
| مقالات | الإنسان بين نداء السماء وجاذبية الأرض

الإنسان بين نداء السماء وجاذبية الأرض
الشيخ معتصم السيد أحمد
ليس الإنسان في الرؤية القرآنية كائناً بسيطاً يمكن اختزاله في بعد واحد، ولا حقيقة أحادية يمكن فهمه من خلالها. فهو ليس ملاكاً منزهاً عن الشهوة، ولا حيواناً تحكمه الغريزة وحدها، بل هو كائن مركّب، تتجاذبه قوتان متقابلتان: قوة تشده إلى الأعلى حيث المعنى والغاية والقيم، وقوة تسحبه إلى الأسفل حيث اللذة والمادة والاندفاع الغريزي. ومن هذا التركيب الخاص تنشأ خصوصية الإنسان، وتنفتح أمامه ساحة الاختبار الكبرى التي بها يستحق التكريم أو يتحقق السقوط.
حين يقول القرآن الكريم: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، فإنه لا يقدّم وصفاً أخلاقياً مجرداً، بل يضع يده على البنية الداخلية للنفس الإنسانية. النفس ليست صفحة بيضاء خالية من الميول، كما أنها ليست شرّاً خالصاً محكوماً عليه بالهلاك، بل هي كيان يحمل الاستعدادين معاً: استعداد الانحراف واستعداد الاستقامة. ومن هنا فإن الإنسان لا يُدان لمجرد امتلاكه دوافع الشر، كما لا يُمدح لمجرد معرفته بالخير، وإنما يُقاس بما يختاره، وبالجهة التي يقرّر أن ينتمي إليها بإرادته.
إن هذا التركيب المزدوج هو سرّ الامتحان الإلهي، فلو كان الإنسان خيراً محضاً لما كان للاختيار معنى، ولو كان شراً محضاً لما قامت عليه الحجة. إنما الحكمة في أن يُخلق الإنسان وهو قادر على الصعود وقادر على الهبوط، ثم يُترك له أن يحدّد موقعه بنفسه. ولهذا جاء التعبير القرآني حاسماً: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾، فالفلاح والخسران ليسا قدراً مفروضاً، بل نتيجة مسار.
الإنسان، في أصل تكوينه يولد ضعيفاً، جاهلاً، محتاجاً، ثم يُمنح الأدوات التي تمكّنه من تجاوز هذا النقص: العقل، والإرادة، والقدرة على التعلم، والاستجابة للهدى. ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، لا بوصفه حكماً نهائياً على الإنسان، بل توصيفاً لحاله الأولى قبل أن يشتغل على نفسه، وقبل أن يحوّل الاستعداد إلى إنجاز.
إن الظلم والجهل ليسا قدراً محتوماً، وإنما حالة ابتدائية، والكمال ليس صفة ذاتية، بل ثمرة جهد. فالإنسان لا يكون عالماً إلا إذا طلب العلم، ولا يكون عادلاً إلا إذا جاهد أهواءه، ولا يكون حراً إلا إذا تحرر من عبودية الشهوة. ولهذا كانت الأمانة التي حملها الإنسان – كما يفهم من السياق القرآني – هي أمانة الإرادة والمسؤولية، أي القدرة على أن يختار، وأن يتحمل نتائج اختياره.
ومن أخطر ما يواجه الإنسان في هذا المسار هو وهم الاكتفاء بالمادة، والركون إلى الأرض، والانغماس في العاجل على حساب الآجل. فالقرآن حين يربط اتباع الهوى بالخلود إلى الأرض، فإنه لا ينتقد التمتع بالحياة في حد ذاته، بل يحذّر من تحوّل الدنيا إلى مركز الوجود، ومن اختزال الإنسان في بعده الجسدي. إن المشكلة لا تبدأ من امتلاك الشهوة، بل من أن تتحول الشهوة إلى إله يُطاع، ومن أن يصبح الهوى مرجع القرار.
ولهذا جاء التحذير القرآني شديداً في تصوير من استسلم لهواه، فشبّهه بالكلب اللاهث الذي لا يعرف الشبع، في إشارة إلى أن الإنسان حين يفقد البوصلة القيمية يدخل في حلقة مفرغة من الطلب المستمر دون ارتواء. فالدنيا، بطبيعتها، لا تعطي من يطلبها حدّ الكفاية، بل تفتح شهيته على المزيد، حتى يصبح أسير اللهث الدائم.
وفي مقابل هذا الانحدار، يقف العقل والروح بوصفهما قوتين رافعتين للإنسان. فالعقل ليس مجرد أداة حسابية، بل هو نور يكشف المعنى، والروح ليست حالة غيبية غامضة، بل هي قابلية الإنسان للسمو، ولتجاوز اللحظة، وربط الفعل بالغاية. ومن هنا فإن الصراع الحقيقي في حياة الإنسان ليس بينه وبين العالم الخارجي، بل بينه وبين نفسه.
هذا الصراع هو ما عبّر عنه القرآن والنصوص الدينية بالجهاد الأكبر، لأن العدو هنا ليس خصماً خارجياً يمكن تحديده في زمان ومكان، بل هو ميل داخلي دائم الحضور، يتلون بأشكال مختلفة، ويتسلل من أوسع الأبواب. فالنفس، بطبعها، تميل إلى العاجل، وتأنس بالراحة، وتكره المشقة، ولا تحتاج إلى من يشجعها على الشهوة، بل إلى من يضع لها حدوداً.
