
2025-04-01 51

قيمة الأخلاق بين الدين والإلحاد
الشيخ مقداد الربيعي
حقاً، تُعد الأخلاق في الإسلام
نبراساً هادياً، ومَعلَماً بارزاً، وركيزةً أساسيةً في بناء الإنسان
الفاضل. فقد جاء الإسلام ليرتقي بالنفوس، ويُزكيها، ويُرسِّخ فيها
مكارم الأخلاق، كما أخبرنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه
السلام): " إنّما بُعث النبي (صلى الله عليه وآله) ليُتمّم مكارم
الأخلاق".
وليس غريباً أنْ يكون حسن الخلق
مقياساً لكمال الإيمان، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: "إنّ
المؤمن ليُدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم". فبالخُلق الحسن،
يرتقي المؤمن في مدارج الكمال، ويُنال رضا الله تعالى، ويَفوز
بمحبته.
وخيرُ الناس، كما أخبرنا رسول الله
(صلى الله عليه وآله): " خيارُكم أحاسِنُكم أخلاقاً "، فالأخلاق
الحسنة هي زينة المؤمن، وعنوانُ طهارته، ونقاء سريرته، وبرهانُ
إيمانه.
وليس أدلّ على عِظم منزلة حُسن
الخلق من قوله (صلى الله عليه وآله): " ما مِن شيءٍ أثقلُ في
الميزانِ مِن حُسنِ الخُلقِ ". فهو كنزٌ لا يفنى، وثروةٌ لا تُزول،
يَجني صاحبُها ثمارها في الدنيا والآخرة.
وإذا ما تطلّع المرءُ إلى الفوز
بالجنة، ونعيمها المقيم، فعليه أنْ يتحلّى بحسن الخلق، فعن الإمام
الباقر (عليه السلام) قال: " إنّ العبدَ لَيُدركُ بِحُسنِ خُلُقِهِ
درجةَ الصّائمِ القائمِ ". فحسن الخلق يرفع صاحبه إلى أعلى الدرجات،
ويُقرّبه من النبيين والصديقين.
إنّ الأخلاق في الإسلام ليست مجرّد
شعارات تُرفع، أو كلمات تُقال، بل هي سلوكٌ يُمارس، وقيمٌ تُعاش،
تَتجلى في التعامل مع الله، ومع الناس، ومع النفس. فطوبى لمن حَسُنَ
خُلقه، وزَكا نفسَه، وتحلّى بمكارم الأخلاق، فهو الفائزُ في الدنيا
والآخرة.
تُشكل الأخلاق في الإسلام نسيجاً
متيناً، يَسري في كلّ أجزائه، ويُغذي روحه وجوهره. فلا عجب أن نجد
النصوص الشرعية تزخرُ بتوجيهاتٍ ساميةٍ، وتشريعاتٍ حكيمةٍ، تُرسّخُ
مبادئ الأخلاق، وتُعلي من شأنها.
فمن ذلك، حثّ الإسلام على التحلي
بمكارم الأخلاق، كالصّدق الذي يُطهّر اللسان، والوفاء الذي يُوثّق
العرى، والبرّ الذي يُقرّب القلوب، والصدقة التي تُنمّي المودة،
والعطف الذي يُلين القلوب، والتعاون الذي يُعزّز الترابط، والعفو
الذي يُطهر النفوس، والصفح الذي يُزيل الضغائن، والأمانة التي
تُؤمّن الخوف، والكرم الذي يُوسّع الأرزاق، والصبر الذي يُثبّت
الأقدام، والتواضع الذي يرفع الدرجات.
وفي المقابل، حذّر الإسلام من
الأخلاق الذميمة، التي تُفسد القلوب، وتُدمّر المجتمعات، كالكذب
الذي يُشوّه الحقائق، والغدر الذي يُمزّق الأمان، والفجور الذي
يُدنّس النفوس، والخيانة التي تُوهن الثقة، والأثرة التي تُفرّق
الجماعات، والبخل الذي يُضيّق العيش، والقسوة التي تُجرّح المشاعر،
والجفاء الذي يُباعد الأحبة، والغشّ الذي يُفسد المعاملات، والرشوة
التي تُضلّ العدالة، والسرقة التي تُزعزع الأمن.
إنّ هذه التوجيهات والنواهي تُبيّن
بجلاءٍ عناية الإسلام بالأخلاق، وحرصه على بناء الإنسان الصالح،
والمجتمع الفاضل، الذي تسوده المحبة، ويُعزّز فيه التعاون، وتُصان
فيه الحقوق، ويَعمّ فيه الخير.
