
2025-04-01 54

طوفان نوح بين النصوص الدينية والاعتراضات العقلية: تفنيد مزاعم المشككين
الشيخ مقداد الربيعي
طعن بعض المشككين في حقيقة الطوفان
المذكور في القرآن الكريم وفي غيره من الكتب السماوية، زاعمين أنه
يخالف المنطق السليم، واتخذوا منه ذريعة للطعن في الإسلام وغيره من
الأديان، مدّعين أنها من صنع البشر. واستندوا في طعنهم هذا إلى أن
الطوفان عمّ جميع أنحاء الأرض، وهذا العموم يستتبعه - في زعمهم -
أمورًا عديدةٌ يستحيل تصديقها، وقد صاغوا هذه الأمور في هيئة أسئلةٍ
استنكاريةٍ على شاكلة: كيف أمكن لسفينةٍ واحدةٍ أن تحمل جميع أنواع
الحيوانات الموجودة على الأرض بكل هذه الكثرة والتنوع؟ وكيف استطاع
نبي الله نوح - عليه السلام - وحده أن يجمع كل هذه الأنواع من مختلف
بقاع الأرض؟! وكيف تمكّن من توفير الطعام والشراب لكل هذه الكائنات؟
وكيف أمكن جمع كل هذه الأنواع من الحيوانات في مكانٍ واحدٍ وبعضها
يفترس بعضًا؟! وكيف استطاع نوح - عليه السلام - أن يهيئ لكل نوعٍ من
هذه الحيوانات بيئةً ملائمةً للعيش بعد النزول من السفينة، وهي
تختلف في طباعها وأسلوب حياتها؟!
ولمزيدٍ من الاطلاع على هذه
الأسئلة المُشككة، يُمكن الرجوع إلى كتاب "منابع الحياة" لإسحاق
عظيموف (ص 24 - 26).
لكن الاستدلال بحادثة الطوفان على
زعم تناقض الإسلام مع العقل ليس سليمًا؛ لأنه يقوم على جملةٍ من
الأخطاء المنهجية والمعرفية. ويمكن الكشف عن هذه الأخطاء من خلال
مسلكين:
المسلك الأول: إعادة النظر
في فرضية شمولية الطوفان
يتمثل المسلك الأول في التشكيك في
افتراض أن الطوفان قد عمّ الأرض بأكملها. فلا يوجد في القرآن الكريم
ما يؤكد هذه الشمولية صراحةً، بل إن القرآن - على خلاف بعض الكتب
المقدسة الأخرى - لم يتطرق إلى هذه المسألة بالتفصيل، ولم يقدم
معلوماتٍ واضحةً ومباشرةً حولها. وبالتالي، فإن تحديد موقف القرآن
من عموم الطوفان يعتمد على الاجتهاد والظن.
صحيحٌ أن بعض الآيات القرآنية قد
تُفهم على أنها تشير إلى شمولية الطوفان، كما في قوله تعالى:
﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ
دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿حَتى إذَا جَاءَ أَمْرُنَا
وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا أَحْمِلْ فِيهَا مِن كُل زَوْجَيْنِ
اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ
وَامَنَّ وَمَا امَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].
لكن في المقابل، توجد آياتٌ أخرى
تُشير إلى أن الطوفان اقتصر على قوم نوح عليه السلام، كما في قوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ
فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمسينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ
الطُّوفَان وَهُمْ ظَلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤].
جديرٌ بالذكر أن القرآن الكريم لم
يذكر نوحًا عليه السلام إلا مرسلًا إلى قومه فقط. وقد أشار عددٌ من
المفسرين - حتى من سبقوا العصر الحديث - إلى احتمالية عدم شمولية
الطوفان. فعلى سبيل المثال، يقول ابن عطية في تفسيره "المحرر
الوجيز" (٤/ ٥٤٧) تعليقًا على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا
الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٦]: " وليس في ذلك نصٌ على أن الغرق عمّ
جميع أهل الأرض".
