15 ذو القعدة 1445 هـ   22 أيار 2024 مـ 2:25 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | قادة محمديون (الأئمة وبعض الصحابة) |  فضائل الإمام العباس.. صلابة الإيمان ونفاذ البصيرة وصدق المؤاساة
2021-12-18   1565

فضائل الإمام العباس.. صلابة الإيمان ونفاذ البصيرة وصدق المؤاساة

الحديث عن أفذاذ الإسلام وصفوته، حديث غير هين ولا سهل، خصوصا إذا ما كان من نتحدث عنه قد ملئ الدنيا بأثره، وصير للفضيلة عنوانا غير عنوانها، بعدما تسمت به.
وحديثنا عن الإمام العباس عليه السلام هو من هذا النوع من الأحاديث، حديث الفضيلة والشموخ، فالعباس صنديد الإسلام وسيفه الباشط، فإن كان الحديث عن الشجاعة.. صليل السيف خبير السوح والوغى.. وإن كان الحديث عن الحق، فهو مرآة العقيدة وبيبي العصمة.. وأن كان الحديث عن حسن السجايا، فهو سيد الإيثار صادق المؤاساة.. وإن كان الحديث عن الأخلاق.. وهو خلق النبوة وتلميذ الإمامة وصنوها.. وإن كان الحديث عن العلم والورع والدين، فهو الصادق الوف والناصح الأمين، والعبد الصالح المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين.
ولد سينا العباس عليه السلام سنة ست وعشرين لهجرة النبي الأكرم صلوات الله تعالى عليه وآله؛ وعاش مع أبيه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام أربع عشرة سنة، عايش فيها مفترقات الطرق، وتعلم من منبر الإمامة، وزادها في رفقته لأخويته الإمامين الحسن والحسين صلوات الله تعالى عليهما.
أما أمه؛ فهي السيدة الشريفة فاطمة بنت حزام رضوان الله تعالى عليها، من صفة النسوة من آل كلاب، أنتخبها أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام لتنجب له فحلا مغوارا ينصر الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام يوم الطفوف.
لقب سيدنا العباس عليه السلام بالقاب عدة، منها "قمر بني هاشم" وذلك لطلته البهية وجماله الخارق، كما لُقب عليه السلام بالسقاء لسقيه الماء لعيال الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام يوم الطف، كما لُقب بالمؤثر لأيثار اخيه الإمام الحسين على نفسه، كما لُقب بالكافل، بعد أن تكفل بالفواطم الطواهر من مدينة رسول الله صلوات الله تعالى عليه وآله الى مدينة كربلاء الشهادة، ناهيك عن لقبه بحامل اللواء، بعدما حمل لواء الحق في معركة الطف الخالدة فضلا عن القاب أخرى كالعابد والعبد الصالح.
بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، رافق الإمام العباس أخيه الإمام الحسن المظلوم عليه الصلاة والسلام قرابة أربعاً وعشرين سنة، عاصر فيها ارهاصات التغول الأموي والتشظي المجتمعي الذي ضرب الإسلام، ثم أتمها مع أخيه الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام قرابة اربعاً وثلاثين سنة، ختمها بالشهادة التي يستحق، فصار صنوا للإمامة ودرعا للعصمة. 
واتسم الإمام العباس عليه السلام بجملة أخلاق نبوية وميزات علوية صاغت شخصيته وجعلته اخلاقا تمشي على الأرض وسجايا تتجسد، ومن ذلك ما أتسم به عليه السلام من شمائل إيمانية واخلاقية وعلمية سامية، كالحنو والمواساة الصادقة والتواضع الفريد والعلم الثر فضلا عن شجاعته التي عُدت مضربا للأمثال، خصوصا وأن استبساله  في الحروب لم يكن لحميّة وعصبية عرقية او قومية أو لرابطة دم مثلا، إنما للحق وحسب، فيوم رأى عليه السلام بان الحق متجسد في شخوص بيت العصمة من الإمام عليه والإمامين الحسنين عليهم الصلاة والسلام اجمعين، كان العباس مغوارا باسلا في الدفاع عنهم وعن الحق الذي يمثلوه.
وعدا ملامح الشجاعة والإيثار، فقد اتسم إمامنا العباس عليه السلام بثلاث ميزات عظام، قل ما يمكن أن تجتمع في فرد، وهم نفاذ البصيرة وصلابة الإيمان وصدق المؤاساة، وهو ما أكده بحقه إمامنا جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام يوم قال فيه: "كان عمنا العباس نافذ البصيرة صلب الايمان له منزلة عند الله يغبطه بها جميع الشهداء"، بل واتبعها عليه الصلاة والسلام في الزيارة التي زاره بها قائلا: "اشهد لك بالصدق والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل والسبط المنتجب والدليل العالم والوصي المبلغ".

