
2025-07-29 996

من الفتنة الكبرى إلى الطائفية المعاصرة
الشيخ معتصم السيد أحمد
من المنعطفات الحاسمة التي غيّرت
مجرى التاريخ الإسلامي وتركَت آثاراً عميقة على مستقبله، ما يُعرف
في كتب المؤرخين بـ"الفتنة الكبرى"، وهي سلسلة من الأحداث التي
انطلقت شرارتها من الثورة على الخليفة عثمان بن عفان وانتهت بقتله،
لتبدأ بعدها موجة من الاضطرابات والانقسامات داخل الوسط الإسلامي.
وقد بلغت ذروتها في معارك كبرى مثل الجمل وصفين والنهروان، وأدت إلى
انقسامات مذهبية حادة، وضعت المسلمين في حالة احتراب دائم، لم تتوقف
ارتداداته حتى اللحظة الراهنة. فقد سخّرت السياسة المعاصرة ما حصل
في التاريخي لتأجيج ساحات الصراع، فتحركت جماعات مقاتلة من شتى
أصقاع الأرض لقتال الشيعة في العراق وسوريا تحت ذريعة "نصرة
الصحابة"، وتحالفت قوى إقليمية لإخماد أي مظهر من مظاهر "النفس
الشيعي" الصاعد في اليمن، بينما رفع الشيعة رايات علي والحسين
وخاضوا معارك شرسة دفاعاً عن كينونتهم ومقدساتهم في وجه التهديدات
المتواصلة.
فالانحراف الذي حصل في مسار
الرسالة بعد سقيفة بني ساعدة، تحوّل مع الزمن إلى صراع مذهبي مزمن،
تدور رحاه اليوم تحت مسميات دينية ومذهبية، بينما جوهره لا يخرج عن
كونه توظيفاً للدين من أجل مكاسب سياسية، فكم من دماء أريقت، وكم من
شعوب سُحقت، لا لشيء إلا لأن هناك من أراد أن يوظف الإسلام، لا
باعتباره ديناً ومبادئ، بل باعتباره أداة لخدمة مشاريع الهيمنة
والسيطرة.
لقد سخرت القوى السياسية المعاصرة،
سواء على مستوى الأنظمة الإقليمية أو المشاريع الدولية، هذا الخلاف
التاريخي في إذكاء نار الطائفية. وشهدنا، خصوصاً في العراق وسوريا
واليمن، اندلاع مواجهات دامية رفعت فيها رايات "الدفاع عن الصحابة"
من جهة، و"الولاء لأهل البيت" من جهة أخرى، وتحركت جيوش ومجاميع
مسلحة تحت هذه العناوين، بينما الوقود الحقيقي لتلك الحروب كان
أجندات سياسية لا علاقة لها بالحب أو البغض، ولا بالإيمان أو
الكفر.
ولم تكن هذه الظاهرة وليدة العصر
الحديث فقط، بل كان لها امتدادها الدموي في التاريخ الإسلامي، حيث
حفلت كتب المؤرخين بذكر مجازر ارتكبت باسم السنة والشيعة. ففي أحداث
سنة 354 هـ يذكر ابن كثير أن بعض أهل السنة اقتحموا مسجد براثا في
بغداد وقتلوا من فيه من الشيعة.
وفي سنة (350هـ) استعان السنة
بالجنود الأتراك والزنوج، وكانوا يسألون المارة عن خالهم، فإن لم
يقولوا معاوية ضربوهم. وكان أهل السنة في مصر إذا أرادوا قتال
الشيعة يصيحون في الطرقات: (معاوية خال علي). وفي سنة (363هـ)، وقعت
فتنة عظيمة حيث عمد بعض أهل السنة إلى مقابلة ما يقوم به الشيعة من
الاحتفال بعيد الغدير والعزاء يوم عاشوراء، وقالوا: (نقاتل أصحاب
علي)، فقتل بسبب ذلك من الفريقين خلق كثير.
وفي سنة (407هـ) ارتكب المعز بن
باديس أفظع المجازر وأكبرها بحق الشيعة في بلدان شمال أفريقيا، حتى
ذكر إنَّ حجم المجازر تسبب في إنقراض الشيعة هناك. وفي سنة (450هـ)
ارتكب السلاجقة مذبحة كبيرة بحق الشيعة في بغداد، وأحرقوا دورهم
ومكتباتهم، وفيها هرب الشيخ الطوسي إلى النجف الأشرف، وأسس حوزتها
العلمية.