ومن المعاصرين الشيخ ناصر مكارم
شيرازي، حيث قال: «ولكن مع هذه الحال، فلا يبعد أن يكون الطوفان في
منطقة معينة من الأرض، لأن إطلاق الأرض على المنطقة الواسعة من
العالم تكرر في عدد من آيات القرآن، كما نقرأ في قصة بني إسرائيل
وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها.
وحمل الحيوانات في السفينة ربما
كان لئلا ينقطع نسلها في ذلك القسم من الأرض، خصوصا أن نقل
الحيوانات وانتقالها في ذلك اليوم لم يكن أمرا هينا " فتدبر
"!
وهناك قرائن أخرى تقدم ذكرها يمكن
أن يستفاد منها أن الطوفان لم يستوعب الكرة الأرضية كلها.
وهناك مسألة تسترعي الانتباه -
أيضا - وهي أن طوفان نوح كان بمثابة العقاب لقومه، وليس لنا دليل
على أن دعوة نوح شملت الأرض كلها، وعادة فإن وصول دعوة نوح في مثل
زمانه إلى جميع نقاط الأرض أمر بعيد». الأمثل في تفسير كتاب الله
المنزل، ج6، ص541.
وبناءً على ذلك، فإن الادعاء بأن
الطوفان كان عالميًا ليس قطعيًا، وإنما هو مجرد احتمال. وبالتالي،
فإن الاستدلال به على تناقض الإسلام مع العقل يكون قائمًا على أساسٍ
غير متين.
وكذلك اختار ذلك بعض الدارسين من
العالم الغربي، ومن هؤلاء: موريس بوكاي؛ حيث يقول: «القرآن» يقدم
كارثة الطوفان باعتبارها عقابا نزل بشكل خاص على شعب نوح، وهذا يشكل
الفرق الأساسي الأول بين الروايتين القرآنية والتوراتية. دراسة
الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة (٢٤٦).
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد
على أن القرآن الكريم قد أعرض أيضًا عن ذكر العديد من التفاصيل التي
وردت في الكتب المقدسة الأخرى وغيرها بشأن حادثة الطوفان. وقد أشار
عددٌ من المفسرين إلى جملةٍ من هذه التفاصيل التي لم يذكرها القرآن،
مثل: وصف طول السفينة وعرضها، ونوع الخشب الذي صنعت منه، ومكان
الباب فيها، وعدد طوابقها، وعدد الأنواع الحيوانية التي حملتها،
وكيفية دخول الحيوانات إليها، والمدة الزمنية التي مكثت فيها
السفينة عائمةً على الماء، ومكان رسوها. وقد أكد هؤلاء المفسرون أنه
لا دليل على هذه الأخبار، وأنه لا يصح ربطها بالقرآن الكريم.
وبناءً على هذا المسلك، فإنه لا
يصح الاعتراض على الإسلام بحجة كونه مناقضًا للعقل في قصة الطوفان؛
لأنه لم يثبت أن الطوفان كان عامًا لكل الأرض، وبالتالي فإن الأسئلة
المُشككة التي أثيرت حول هذه القصة تكون غير واردة.
المسلك الثاني: تحليل فرضية شمولية
الطوفان
أما المسلك الثاني، فيتمثل في
التسليم جدلًا بأن الطوفان كان عامًا وشمل جميع أنحاء الأرض، وهو
قولٌ تبناه عددٌ كبيرٌ من علماء الإسلام. بل لعل الأكثر على ذلك،
ويؤيده ما ذكره العلامة الطباطبائي(رحمه الله) في تفسير الميزان: إن
نوح (عليه السلام) أُمر أن يحمل من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين
اثنين، فإن ذلك كالنص في أن الطوفان عّم البقاع اليابسة من الأرض
جميعاً أو معظمها الذي هو بمنزلة الجميع. فالحق أن ظاهر القرآن
الكريم ـ ظهوراً لا ينكر ـ أن الطوفان كان عاماً للأرض، وإن من كان
عليها من البشر أغرقوا جميعاً، ولم يقم لهذا الحين حجة قطعية تصرفها
عن هذا الظهور. (الميزان ج10/ 266).