ولهذا فإن معرفة الإنسان بأن نفسه أمارة بالسوء لا تكفي، ما لم تتحول هذه المعرفة إلى مشروع مواجهة. فالتزكية ليست شعاراً أخلاقياً، ولا قراراً لحظياً، بل مسار طويل من المراقبة والمحاسبة وإعادة التوازن. وهي ليست مرحلة يصل إليها الإنسان ثم يستريح، بل حالة دائمة من اليقظة، لأن النفس لا تكف عن المطالبة، والهوى لا يتوقف عن الإغراء.
إن الإنسان، إذا تُرك دون مقاومة، ينحدر تلقائياً، كما أن السقوط من قمة الجبل لا يحتاج إلى جهد، بينما البقاء في الأعلى يتطلب مقاومة مستمرة. ومن هنا نفهم لماذا ربط القرآن بين الخسارة وبين الزمن نفسه في سورة العصر، وكأن الأصل في الإنسان هو الخسارة، والاستثناء هو النجاة، ولا تتحقق النجاة إلا بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر.
ولا يكتمل الحديث عن الصراع الداخلي في الإنسان من دون التوقف عند البعد الاجتماعي لهذا الصراع، فالنفس لا تعمل في فراغ، وإنما تتأثر بالبيئة، والثقافة، ونمط القيم السائدة. فالإنسان الذي يعيش في مجتمع يمجّد الاستهلاك، ويقيس النجاح بما يُملك لا بما يُنجز أخلاقياً، يجد نفسه محاطاً بعوامل تغذّي جانب الهوى وتضعف صوت العقل. ومن هنا لا يكون جهاد النفس شأناً فردياً صرفاً، بل هو أيضاً موقف نقدي من السياق الذي يعيش فيه الإنسان، وقدرة على عدم الذوبان في القيم السائدة حين تكون منحرفة.
ولهذا كان القرآن شديد الحساسية تجاه ما يسميه “الزينة” و“الغرور”، لأن الخطر لا يكمن في وجود النعمة، بل في تحوّلها إلى معيار للكرامة الإنسانية. فحين تُقاس قيمة الإنسان بماله أو مظهره أو موقعه، تتراجع القيم الداخلية، ويصبح الإنسان مستعداً للتنازل عن مبادئه مقابل مكاسب عابرة. وهنا يتحول الصراع من كونه مع النفس فقط إلى صراع مع منظومة كاملة تشرعن الشهوة وتُضعف معنى المسؤولية.
وفي هذا السياق، تتضح أهمية الوعي، لأن كثيراً من الانحرافات لا تبدأ من قرار واعٍ بالشر، بل من تبرير متدرّج، ومن تسويغ داخلي يجعل الإنسان يتصالح مع الخطأ. فالنفس لا تدفع الإنسان مباشرة إلى الهاوية، بل تقوده إليها خطوة خطوة، تحت عناوين براقة: “الواقعية”، “الضرورة”، “الظرف”، “الجميع يفعل ذلك”. ومن هنا كانت المحاسبة الذاتية عنصراً مركزياً في تزكية النفس، لأنها تكسر دائرة التبرير، وتعيد الإنسان إلى موقع المسؤولية.
كما أن من أخطر مظاهر الخلل في فهم تزكية النفس تحويلها إلى حالة قمع للذات أو عداء للجسد، وكأن المطلوب من الإنسان أن يلغي رغباته أو ينكر حاجاته الطبيعية. بينما الرؤية القرآنية لا تدعو إلى قتل الشهوة، بل إلى تهذيبها، ولا تطلب من الإنسان أن يخرج من الدنيا، بل أن لا يجعل الدنيا تخرج به عن إنسانيته. فالشهوة حين تضبط بالعقل تتحول إلى طاقة بناء، وحين تُترك بلا ضابط تتحول إلى أداة هدم.
ومن هنا نفهم أن التوازن هو جوهر التجربة الإنسانية، وأن الكمال لا يتحقق بالانفصال عن الواقع، بل بإدارته إدارة واعية. فالإنسان ليس مدعواً إلى الهروب من الحياة، بل إلى إعطائها معناها الصحيح، بحيث تكون وسيلة لا غاية، وجسراً لا مستقراً. وهذا الفهم هو الذي يحرر الإنسان من التناقض الداخلي، ويجعله يعيش انسجاماً بين ما يؤمن به وما يمارسه.
ولهذا فإن القرآن حين يخاطب الإنسان، يخاطبه بوصفه فرداً مسؤولاً، لا مجرد ترس في آلة اجتماعية. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، من إعادة بناء العلاقة مع النفس، ومع الله، ومع القيم. وحين يستقيم الداخل، يصبح الخارج قابلاً للإصلاح، أما محاولة تغيير الواقع دون تغيير الإنسان، فهي غالباً إعادة إنتاج للأزمة بأشكال جديدة.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن معركة الإنسان الحقيقية ليست مع الزمن ولا مع الظروف، بل مع نفسه. فالزمن لا يظلم أحداً، وإنما يكشف الخيارات، والظروف لا تصنع الإنسان بقدر ما تُظهر ما فيه. ومن ينتصر في هذه المعركة الداخلية، لا يربح نفسه فقط، بل يربح قدرته على المعنى، وعلى العطاء، وعلى أن يكون شاهداً على القيم في عالم مضطرب.
وهكذا يعود الإنسان، في نهاية المطاف، إلى السؤال الجوهري: كيف أعيش؟ لا بمعنى كيف أُشبع حاجاتي، بل كيف أحقق إنسانيتي. وبين نداء السماء وجاذبية الأرض، يبقى الإنسان واقفاً في المنتصف، حراً في اختياره، مسؤولاً عن مصيره، وصانعاً لقيمته بقدر ما ينجح في أن يكون سيد نفسه لا أسيرها.