لقد كان لِتأثير هذه التوجيهات
النبوية الصافية، والتعاليم الإسلامية السامية، بالغ الأثر في نفوس
علماء المسلمين والمصلحين، فراحوا يُعنون بالأخلاق عنايةً فائقةً،
ويُولونها اهتماماً بالغاً. فانبرىٰ أولئك العلماء، يدعون إلى مكارم
الأخلاق، ويحثّون على التمسّك بها، ويُحذّرون من مغبّة الانحراف
عنها، ساعين إلى إصلاح النفوس، وتهذيبها، وتزكيتها.
ولم يقتصرْ جهدهم على الوعظ
والإرشاد، بل امتدّ إلى التأليف والتصنيف، فأنتجوا في ميدان الأخلاق
كنوزاً من المعرفة، وموسوعاتٍ ضخمة، تُشهد على عُمقِ فكرهم، وسعةِ
علمهم، وحرصهم على نشر الفضيلة، ومحاربة الرذيلة.
لقد بذلوا جهوداً مضنيةً في سبيل
الدعوة إلى الأخلاق النبيلة، والتحلّي بمكارمها، والابتعاد عن
الأخلاق القبيحة، وسوء آثارها، فكانوا بحقٍّ مَصابيحَ هدايةٍ،
وقُدوةً حسنةً، يُقتدى بهم في نشر الفضيلة، وإصلاح المجتمع.
أمّا إذا انتقلنا إلى رحاب الفكر
الإلحادي، فسنجد أنّ مكانة الأخلاق فيه مُتدنّية، وأنّ الاهتمام بها
مُنحسِرٌ. فلا نكاد نرىٰ في أدبياتهم دعوةً صريحةً إلى الأخلاق، أو
حثّاً واضحاً على التمسّك بها، ولا بياناً جلياً - كما هو الحالُ
عند أهل الأديان - لأهميتها وضرورتها في الحياة، ولضرورة إصلاح
الفساد الأخلاقي.
بل إنّ المتأمّل في حالهم،
ليَجدُهم مُصابين بالسلبية الأخلاقية، وكثيرٌ منهم قد وصل إلى حالةٍ
من العدمية في الأخلاق؛ وذلك لأنّ الأخلاق عندهم أصبحتْ شأناً
شخصياً ذاتياً بحتاً، لا قرار لها، ولا أصول كلية معلومة. فقد غابتْ
عنها المرجعيةُ الثابتة، والأسسُ المتينة، التي تُحدّدُ معالمَها،
وتُوجّهُ مسارَها.
ولعلّ مما يُؤكّد تراجعَ مكانة
الأخلاق في الفكر الإلحادي، تصريحُ الماركسيين بعدم اكتراثهم
بالدعوة الأخلاقية، فقد صرّح ماركس وإنجلز قائلين: " الشيوعيون لا
يدعون بصورة عامة لأية أخلاق، وهم لا يُلزمون الناس بأية مطالب
أخلاقية، أحبّوا بعضكم، ولا تكونوا أنانيين... إلخ، فهم على العكس
يعرفون جيداً أنّ الأنانية كالتضحية تُعتبر شكلاً ضرورياً لتوكيد
الذات عند الأفراد في ظروف محدّدة".
وهذا التصريحُ يكشف بجلاءٍ نظرةَ
الماركسيين إلى الأخلاق، فهم لا يَعتبرونها قيَماً ثابتةً تُحكمُ
تصرّفات الإنسان، وتُضبطُ نَزواته وشهواته، وتُحدّد رغباته، بل
يَتعاملون معها على أنّها مُجرّد انعكاسٍ للواقع الذي يعيش حالةَ
صراعٍ دائمٍ بين الأضداد. ولذلك، فإنّ علم الأخلاق عندهم " ليس
علماً عمّا هو واجب الوجود، بل بدرجة ليست أقلّ، علماً عمّا هو
موجود "، كما جاء في كتاب " علم الأخلاق الماركسي " لمجموعة من
الأساتذة السوفييت، ص40.
إنّ هذه النظرةَ الماديةَ للأخلاق،
تُجرّدُها من قيمتها السامية، ومكانتها الرفيعة، وتُحيلها إلى
مجرّدِ ظاهرةٍ اجتماعيةٍ، تتغيّرُ بتغيّر الظروف والمصالح.