وفي سنة (555هـ) أدى التعصب
المذهبي بين الحنفية من جهة والشافعية والشيعة من جهة أخرى في
نيسابور إلى قتل خلق عظيم، ومنهم علماء وفقهاء، وحرق الأسواق
والمدارس والبيوت.
وفي عهد الدولة العثمانية،
أدت فتوى أحد علماء البلاط (الشيخ نوح حكيم الحنفي) إلى مقتل (40-
70 ألف) شيعي في الأناضول (التركية)، و(44 ألفاً) في جبل عامل
(بلبنان) و(40 ألفاً) في حلب (بسوريا) على يد السلطان سليم الأول
(ت: 925هـ)، الذي أمر بقتل الشيعة أينما وجدوا في البلاد العثمانية،
حتى ذُكر إنَّه لم يبق شيعي في حلب، حيث قتل رجالهم وسبيت نساؤهم
وانتهبت أموالهم وأخرج الباقين من ديارهم. وتتضمن فتوى الشيخ نوح
التي ذكرها في كتاب (الفتاوى الحامدية) وجوب مقاتلة الشيعة وكفر مَن
لا يرى ذلك، يقول: «إنَّ هؤلاء -الشيعة- الكفرة البغاة الفجرة جمعوا
بين أصناف الكفر والبغي والعناد وأنواع الفسق والزندقة والإلحاد،
ومن توقف في كفرهم وإلحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم فهو كافر
مثلهم... فيجب قتل هؤلاء الأشرار الكفار تابوا أو لم
يتوبوا».
كل هذه الأحداث تشكل سياقاً
تاريخياً لا يمكن عزله عن واقع الطائفية اليوم، إذ ما تزال النظرة
إلى التاريخ مشوهة ومثقلة بالتحيزات المذهبية، والذي يبدو أن الأزمة
تكمن في تحويل الشخصيات التاريخية إلى رموز مقدسة، والطوائف إلى
قوالب جامدة، بحيث يصبح التشكيك في موقف صحابي معين بمثابة هدم
للإسلام نفسه، لا مجرد مراجعة علمية لموقف سياسي أو واقعة
تاريخية.
فمن يظن أن الفتنة الكبرى مجرد حدث
مضى وانتهى، لا يدرك حجم الامتداد التاريخي الذي تخلّفه الوقائع حين
تُصبح جزءاً من تشكيل الوعي الجمعي للأمة. فالمواقف الراهنة
للمسلمين لا تنفصل عن مواقفهم من وقائع التاريخ، إذ أن الانقسام
القائم بين الشيعة والسنة ليس وليد العصر الحديث، ولا هو ناتج عن
تحولات فكرية في القرن الحادي والعشرين، بل هو ثمرة مباشرة لتراكمات
ثقافية تشكلت منذ لحظة السقيفة، ومرّت بمحطات حاسمة كالثورة على
عثمان، وتبلورت بوضوح في صفّين والجمل، وتمايزت الخطوط واختلفت
الاتجاهات في كربلاء. ومن هنا، فإن ثقافة المسلم المعاصر لا تخرج من
كونها امتداداً للخط العلوي أو الخط الأموي، فالإسلام اليوم هو نتاج
ذلك الماضي الذي لا يمكن تجاوزه أو التغطية عليه.
والإقرار بهذه الحقيقة يُعد الخطوة
الأولى نحو تفكيك الأزمة الطائفية، التي تمزق جسد الأمة الإسلامية.
وإذا أردنا فعلاً أن ننتزع فتيل هذه الأزمة، فعلينا أن نبدأ من
الجذور، أي من السبب الأساسي للاختلاف. ذلك أن استخدام الدين مطية
لأهداف سياسية هو ما خلق هذا التباين العميق، سواء في الماضي أو في
الحاضر. فحين نُميز بين الإسلام كمنظومة قيم ومبادئ خالدة، وبين
التراث الذي يمثل اجتهادات وسلوكيات بشرية، نكتشف أن كثيراً من
الصراعات لم تكن لحماية الدين، بل لتوظيفه. فالسقيفة كانت أول مثال
على توظيف الإسلام لصالح مشروع السلطة، والفتوحات كانت توظيفاً آخر
لصالح الثروة والنفوذ، والفتنة الكبرى لم تخرج عن هذا السياق، إذ
تحولت إلى أداة بيد بني أمية لإحكام سيطرتهم باسم الدين. واليوم، ما
يجري في منطقتنا ليس سوى تكرار لنفس النمط، حيث تُستخدم الرموز
والشعارات الدينية لتمرير مشاريع سياسية إقليمية ودولية.