وإذا سلمنا بفرضية شمولية الطوفان،
فإن الإيمان به وبما جرى فيه لا يتعارض مع العقل، ولا يتضمن أمورًا
تخالف قوانينه؛ لأن الطوفان - في حقيقته - معجزةٌ من المعجزات
الإلهية، وهي لا تخرج عن قدرة الله تعالى وقوته. صحيحٌ أن الطوفان
قد يبدو مستبعدًا في عقول بعض الناس، لكن لا ينبغي أن ننسى أن
الطوفان وما يقتضيه من أمورٍ خارقة للعادة ليس أعظم من خلق الكون
بمجراته الواسعة وكواكبه الضخمة. فالله - سبحانه وتعالى - الذي خلق
هذا الكون الفسيح، لا تعجز قدرته عن جمع جميع الحيوانات في مكانٍ
واحد، ولا تعجز قدرته عن توفير الطعام والشراب لها، بل لا يعجزه أن
يبقيها بلا ماءٍ ولا طعامٍ لعدة أيام، ولا يعجزه أن يؤلف بين قلوبها
ويزيل عادات الافتراس فيها.
إنّ الحالة التي وقع فيها الطوفان
هي - كما ذكرنا - حالةٌ إعجازيةٌ خارقةٌ للقوانين الكونية المألوفة،
وليست حالةً طبيعيةً تخضع للقوانين العلمية التي اعتدنا عليها.
فالمؤمن حين يؤمن بالطوفان يكون متناسقًا مع أصوله ومبادئه؛ لأنه
يؤمن بأن الله تعالى هو خالق الكون ومبدعه، فلا يعجزه سبحانه أن
يفعل ما هو أقل شأنًا منه، وأضيق حجمًا.
والمؤمن لا ينظر إلى حادثة الطوفان
من نافذة القدرة الإنسانية الضعيفة، وإنما ينظر إليها من نافذة
القدرة الإلهية الواسعة التي خلق الله بها هذا الكون العظيم الجليل.
فالإيمان بخلق الكون هو القاعدة الأساسية التي ينطلق منها المؤمن في
إيمانه بالمعجزات والخوارق، وهو الأساس الذي يرتكز عليه في التسليم
بها.
فلما كان هذا الأصل مستقرًا في
قلبه وعقله، آمن بإمكان وقوع مثل الطوفان، ولو لم يؤمن به لوقع في
التناقض ومنافرة العقول.
أما بالنسبة للمعترض على الطوفان،
فإنه إن كان من أتباع الدين الربوبي، فإنه يلزمه عقلًا الإيمان
بإمكان حدوث الطوفان في القدرة الإلهية؛ لأن الإيمان بحدوث الأعظم
والأضخم - وهو خلق الكون - يستوجب الإيمان بإمكان حدوث ما هو أقل
منه، كالطوفان.
وإن كان المعترض من المنكرين لوجود الله تعالى، فإن النقاش معه لا يصح أن يتوجه إلى الطوفان مباشرةً؛ لأنه أنكر الأصل الذي يقوم عليه التسليم بحدوث الطوفان، وهو خلق الله للكون. وإنما يجب أن يكون النقاش معه في إثبات خلق الله للكون، وامتناع حدوثه من غير خالق. فإن أقر بذلك، أمكن الحديث معه في تفاصيل الكون، ومنها الطوفان. وإن لم يقر، فلا فائدة تُرجى من الحوار معه إلا في إثبات إمكان حدوث الطوفان عقلاً.
الأكثر قراءة
29925
19133
14542
11213