وفي القرن السابع عشر جعل الفيلسوف
المادي هوبر الأخلاق الإنسانية قائمة على الأنانية والفردية وادعى
أن جميع الدوافع الإنسانية تهدف إلى حب الذات والانتصار على الغير
(۳) ، انظر فلسفة الأخلاق، توفيق الطويل (٢٠٠ - ٢٠٦).
ولذلك فلن يكون عند الإنسان هم
لإصلاح الأخلاق عند الآخرين أو الدعوة إلى تكميلها والارتقاء بها
.
وإذا ما تطرقنا إلى أتباع الوضعية
المنطقية، فسنجد أنهم قد اختزلوا الأخلاق الإنسانية في المشاعر
الذاتية، فلم تعد تمثل في نظرهم سوى تعبيرًا عما يجيش في نفس
الإنسان من حب أو بغض للأشياء. وبذلك، تُغلق جميع الأبواب أمام
الدعوة إلى إصلاح الأخلاق، وتتحطم كل الآمال في الارتقاء
بها.
ومن أبرز النماذج الإلحادية التي
حاربت الأخلاق وحطمت معاييرها، الفيلسوف الألماني نيتشه. فقد شنّ
حربًا ضروسًا على الأخلاق، ونفى جميع مبادئها الكلية، وزعم أنها
ليست سوى اختراع الضعفاء لتقييد الأقوياء. ودعا إلى تحطيم جميع
القوانين الأخلاقية، واعتبر أن الأخلاق التي يلتزم بها الناس ما هي
إلا بدعٌ تستحق الازدراء والاحتقار، ويجب إزالتها من حياة
الإنسان.
فالإنسان الأعلى عند نيتشه ليس هو
ذلك الشخص الطيب الذي يخضع للقيم الأخلاقية ويحاول الالتزام بالخير،
بل هو ذلك الشخص الذي يسعى إلى تحقيق القوة والتسلط، فهما المعيار
الأساسي للأخلاق عنده، وهما الفضيلة التي يجب على الإنسان الحرص
عليها. انظر المشكلة الأخلاقية، والفلاسفة، أندريه كريسون (۸۲)،
وفلسفة الأخلاق، توفيق الطويل (٢٥٤) ونيتشه فؤاد زكريا (۹۹ -
۱۰۲).
أمّا أولئك الذين آمنوا بفرضية
التطور، فقد انقسموا في موقفهم من الأخلاق. فمنهم من كان مطّرداً مع
مقتضيات هذه الفرضية، صادقاً في الأخذ بلوازمها، حريصاً على الوصول
إلى نهايتها الطبيعية، ومن هؤلاء الفيلسوف المادي "سنبسر". فقد
تبنّى فرضية التطور، وأخضع الأخلاق الإنسانية لها، فوصل إلى نتيجةٍ
مفادها أنّ الإحسان إلى الضعفاء والمساكين أمرٌ مذمومٌ؛ لأنه يتعارض
مع قانون الطبيعة القائل: "البقاء للأقوى والأصلح".
وزعم "سنبسر" أنّ الإحسان والبرّ
يُؤدّيان بالناس إلى التدهور والانحطاط؛ لأنهما يُساعدان على بقاء
من يجب أن ينقرض. وبذلك، أصبحت الصدقات والعطاءات في كلّ صورها - في
نظره - إفساداً في الأرض، وباتت الدعوة إلى التعاون والمساعدة
ضلالاً مبيناً، وانحرافاً عن الطريق الصحيح.
إنّ هذه النظرةَ القائمةَ على مبدأ
التطور، تُهدمُ أسسَ الأخلاق الإنسانية، وتُلغي مبادئَ التراحم
والتكافل، وتُشرّعُ للقوةِ والغلبةِ، وتُسوّغُ استغلالَ الضعفاء،
وإقصاءَ المهمّشين. وقد أقر الملحد المعاصر دوكنز بآثار فرضية
التطور المدمرة على الأخلاق، فقال: «أنا دارويني بشغف عندما يتعلق
الأمر بتفسير الحياة، وأنا ضد الدارونية بشغف عندما يتعلق الأمر
بترتيب حياتنا » (۳). انظر فلسفة الأخلاق، توفيق الطويل (٢٤٩).
اللقاء الذي أجرته قناة الجزيرة الإنجليزية مع ريتشارد دوكنز، دقيقة
٤٢.
