8 شوال 1445 هـ   17 نيسان 2024 مـ 11:27 صباحاً كربلاء
سجل الايام
في مثل هذا اليوم من عام 1344هـ، فجرت اليد الوهابية الاثمة، قبور أئمة البقيع من حواريي نبي الإسلام والتي تضم كل من الإمام الحسن المجتبى والإمام علي السجاد والإمام محمّد الباقر والإمام جعفر الصادق عليهم السلام.
القائمة الرئيسية

 | حقوق الإنسان |  رعاية الأسير في الإسلام... المنهج العلوي إنموذجا
2022-07-06   600

رعاية الأسير في الإسلام... المنهج العلوي إنموذجا

أولى القرآن الكريم اهتماما كبيرا بالأسير، وأسس لمنظومة حكمية بخصوصه، حفاظا على أدميته من جهة، وتبيانا لسماحة الدين الإسلامي من جهة ثانية ومن ذلك قوله تعالى ((وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا))(سورة الإنسان ـ 8) 
كما حصل الأسير على اهتمام النبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله، بدءاً من إطعامه وانتهاءً بإسكانه، مرورا بحسن التعامل معه، وقد آثر عليه الصلاة والسلام أسارى جنود العدو على نفسه وجنوده، خصوصا في المأكل والمشرب ومن ذلك حادثة أسر عزير بن عمير، وكيف منحه النبي صلوات الله عليه وآله أطيب الخبز وباقي الأطعمة في وقت منح من أسره من المسلمين تمر وماء وما بقي من طعامه. 
وعهد عنه عليه الصلاة والسلام بأنه كان يجيب الأسير اذا طلب طعام، مهما كانت ظروف الحرب،  بعد أن يطلب من صحابته جمع الطعام وتقديمه له على نحو يحفظ به كرامته.
أما من الجهة المعنوية والنفسية، فقد أسس عليه الصلاة والسلام لثقافة إنسانية ليس لها مثيل حيال الأسرى، مثل تنويرهم بالدين الاسلامي الحنيف وتعليمهم القراءة والكتابة اذا تطلب الأمر، وهو ما حدث بالضبط مع أسرى بدر فضلا عن أسرى بني القينقاع وبني النضير وبني قريظة الذين حررهم ثم اطلق سراحهم بعد أن قال قولته العظيمة اوصيكم بالأسرى خيراً.  
وتتمة للمنهج النبوي الكريم، سار وصيه أمير المؤمنين عليه السلام وفقا لهذه النظرية الالهية حيال الأسرى، فيذكر عنه عليه السلام أنه دعا أولاده واصحابه إلى صيانة حقوق الأسير وعمل على ذلك بشكل عملي، ومن ذلك إدامة العطف والإحسان على الأسرى مهما كانت ظروف وملابسات الحرب، خصوصا فيما يتعلق بحياتهم وسلامتهم الشخصية من أي ردة فعل غير محسوبة كالانتقام مثلا، فكان عليه السلام يقول لمن يؤسر لن اقتلك صبراً، إني اخاف الله رب العالمين، حيث كان يأمر بتجريده من سلاحه، ومن ثم الحلف (القسم) بعدم معاودة القتال، ثم يهبه (4) دراهم وربما اوجد له ما يسبب له رزقه.
وتأكيدا لنهجه الإنساني، أسس أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام محكمة خاصة لمقاضاة القتلة ومجرمي الحرب من الاسرى، بل وشملت المسلمين ممن بغى وتغطرس، وهي محكمة عدلية تؤسس لتبيان خطأ المجرم ـ مهما كان ـ وتعريفه بذنبه والقاء الحجة عليه، فضلا عن جعله عبرة لغيره، دن إهانة لإنسانيته أبدا، إنما معاقبته بنحو يضمن من خلاله فلسفة الردع ومعاقبته بقدر جنايته تحقيقا للعدل والحق، خصوصا لمن يستهين بحقوق غيره من الناس ويروع حياتهم.
