27 رجب 1447 هـ   16 كانون الثاني 2026 مـ 3:59 مساءً كربلاء
سجل الايام
في مثل هذا اليوم من السنة الأربعين بعد عام الفيل ـ الموافق سنة (610) لميلاد السيد المسيح ـ أي قبل الهجرة النبوية الشريفة بثلاثة عشر عاما، بُعث محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله نبيا يحمل الرسالة الخاتمة ـ الإسلام ـ وكان الإسلام بذلك، أخر الأديان والنبي محمد خاتم الأنبياء والمرسلين
القائمة الرئيسية

 | أفكار ونظريات |  هل النجاح الدنيوي دليل على صحة المعتقد؟
2026-01-07   90

هل النجاح الدنيوي دليل على صحة المعتقد؟

قراءة قرآنية في سنن الرزق

الشيخ مصطفى الهجري


جاء في رسالة بولس إلى أهل كورنثوس قصة تحكي لقاء بين قروي ملحد ومؤمن مسيحي، خلاصتها: أن الملحد انتقد توكل المؤمن على الله في الزراعة وجني المحصول، وقال له: لنزرع معاً، أنت ادعُ الله وأنا أسبه ـ والعياذ بالله ـ ولنرَ أيُّنا يحصد محصولاً أوفر. فلما جاء شهر أكتوبر (تشرين الأول) ـ كما تروي القصة ـ حصد الملحد محصولاً وافراً عظيماً، فأخذ يسخر من رفيقه المؤمن قائلاً: أرأيت أيها الأحمق! ماذا لديك لتقوله الآن؟


فأجابه المؤمن بهدوء: "إن الله لا يصفي حساباته في شهر أكتوبر."


يظن بعض الناس أن ما يحققه غير المؤمنين من تقدم ونجاحات على المستويات التقنية والاقتصادية وغيرها، في الوقت الذي يعاني فيه كثير من المؤمنين من الفقر والجهل والمرض والإخفاقات الإدارية والفساد المالي، يتعارض مع عدل الله تعالى، ومع ما نعرفه من اختصاص رحمته ومحبته بالمؤمنين.


وقد عالج القرآن الكريم هذه المسألة في قوله تعالى: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ. وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) الزخرف: 33 ـ 35.


فبينما عالج النص الإنجيلي هذه الإشكالية من خلال التأكيد على أن الرزق الواسع أو الضيق ليس دليلاً على صحة المعتقد أو خطئه، وليس جزاءً مباشراً على أعمال الناس ومعتقداتهم، نجد أن القرآن الكريم ـ بالإضافة إلى ذلك ـ يشير إلى مبدأ مهم، وهو أن الله تبارك وتعالى جعل الناس جميعاً، مؤمنهم وكافرهم، متساوين أمام أسباب النجاح المادي. فمن أخذ بهذه الأسباب وتوافرت له، نال النجاح حتى لو كان كافراً.


يقول العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان: «ويمكن أن يكون المراد بكون الناس أمة واحدة كونهم جميعا على نسبة واحدة تجاه الأسباب العاملة في حظوظ العيش من غير فرق بين المؤمن والكافر، فمن سعى سعيه للرزق ووافقته الأسباب والعوامل الموصلة الأخرى نال منه مؤمنا كان أو كافرا، ومن لم يجتمع له حرم ذلك وقتر عليه الرزق مؤمنا أو كافرا. والمعنى: لولا ما أردنا أن يتساوى الناس تجاه الأسباب الموصلة إلى زخارف الدنيا ولا يختلفوا فيها بالايمان والكفر لجعلنا لمن يكفر، الخ.» الميزان: ج18، ص101.


وهكذا نفهم أن الدنيا بزينتها وزخرفها ليست معياراً لتقييم صحة المعتقد أو قرب العبد من ربه. فالله تعالى جعل أسباب النجاح المادي متاحة للجميع، وفق سنن كونية ثابتة لا تحابي مؤمناً ولا كافراً. فمن أخذ بالأسباب وتوافرت له الظروف، نال نصيبه من الدنيا بغض النظر عن إيمانه أو كفره.


أما الحساب الحقيقي والجزاء العادل، فليس في شهر أكتوبر من هذه الدنيا الفانية، بل في الآخرة حيث يتجلى عدل الله الكامل، وحيث يكون الفوز الحقيقي للمتقين. فما الدنيا وما فيها إلا متاع زائل، والآخرة هي دار القرار والجزاء الأوفى.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م