مع ذلك، لا نُنكر أنّ بعضَ
المُلحدين يسعى إلى التبرّع للفقراء والمساكين، ويُشارك في الأعمال
الخيرية، بدعوى أنّ ذلك من الأخلاق النبيلة. ولا شكّ أنّ هذا العملَ
محمودٌ وجليلٌ، لكنّه لا يعني أنّ المُلحدين قد أعطوا الأخلاقَ
حقّها؛ لأنّ الأخلاق ليستْ مُقتصرةً على التبرّع للفقراء، بل هي
منظومةٌ مُتكاملةٌ، لا بُدّ من الحفاظ عليها بجُملتها.
ثمّ إنّ مُشاركتهم في التبرّع لا
تقوم على أساسٍ صحيحٍ عندهم، بل هم في الحقيقة يُعدّون - بصنيعهم
هذا - مُتناقضين مع أصولهم المادية الجبرية التي يُؤمنون
بها.
وفي ختام هذه المُقارنة المُطوّلة،
التي ظهر من خلالها أنّ الأخلاق الإنسانية الرشيدة لا تقوم إلّا على
الأصول الإيمانية، وانكشف بها أنّ الأصول الإلحادية لا تُؤدّي إلّا
إلى فساد الأخلاق واضمحلالها، لا بُدّ من التأكيد على أنّ هذه
المُقارنة إنّما هي على مستوى الأصول والبناء المعرفي والمنهجي الذي
تبنى عليه المواقف العلمية.
أمّا على مستوى تصرّفات الأفراد،
فقد يوجد مُلحدٌ ذو أخلاقٍ نبيلةٍ، وفي المُقابل قد يكون مُتديّنٌ
ذا أخلاقٍ قبيحةٍ، فحصول ذلك لا يُنكره أحدٌ، وليس هو محلّ البحث
هنا، وإنّما محلّه جانب التأسيس والبناء المنهجي للأخلاق، فإنّه
يستحيل أنْ يُبنى على أصولٍ إنسانيةٍ مُستغنيةٍ تُنكرُ وجودَ
الخالق. وقد عبر علي عزت بيجوفيتش عن هذا المعنى بعبارة ظريفة قال
فيها : يوجد ملحدون على أخلاق، ولكن لا يوجد إلحاد أخلاقي)، ويؤكد
هذا المعنى في سياق آخر، فيقول: «الأخلاق كمبدأ لا توجد بلا دين،
بينما الأخلاق العملية يمكن لها أن توجد في غياب الدين. الإسلام بين
الشرق والغرب (٢٠٥).
إنّ هذا يدلّ على فساد الحُجة التي
يُكرّرها المُلحدون كثيراً، وهي أنّ هناك عدداً من المُؤمنين
يتّصفون بسوء الخُلق، وفي المُقابل هناك عددٌ من المُلحدين يتّصفون
بالأخلاق النبيلة؛ ليصلوا بذلك إلى أنّ الأديان لا أثر لها على
الأخلاق.
فهذه حُجةٌ داحضةٌ لا تُنفع في رفع
المأزق الأخلاقي في المنظومة الإلحادية؛ لأنّنا لا نقول إنّ الأصول
الإيمانية يجب أن تُؤثّر في كلّ الأفراد بمستوى واحدٍ من التأثير،
ولا نقول إنّها تُؤدّي إلى زوال كلّ الأخطاء الأخلاقية من
المُجتمعات، وتحويل الناس إلى ملائكة!
وغاية ما نقول إنّها أصولٌ صحيحةٌ
تُؤسّس للنظام الأخلاقي المُنضبط، وتُؤثّر تأثيراً بليغاً في نفوس
الناس، وتدفعهم نحو الالتزام الأخلاقي كأحسن قوّةٍ وأفضل
مُؤثّرٍ.
فوجود بعض المُؤمنين المُتّصفين
بسوء الخُلق - نتيجةً لضعف إيمانهم، وعدم يقينهم، وقوّة المُغريات
حولهم - لا يقدح في أصل القول؛ لكونه يبقى مع ذلك مُدركاً بأنّه
واقعٌ في خللٍ ما، وشاعراً بأنّه خارجٌ عن الطريق الصحيح.
أمّا الأصول الإلحادية، فقد لا تظهر آثارها المُدمّرة على سلوك بعض الأفراد، ولكنّ الأثر يظهر بجلاءٍ في موقفهم من الواقعين في الأخلاق السيّئة القبيحة، ففي هذه الحالة سيظهر المأزق الحقيقيّ بالفعل، وسينكشف الخلل العميق في الرؤية الإلحادية للأخلاق؛ لكون المُلحد لا يُمكنه أن يجد مُبرّراً يُنكر به تلك الأفعال الشنيعة بناءً على رؤيته الإلحادية.
الأكثر قراءة
29925
19133
14542
11213