كما أكد عليه السلام على ضرورة مراعاة حقوق الأسير طيلة فترة أسره وحبسه، على اعتبار أنها حقوق إنسانية نص عليه القرآن الكرين وأكد عليها سيد البشر صلوات الله عليه وآله، وقد ورد عن عليه السلام أنه قال اطعام الاسير والاحسان اليه حق واجب وان قتلته من الغد، حيث يقصد أن له حق على من اسره؛ حتى وإن قُرب موعد قتله قصاصا، وأفضل شاهد تاريخي على ذلك، وصيته لأولاده بالاعتناء بقاتله اللعين عبد الرحمن ابن ملجم، وضرورة معاملته بالحسنى، وأن يُقتص منه ضربة بضربة ودون مثلة به، سيراً منه على المنهجية القرآنية اذ قال عليه السلام أنه أسير؛ فأحسنوا نزله واكرموا مثواه، بل واكد في قول أخر احبسوا هذا الاسير واطعموه، وأحسنوا اساره، فان عشت فأنا اولى بما صنع بي إن شئت استقدت، وان شئت عفوت، وان شئت صالحت، وان مت فذلك اليكم، فان بدا لكم ان تقتلوه فلا تمثلوا به، ثم التفت عليه السلام الى ولده الامام الحسن المجتبى عليه السلام وهو على فراش الشهادة قائلا أرفق يا ولدي بأسيرك وارحمه، وأحسن إليه وأشفق عليه، ألا ترى إلى عينيه قد طارتا في أم رأسه، وقلبه يرجف خوفاً ورعباً وفزعاً، فقال له  الامام الحسن عليه السلاميا أباه قد قتلك هذا اللعين الفاجر وأفجعنا فيك وأنت تأمرنا بالرفق به؟ فقال له نعم يا بني نحن أهل بيت لا نزداد على الذنب إلينا إلا كرما وعفوا، والرحمة والشفقة من شيمتنا لا من شيمته، بحقي عليك فأطعمه يا بني مما تأكله، واسقه مما تشرب، ولا تقيد له قدما، ولا تغل له يدا، فإن أنامت فاقتص منه بأن تقتله وتضربه ضربة واحدة؛ ولا تمثل بالرجل فإني سمعت جدك رسول الله صلى الله عليه وآله يقول إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور، وإن أنا عشت فأنا أولى بالعفو عنه، وأنا أعلم بما أفعل به، فإن عفوت فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلا عفوا وكرما.
من جهة أخرى، منح أمير المؤمنين عليه السلام الجانب الروحي والفكري للأسير اهتماما منقطع النظير،  حيث ورد عنه عليه السلام أنه كان يعرض على الاسير البيعة والدخول في الطاعة؛ فأن بايع خُلي سبيله وأصبح حراً، وإن أبى؛ أُخذ منه سلاحه وحُلّف بأن لا يعود للقتال ويطلقه.
وهو لعمري هدف نبيل وخلق كريم وشرف للخصومة، مهما كان الخصم، وليس يتقنه الا أمير المؤمنين علي عليه السلام، وقد أسهم هذا الأسلوب في وأد ثقافة التشفي والانتقام التي كان سائدة في حروب الجاهلية، وردحا من بدء الإسلام، وهو ما جعل الكثير من الأسرى يميلون الى كفة الحق، ويصيرون بجانب أمير المؤمنين، سواء انخرطوا في جيشه أو تركوا السلاح وعاشوا بين المسلمين بأمن وسلامة. 
وبذلك فقد أوضح عليه السلام سماحة الشريعة الاسلامية، وبيّن بما ليس فيه لبس، أهداف حروب الإمام علي عليه السلام، وكيف يحاول أن ينقذ العدو من ضلالته بإرجاعه لأدميته بعد أن يجلي الغبار عن بصيرته، وكان عليه السلام بذلك مصداقا للروح القرآنية والشرعة المحمدية من خلال تطبيقه للنص السماوي بشكل واقعي بعيدا عما كانت تتسم به المرحلة من قسوة وجلفة وغلظة قلب.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م