7 ربيع الاول 1447 هـ   31 آب 2025 مـ 3:35 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2025-07-17   719

من التخاذل إلى الطغيان: كيف صنعت الأمة طريقها إلى كربلاء؟



الشيخ معتصم السيد أحمد
ما من أمة تنهض أو تسقط إلا وكان لذلك مقدمات وأسباب، وما من حدثٍ تاريخي عظيم إلا وكان نتيجة تراكمات سابقة. والذين يختزلون ثورة الإمام الحسين عليه السلام في لحظةٍ انفجرت مع موت معاوية وتولّي يزيد بن معاوية الخلافة، يتغافلون عن حقيقة مركزية في قراءة التاريخ، وهي أن الأحداث لا تأتي فجأة، ولا تنشأ من فراغ، بل هي دوماً ثمرة سلسلة من الوقائع التي تشكلت في وعي الناس وسلوكهم الجمعي. فالتاريخ ليس لعبة صدف، ولا تجري حوادثه بلا منطق، وإنما تحكمه سنن وقوانين لا تحابي أحداً، ولا تتعطل لمجرد رغبة أو تمنٍّ.

هذا الفهم العميق للتاريخ هو ما يجعلنا نقرأ نهضة كربلاء لا بوصفها حدثاً معزولاً، بل باعتبارها النتيجة الطبيعية لمسار طويل من الانحراف عن قيم الرسالة، بدأ من لحظة مفصلية بعد وفاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، عندما تخلت الأمة تدريجياً عن الحق وأهله، وسارت نحو بناء نظام سياسي لا يمثل روح الإسلام، بل يعيد إنتاج منظومة الجاهلية بأسماء إسلامية.

فمعاوية لم يهبط من السماء، ولم يُفرض على الناس بوحيٍ من السماء، بل جاء على ظهر موجة من التغافل والتخاذل والانحراف. وما يزيد إلا الثمرة الفاسدة لشجرة الفتنة التي غُرست مبكراً وسُقيت بدماء الشهداء، وتربت في بيئةٍ خانعةٍ سكتت عن انحرافات معاوية، بل وقبلت بصلحه، ووقفت متفرجة على سنوات حكمه القاسي دون أن تحرك ساكناً.

لكن لماذا وصلت الأمة إلى هذه الحال؟ ولماذا عجزت عن الوقوف مع الحق ونصرة أهله؟ الجواب يكمن في جهل السنن الإلهية التي تقوم عليها الحياة، فقد سنَّ الله في خلقه قوانين لا تحابي أمة ولا فرداً، بل تعطي كلاً جزاء عمله. ومتى ما تخلت أمة عن هذه السنن سقطت في مستنقع الضعف والهزيمة والذل، مهما ادّعت من قرب إلى الله أو تمسّك بالدين.

ومن أهم هذه السنن ثلاث لا بد أن تسير عليها أي أمة تسعى إلى العزة والكرامة:
أولاً، أن تجعل القيم هي المحور الحاكم في حياتها. فالأمم لا تنهض بالأنساب، ولا تترفع بالأموال، وإنما ترتفع بقيمها. قيمة الإنسان بما يعمل لا بما يملك، وبما يقدمه من علم وعدل وخير لا بما يرثه من سلطة أو نسب. فإذا انهارت منظومة القيم، وبدأ الناس يقدّسون الظالم لأنه قوي، ويذمون العادل لأنه مستضعف، فعلى الأمة أن تنتظر الخذلان، لأنّها خذلت أعمدة بقائها وعلوّها.

ثانياً، أن تتبع الأخيار وتقتدي بالصالحين. فالقدوة أساس البناء الاجتماعي، ومن تشبه بالصالحين ارتفع، ومن تشبه بالأشرار هبط. الأمة التي تسير خلف علي والحسين تكون كعلي والحسين، والأمة التي تسير خلف معاوية ويزيد ستكون على صورتهم. لذلك كان تحذير القرآن واضحاً: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، لأن الركون إليهم بداية الهلاك.

ثالثاً، أن تواجه الشر ولا تستسلم له. الحياة دار امتحان، والحق لا يُفرَش له الطريق، بل يُنتزع انتزاعاً، ويُدافع عنه دفاعاً. والشر لا يُهزَم بالتمني، بل بالمقاومة، والجهاد في سبيل الله. وكل أمة تغفل عن هذه المسؤولية، أو تسكت عن الظلم، ستكون أولى ضحاياه، لأن الظلم لا يقف عند حدود، بل يتمدد ما دام الصمت سيد الموقف.

وما حصل للأمة الإسلامية في القرون الأولى كان نتيجة واضحة للتخلي عن هذه السنن الثلاث. فعندما نُحي أهل البيت عن مقامهم، وتمّ إقصاؤهم من مواقع القيادة، وعندما ترك الناس أمير المؤمنين علي عليه السلام يواجه أعداءه وحده، ثم لم ينتصروا لابنه الحسن حتى اضطر لصلحه مع معاوية، وقبلوا بحكم رجل لا شرعية له، كانوا قد بدأوا طريقاً لن ينتهي إلا بكارثة كربلاء.

