8 شوال 1445 هـ   17 نيسان 2024 مـ 11:52 صباحاً كربلاء
سجل الايام
في مثل هذا اليوم من عام 1344هـ، فجرت اليد الوهابية الاثمة، قبور أئمة البقيع من حواريي نبي الإسلام والتي تضم كل من الإمام الحسن المجتبى والإمام علي السجاد والإمام محمّد الباقر والإمام جعفر الصادق عليهم السلام.
القائمة الرئيسية

 | التوحيد |  إله الفجوات ومعركة الأدلة: هل من دليل قاطع على وجود الله؟!
2024-02-21   176

إله الفجوات ومعركة الأدلة: هل من دليل قاطع على وجود الله؟!

عادة تكون طبيعة الأدلة التي يعتمد عليها التحري الباحث في جريمة قتل مثلاً من النوع الذي يعتمد طريقة انتخاب أفضل التفسيرات المحتملة، فقد يستنتج من وجود عقب سيجارة مرمى على الأرض او آثار حذاءٍ منطبع عليها ان القاتل مدخن أو ان طوله ستة أقدام، لكن في الحقيقة هذا الاستنتاج لا يتعد كونه ظناً راجحاً لا أكثر، مع بقاء احتمال خطأه، لاحتمال ان يكون القاتل أقصر من ذلك لكنه كان يلبس حذاء أكبر من قياس قدمه، او ان السيجارة لم تكن له، فيبقى الشك في صحة النتيجة وتبقى معلقة على عدم ظهور أدلة او قرائن أخرى ترجح احتمالاً آخر.  فهل طبيعة الأدلة على وجود الله من هذا النوع؟ لأنها إن كانت كذلك، سينطبق على النتيجة قولهم (إله الفجوات)، أي لوجود فراغات لم يملأها العلم بعد فإن الاحتمال القوي هو وجود إله، لكن هذه النتيجة تبقى رهين عدم اكتشاف حقائق علمية تملأ تلك الفجوات والفراغات!! لابد لنا من الاعتراف أولاً ان بعض أدلة اللاهوتيين غير المتعمقين هي من هذا النوع، كأدلة وليم بيلي لذا جعله الملحدون مرمى لسهام نقدهم، وكدليل التصميم الذكي الذي ينادي به علماء معهد دسكفري، يقول الفيلسوف الأمريكي المعاصر إدوارد فيزر: "أنا لا أستطيع فهم السبب الذي يجعل الملحدين متمسكين الى هذا الحد بملاحظة طريقة بيلي، إلا ان يكون ذلك لأجل انه هدف سهل الى حد كبير، بحيث أنه لو لم يكن موجوداً أصلاً، فإن الملحدين سوف يخترعونه، أو يبحثون عن رجل قش آخر ليتغلبوا عليه". وكيفما كان، فلابد من الانتباه إلى أن طبيعة الأدلة التي يسوقها المؤمنون هي من قبيل أدلة الرياضيات او الهندسة بشكل عام، فهي ليست مجرد فرضيات تم افتراضها لتفسير ظاهرة معينة، وليست مجرد أمر محتمل، وإنما هي براهين إذا صدقت مقدماتها فالنتيجة ضرورية الثبوت حينئذ. من هنا نجد ان أشرس ملحد في القرن العشرين وهو الفيلسوف البريطاني انطوني فلو عدل عن إلحاده بمجرد اطلاعه على أول دليل فلسفي مغاير لنوعية الأدلة التي اعتاد الملاحدة نقاشها والتوقف عندها، فلم تكد سنة 2004 تنتهي حتى أعلن أنطوني فلو أنه أصبح يعتقد بوجود إله، بعد ان كان واحداً من أبرز الملحدين في العالم وأشهرهم؛ وعند سؤاله عن سبب إيمانه وتركه الإلحاد، أجاب: "بأن الأدلة الفلسفية قد قادته بالفعل الى أن هناك إلهاً، وعلى وجه الخصوص علة أولى للكون بالنحو الذي وصفه ارسطو طاليس". لقد بدا كلام فلو مفاجئاً جداً، ليس من جهة عدوله عن إلحاده فحسب، بل من جهة استناده في إيمانه الجديد على ذات الأدلة الفلسفية القديمة، فقد كان فلو وعلى مدى أكثر من خمسين سنة واحداً من الفلاسفة المؤثرين والمشهورين على نطاق واسع ولم يعدل عن إلحاده إلا بعد أن بلغ الواحد والثمانين من عمره، ولذلك كان المتوقع منه أن يكون سبب إيمانه دليلاً مغايراً لم يكن مطروحاً من قبل، وإنما رجع الى أدلة أرسطو الفلسفية، فقال: لم أكن متخصصاً في ارسطو، لقد كانت المرة الأولى التي قمت بقراءة بعضٍ من فلسفته. من هنا نجد القرآن الكريم قد أشار بوضوح لهذه الحقيقة وهي ان مستند اهل الكفر لا يتعدا الظن ولم يركنوا لأدلة قطعية، يقول السيد عبد الأعلى السبزواري (ره) في تفسير قوله تعالى (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) الأنعام: 116: "ان أكثر أهل الأرض يركنون الى الظن في اعتقاداتهم وأحكامهم، فلا يجوز طاعتهم فيما يدعون اليه، ويأمرون به وينهون عنه، فإن الظن يلازم الجهل بالواقع، فلا يعقل ان يكشف به عن الحق الذي يجب الاعتقاد به عن علم واطمئنان، ويرشد له قوله تعالى: (إن هم إلا يخرصون)، أي لم يكونوا قاطعين بصحة مذاهبهم، بل هم كاذبون في ادعائهم العلم والقطع". من هنا يتضح موقف القرآن في ضرورة توخي الحذر وطلب الأدلة البرهانية المفيدة لليقين في مسائل العقيدة الرئيسة، كالمبدأ والمنتهى، وعد الاكتفاء بالأدلة الظنية فيها نفياً أو إثباتاً، وإن جاز الاستناد لها في أمور المعاش، يقول السيد السبزواري (ره): "ولأجل ذلك انقسمت موارد الاعتماد على الظن الى قسمين: ففي قسم يصح كالأمور الدنيوية ولا يردع عنه العقل، وفي القسم الآخر وهو ما يرجع الى الأمور الدينية من أصول الاعتقاد كالتوحيد والمبدأ والعاد والنبوة والإمامة، فهو منهي عنه شرعاً".   الشيخ مقداد الربيعي – باحث وأستاذ في الحوزة العلمية

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م