8 شوال 1445 هـ   17 نيسان 2024 مـ 11:07 صباحاً كربلاء
سجل الايام
في مثل هذا اليوم من عام 1344هـ، فجرت اليد الوهابية الاثمة، قبور أئمة البقيع من حواريي نبي الإسلام والتي تضم كل من الإمام الحسن المجتبى والإمام علي السجاد والإمام محمّد الباقر والإمام جعفر الصادق عليهم السلام.
القائمة الرئيسية

 | أحكام مجتمعية |  هل من تقاطع بين رحمة الإسلام وتطبيقه للحدود والتعزيرات؟
2022-07-12   502

هل من تقاطع بين رحمة الإسلام وتطبيقه للحدود والتعزيرات؟

من باب الرحمة الإلهية بالمسلمين؛ جاء تشريع الدين الإسلامي لقوانين كلية، تُشكل بمجملها منظومة إنسانية تردع المعتدين وتنظم حياة النسا دون تقاطع، خصوصا في حدها للذين ينتهكون حرمات الناس، والذين أخرجهم الله من محبته بسوء أفعالهم ((......إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)) (البقرة-190).
وقد شرع الإسلام، فلسفة القصاص والحدود والتعزيرات، كعقوبات انضباطية، لغرض حفظ مصلحة الفرد والمجتمع، وذلك بحفظ الدين والنفس والعِرضَ والمال، فضلا عن حفظها للحياة وسلمية العيش فيها، حيث يفضي تطبيقها - الحدود والتعزيرات - إلى منع الجريمة ومعاقبة المجرمين، ليكون التوادد والتراحم بديلا للعلاقات بين المسلمين وعوضا عن البغضاء والاعتداء، ولا يكون هذا إلا بدفع شرور النفوس التي لا تحترم الحياة، لأنها نفوس أمارة بالسوء؛ يستهويها الاعتداء على الغير وتتفنن به، بسبب ميلها لجانب الفجور الذي ألهمت به كميل فطري غريزي ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا () فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا () قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا () وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)) (الشمس-7-8-9-10) وما كان القصد من ذلك إلا إقامة الحجة على الناس، حتى يقام العدل الإلهي الذي يستوجب معرفة النفوس للفجور والتقوى، بما يجعلها ـ النفوس ـ على بينة من أمرها في اختيار النهج الذي يطبع سلوكها كي تتحدد مسؤوليتها عن افعالها يوم الحساب.
ووفقا لذلك الميل الفطري -الفجور- الذي شكل الأصل والأساس في عدوانها على الآخرين، كان الحكم عليها بالخيبة والخسران إن لم تتطهر وتتزكى من تلك الأدران والآثام التي تلازمها. 
وقد استمدت هذه العقوبات شرعيتها من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة ((يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) (البقرة-178) كتنظيم لحياة الناس ومنع التزاحم في المصالح التي قد تحرك نزعات الأنا، حيث العمل والحكم بها من الإيمان، والابتعاد عنها كفر ونفاق كما جاء بالنص القرآني الكريم ((.............وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) (المائدة- 44).
كما إن غياب الحدود والتعزيرات يجعل الحياة غابة افتراس تكون الغلبة فيها والبقاء للأقوى، لتكون حياة بلا جمال يذكر، حيث القتل بديلا عن السلام، والنفور بديلا عن الوئام والانسجام، لذلك ومن باب تنظيم حياة الفرد والمجتمع، كانت العقوبات ـ بالقصاص والحدود والكفارة والتعزيرـ ضرورية لإقامة العدل والسلم المجتمعيين.

القصاص ..
عقوبة شرعية تقضي بمعاقبة الجاني بمثل فعلته، والقصاص لغة يأتي بمعنى المساواة والتتبع، وقيل القص بمعنى القطع ومنه أخذ القصاص لأنه يجرحه به أو يقتله وهو من باب المعاملة بالمثل ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (البقرة ـ 179) حيث يتبع الجاني لأخذ الحق منه بالعقوبة، ويتبع المجني عليه ليرد له حقه، ومعنى أن في القصاص حياة هو في ردع المجرم من ارتكاب جريمته التي تسبب بالقصاص قتله، وهنا يتم الحفاظ على حياته، كذلك الحفاظ على حياة المجني عليه من خلال منع الجريمة من أن تقع ((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فمن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) (المائدة-45).
والحكمة من تشريع القصاص هي 
1. تفريغ شحنة الغضب عند المجني عليه أو عند أولياءه منعا لأخذ الثأر أو الانتقام من الجاني.
2. إن العقوبة بالمثل ـ القصاص ـ تُشكل رادعا وزاجرا يبعث الخوف في نفس كل من يفكر بارتكاب جريمة، حيث مصيره اجلا، المعاملة بالمثل كعقوبة على فعلته.
3. تحقيق السلم المجتمعي ما بين المسلمين، إذ لا بد من تطبيق القصاص كعقوبة شرعية رادعة تمنع حدوث الجريمة ليعيش المجتمع الإسلامي بأمن وسلام.
4. يعتبر حلا شرعيا لفض النزاعات والخلافات الحاصلة بين المسلمين حيث يمثل أساس نظرية العقوبات في الشريعة الإسلامية.

ويقسم القصاص حسب نوع الجريمة الى:
1. قصاص من النفس ويتمثل بقتل النفس بالعمد ((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ........)) (المائدة-45).
2. قصاص فيما دون النفس مثل قطع الأطراف والجروح الجسدية.
3. القصاص بسبب هدر مال الغير وتدمير ممتلكاته وهذا يكون بالتعويض المالي بعد تقديره من الحاكم الشرعي.
4. القصاص في العدوان العمد حيث من شروطه أن يكون الجاني عاقلا بالغ سن التكليف يعرف ما يفعل، باستثناء حالة الدفاع عن النفس عندما يكون الجاني على حق أو في استعادة حق مسلوب.

الحدود..
عقوبات تم تقديرها شرعا وبنص قرآني مثل قطع يد السارق ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) (المائدة 38)، ويخضع هذا الحد عند الحاكم الشرعي لتقدير ظرف السرقة ونوعها والأسباب التي دفعت إليها ومثلها حد الزنا بمائة جلدة كما ورد في نص آية من سورة النور ((لزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)) (النور-2).

التعزير..
وهو التأديب في حالة وقوع جرائم لم يشرع لها حدود، وله معان لغوية أخرى مثل التعظيم والنصر بالسيف والمنع، والتعزير عقوبة من ولي الأمر تخضع لتقديره حيث لم يرد نص شرعي في الجريمة المرتكبة تصل عقوباته حد الحبس أو الجلد أو الزجر والتوبيخ وحلق الرأس أو دفع الغرامة والأصل فيه ألا يبلغ حد القتل وقد جوز بعض الفقهاء القتل في حالة التجسس على المسلمين أو نشر البدع او التجارة بالمخدرات. 

وأخيرا فأن الغاية من منظومة العقوبات هذه، هو تطهير الفرد والمجتمع المسلم من المفاسد والمعاصي التي تعرقل بناءه السليم، فضلا عما تشكله من ردع لكل من يفكر أو يحاول القيام بأي فعل إجرامي، كما أنها تشكل أداة لحفظ المجتمع الإسلامي وسلامته من أيدي العابثين.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م