ولم يكن مقتل الإمام الحسين عليه السلام على أرض الطف حادثاً مفاجئاً، بل كان تتويجاً لمسار طويل من الانحدار، حيث تخلّت الأمة عن القيم، واتخذت من الطغاة أولياء، وسكتت عن الباطل حتى ساد. وقد عبّر معاوية نفسه عن هذا المعنى حين قال صراحة: "إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون". هذا التصريح يكشف الجوهر الحقيقي للصراع؛ فلم يكن النزاع بين علي والحسين من جهة، ومعاوية وابنه يزيد من جهة أخرى صراعاً شكلياً على شعائر أو مظاهر دينية، بل كان مواجهة وجودية بين مشروعين متناقضين: مشروع يُراد به إحياء رسالة النبي وبناء دولة العدل الإلهي، ومشروع يستهدف اختطاف الإسلام وتحويله إلى واجهة تُشرعن بها سلطة الاستكبار، وتُورَّث فيها الخلافة كما تُورَّث العقارات والضيَع، ويُختزل الدين في طقوس تُؤدى، بينما تُغتال مقاصده الكبرى في العدالة والكرامة والحرية.

إن الأمة التي تسكت عن الظلم مرة، ستُجبر على السكوت مرات، وستفقد صوتها إلى الأبد. وقد جاء في الحديث: "لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليسلطنّ الله عليكم شراركم، ثم تدعون فلا يُستجاب لكم". هذا التحذير النبوي ليس مجرد تهديد، بل قانون اجتماعي وسنة من سنن الله، لا تتخلف ولا تتبدل.

ومن لم يدفع الظلم في أوله، سيدفع الثمن مضاعفاً في آخره. ومن لم ينصر الحسين، سيسقط في مستنقع الذل تحت أقدام يزيد. ومن لم يقف مع علي، سيجد نفسه مرتهناً لحكم معاوية. فالتاريخ لا يرحم الغافلين، ولا يبرر تقاعس المتخاذلين. من لم يُعدّ العدة للعدل، لا يلومنّ إلا نفسه حين يحكمه الجور.

وهكذا نرى أن كربلاء لم تكن صاعقة من السماء، بل كانت النتيجة الطبيعية لتخلّي الأمة عن نهج النبي وأهل بيته. والذين يظنون أن الأمة يمكن أن تسير بلا وعي ولا مسؤولية ثم تبقى عزيزة كريمة، لم يقرأوا القرآن ولا فهموا التاريخ. فالسنن لا تتغير، والنتائج لا تأتي من العدم، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

ولعل أعظم درس في عاشوراء هو أن الإصلاح لا يبدأ من النتيجة، بل من المقدمة. ومن أراد نصرة الحسين، فليبدأ اليوم برفض الظلم، وبناء القيم، واتباع الصالحين، ومجابهة الباطل في كل مواقعه. فذلك وحده هو طريق النجاة.
فما مرّت به الأمة الإسلامية في صدر تاريخها ليس مجرّد ذكرى نُحييها في كتب السِّيَر أو نندبها في المجالس، بل هو مرآة نرى فيها واقعنا بكل وضوح. فما وقع في التاريخ يعاد اليوم بأشكال مختلفة، ولكن بروح واحدة. فحين نرى كيف تُقصى القيم عن ساحة القرار، ويُستبدل الأخيار بالأشرار، ويُصفق للظالم ويُخوَّن المصلح، ندرك أن الأمة تسير على خطى الماضي، وتسلك نفس الطريق الذي انتهى بكربلاء.

إن ما نعيشه من تشتت وتمزق وتبعية وذلّ، ما هو إلا امتداد طبيعي لتخلي كثير من المسلمين عن سنن الله في الاجتماع، فغياب الميزان القيمي، وركون الناس إلى الطغاة، والتخاذل عن مقاومة الباطل، كلّها أعادت إنتاج المأساة في قالب معاصر. ولولا بقية من الوعي والمقاومة في بعض أقطار الأمة لعمّ السكون، وانطفأت جذوة الحق.

ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من تلك التجربة هو أن الحسين لا يُنصر فقط بالبكاء عليه، بل يُنصر بالانحياز الدائم إلى الحق، وبالوقوف مع القيم وإن خالفت التيار، وبمواجهة الظلم ولو كلفتنا الكثير. إننا اليوم أمام امتحان جديد، قد لا يكون شبيهاً بكربلاء في تفاصيله، لكنه يلتقي معه في جوهره، فإما أن نكون ممن يستعد لنصرة الحق ويصنع مقدماته، أو نكون من الذين يندبون النتيجة بعد فوات الأوان. والخيار بأيدينا.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م