إنّ الإنسان لا يسرق ولا يقتل لأنه يخشى العقوبة الاجتماعية أو العزلة، لا يؤسّس أخلاقاً، بل يختزلها إلى مصلحة. وبموجب هذا المنطق، إذا زالت الرقابة أو امتلك الفرد من القوة ما يقيه المحاسبة، انتفى أي مانع أخلاقي حقيقي من الجريمة.


وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج إقصاء المرجعية المتعالية: تحوّل الأخلاق إلى نسبية خاضعة للتوافق الاجتماعي أو لموازين القوة. فما تعتبره الأغلبية صواباً يصبح صواباً، ولو كان ظلماً، وما تراه السلطة مصلحة يصبح مبرّراً، ولو كان سحقاً للإنسان. والتاريخ الحديث شاهد حيّ على مجتمعات امتلكت أدوات علمية وإدارية متقدمة، لكنها افتقدت الضابط الأخلاقي المتجاوز، فانزلقت إلى ممارسات وحشية باسم النظام أو التقدم أو الضرورة التاريخية.


إنّ الحديث عن «حلّ الجرائم بالوسائل العلمية» يظلّ ناقصاً ما لم يُجب عن السؤال القيمي الجوهري: لماذا نعدّ الجريمة شراً؟ ولماذا يجب حماية الإنسان الضعيف؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها المختبر، ولا تُحسم بالإحصاء. العلم يحدّد الوسائل، لكنه لا يحدّد الغايات. وحين تُفصل الغايات عن أي أساس أخلاقي متجاوز، تصبح قابلة للتلاعب والتبرير وفق المصالح.


في هذا السياق، يظهر الدين حين يُفهم في أفقه الصحيح لا بوصفه مصدراً للعنف، بل بوصفه محاولة لتأسيس معنى أخلاقي يتجاوز الإنسان نفسه. الإيمان بالله يمنح القيم صفة الإلزام، ويجعل العدالة واجبة حتى حين تتعارض مع المصلحة، ويجعل كرامة الإنسان مصونة حتى حين يكون ضعيفاً أو مختلفاً. وهو لا يلغي العقل ولا العلم، بل يضعهما في إطار قيمي يمنع تحوّلهما إلى أدوات قهر.


وليس من قبيل المصادفة أنّ كثيراً من القيم التي تُعدّ اليوم بديهيات إنسانية كحرمة النفس، وكرامة الإنسان، والمساءلة الأخلاقية للسلطة تشكّلت تاريخياً في سياقات دينية، حتى وإن جرى لاحقاً علمنتها وإعادة صياغتها بلغة حقوقية. فالدين لم يكن عبئاً على المسار الإنساني، بل كان في لحظات مفصلية ضميراً ناقداً للسلطة والعنف.


من هنا، يتضح أنّ المشكلة ليست في الدين من حيث هو دين، بل في الإنسان حين يتكلم باسمه دون أن يلتزم بروحه وقيمه. الإنسان هو الكائن القادر على تحويل أي فكرة دينية كانت أو علمانية إلى أداة للخير أو للشر. والدين، مثل غيره من الأفكار الكبرى، يمكن أن يُساء استعماله، لكن إساءة الاستعمال لا تُبطل الفكرة في ذاتها.


إنّ السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح ليس: هل الدين سبب العنف؟ بل: هل يستطيع الإنسان أن يؤسّس أخلاقاً ملزمة ومستقرة دون مرجعية تتجاوز أهواءه ومصالحه؟ والجواب عن هذا السؤال هو ما يحدّد ما إذا كان الدين مشكلة يجب التخلص منها، أم ضرورة أخلاقية لا غنى عنها في عالم تتعاظم فيه أدوات القوة أكثر مما تتعاظم فيه أدوات الضمير. 


في المحصّلة، لا يكمن جوهر العنف في الدين بوصفه منظومة قيمية، بل في الإنسان حين يفصل النص عن روحه، والقيمة عن غايتها، ويحوّل أي فكرة يمتلكها إلى أداة لتبرير نزعاته في السيطرة والإقصاء. فالدين، كما غيره من الأفكار الكبرى، يمكن أن يُساء استعماله، لكن إساءة الاستعمال لا تُدين الفكرة بقدر ما تكشف عن مأزق الإنسان الأخلاقي حين يغيب الضابط المتعالي. ومن هنا، فإنّ السؤال الأجدر بالطرح ليس كيف نتخلّص من الدين، بل كيف نعيد الإنسان إلى مسؤوليته الأخلاقية في فهمه وتوظيفه لما يؤمن به.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م