صلابة الإيمان..
وعن صلابة أيمانه، فعدا كونه ربيب العصمة والإمامة، وممن زامن الأئمة طيلة حياته، وهو ما جعل من أيمانه صلبا قويا.
كما تمثلت صلابة ايمان الإمام العباس في مشاهد كثيرة، وليس اخرها، إصراره على مرافقة أخيه الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام الى كربلاء، مع علمه المسبق بحتمية الشهادة.  
وصلابة ايمانه هذه هي التي جعلته يتمسك بخط الولاية الالهية، فحينما طلبه الشمر اللعين في اليوم التاسع من شهر محرم فليفرق بينه وبيه أخيه الإمام الحسين عليهما السلام، وعلى اعتبار أن للشمر مع الإمام العباس عليه السلام خوئلة، لان أمه السيدة الطاهرة أم البنين عليه السلام كانت من تلك قبيلة الشمر ابن ذي الجوشن عليه لعائن الله، فمنح الشمر الأمام للإمام العباس عليه السلام وباقي اخوته بقوله: "أين بنوا أختنا؟"
فسكت الإمام العباس عليه السلام احتراما لأخيه الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام، وما أن كرر المشر عليه اللعنة ذلك على مسمع من الجميع، طلب الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام من أخيه الإجابة، قائلا له: "اجيبوه ولو كان فاسقا".. فقال عليه السلام للشمر: "ما شأنك وما تريد؟"، فال الشمر عليه اللعنة: "يا بني اختي انتم آمنون، لا تقتلوا انفسكم مع الحسين، وألزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد"، فما كان من إمامنا العباس عليه السلام إلا أن يرد عليه بما لم يتوقعه، قائلا: "لعنك الله، ولعن أمانك، تؤمننا وابن رسول الله لا أمان له، وتأمرنا ان ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء؟" وهو ما اغضب المشر اللعين. 

نفاذ البصيرة..
أن يكون للبصيرة رؤيتها التي لا تتأثر بغبار المال والسلطة، لعمري هو ذاك الحق، وبصيرة الإمام العباس عليه السلام هي كذلك، فقد مرت حياته بمعتركات عديدة، وارهاصات صعبة، كتخلي القوم عن نصرة اخيه الحسن المظلوم عليه الصلاة والسلام، وتجيش الصحابة لمحاربة والده أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، واخيرا موقف الخذلان الذي تعرض له أخيه الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام، كلها مواقف قد تدفع النفس للتخاذل، إلا مع إماما العباس عليه السلام، فما كانت بصيرته إلا نافذة دقيقة اشرأبت بها نفحات الرسالة ورشفات الإمامة، حتى صارت الخيارات أمامه ـ ومنها خيار الشهادة ـ واضحا جليا، وعلى صعوبة الاختيار الأخير، فأن عباسنا الهمام عليه والسلام لم يرى غير الحق، ولم تشوش بصيرته بريق الاحداث من مال او منصب او وجاهة، بل لم يقبل بأي عرض يمكن أن يُبقيه حيا بعد أخيه الحسين عليه الصلاة والسلام يوم عرض عليه الأنذال مأمنا ومخرجا، فما كان رده إلا الشهادة بين يدي الحق، حاملا راية أخيه الحسين عليه الصلاة والسلام.

صدق المؤاساة.. 
كما اتسم عليه السلام بصدقه في المؤاساة، ومشاهد ذلك أكثر من أن تحصى، ومنها مواساته لأخيه الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام، والفواطم والهاشميين الصغار، فتراه ينطلق صوب العدو بعدما احس بعطش عيال الحسين عليه الصلاة والسلام وما أن وصل لمشرعة الماء وأراد ان يرتوي بما يقويه على النزال، تذكر عطش الصغار، فأمتنع عن شرب الماء قبلهم ولم يسمع غير انينهم وهم يطلبون الماء: "عماه.. العطش العطش"، فرمى الماء مسليا نفسه بالقول:  
يا نفس، من بعد الحسين هوني وبعده لا كنتِ أن تكوني
هـذا الحسـين وارد المـنــــــون وتشربيــــن بارد المعين
تالله ما هـــــــــــذا فـعال دينـي وﻻ فعــال صادق اليقين


زيد خلف 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م