ومحاولات بعض الأنظمة الإسلامية
إخماد التوتر الطائفي، ليس إلا مسكنات مرحلية، تلجأ إليها السلطة
عندما لا تخدمها حالة التوتر، وسرعان ما تعود نفس تلك الانظمة
لإذكاء نار الطائفية متى احتاجت إلى ذلك. وإذا تأملنا فترات التعايش
والهدوء النسبي بين الطوائف، نلاحظ أنها تزامنت مع حاجة سياسية إلى
ذلك الاستقرار، مما يكشف أن الطائفية لم تكن نتيجة تنازع عقدي بقدر
ما كانت أداة سياسية تُستخدم عند اللزوم. ومن هنا، فإن كسر هذه
الأداة لا يتحقق إلا إذا تحلّى المسلم المعاصر بوعي نقدي يقرأ
التاريخ قراءة علمية، بعيداً عن التقديس والتسليم، وحينها فقط يكتشف
أن كثيراً مما جرى لم يكن بوحي من الإسلام، بل بتوجيه من
السلطة.
فالطائفية التي نشهدها اليوم ليست
سوى امتداد مباشر لصراع السلطة الذي برز وتجلّى بوضوح عقب الفتنة
الكبرى، وأي محاولة جادة لمعالجة هذا الواقع لا يمكن أن تتجاهل
الجذور الأصلية لذلك الانقسام. إذ لا بد من العودة إلى تلك المرحلة
المفصلية، لا بهدف الانتصار لمذهب دون آخر، بل من أجل الانتصار
للحقيقة. فعندما تكون الحقيقة هي بوصلة المؤمن، تتراجع قيمة
الانتماء الطائفي، ويصبح المعيار الحقيقي هو الموقف من المبادئ
والقيم.
ومن يجعل الإسلام رهيناً لتجربة
الخلافة، ويُضفي على شخوصها قداسة تمنع النقد والمراجعة، فإنه يبقى
خاضعاً للأنظمة السياسية التي تستخدم الدين لخدمة مشاريعها الخاصة.
أما من يظن أن توجيه النقد لبعض الصحابة هو تقويض للإسلام، فلن
يستطيع قبول أي صوت يخالفه أو يشكك في روايته. فالعقلية التي لا
تميز بين النص الإلهي المقدس والفعل البشري القابل للنقد، إنما تغرس
بذور الطائفية في عمق الخطاب الديني. وليس دقيقاً أن نعتبر الطائفية
مظهراً لحمية دينية صادقة، بل هي غالباً نتيجة لنظرة مثالية مغلقة
للتاريخ، تُحوِّل المواقف والاجتهادات البشرية إلى عقائد لا تقبل
المساءلة، فالتمسك الأعمى بمواقف تاريخية دون تمحيص، والانتصار
لأشخاص لا لأفكار، فهو ما يغذي الانقسام ويؤجج النزاع.
ولو دققنا النظر في الخطابات التي
تؤجج التوتر الطائفي، لوجدناها قائمة على تجييش الناس ضد من يقترب
من الرموز التاريخية بالنقد أو التساؤل. وقد تحولت هذه الرموز في
وعي العامة إلى خطوط حمراء مقدسة، يُحرَّض الناس على الموت دونها.
والتفكيك بين هذه الرموز وبين الإسلام هو الخطوة الأولى نحو إبطال
مفعول هذا الخطاب التحريضي.
ولا يبدو أن هناك إمكانية اليوم
لإخفاء الموقف الشيعي من بعض الصحابة، كما لا يمكن عملياً ضبط كل
الشيعة ومنعهم من المساس بمقدسات الآخرين، فهذه الأمور باتت معلومة
ومتداولة، تُطبع وتُنشر وتُعرض على الشاشات. والفتاوى التي تحرّم
السب والتهجم ضرورية ومطلوبة، لكنها لا تمحو التباين العميق بين
الطرفين في تقييم الشخصيات التاريخية. وبالتالي، لا حل إلا بمواجهة
هذا الخلاف من خلال نقاش علمي منضبط، يحفظ كرامة الجميع. فلا يحق
للشيعي أن يتجاوز حدود الأدب، ولا يحق للسني أن يصادر الحق في البحث
العلمي، ما دام ملتزماً بوثائق التاريخ ووقائعه.
لقد أثقل هذا الإرث التاريخي كاهل
الأمة، وليس أمام المسلم اليوم إلا أن يواجهه بشجاعة. فلا بد من وعي
ناضج يُفرّق بين الإسلام كمبدأ إلهي خالد، وبين الصحابة باعتبارهم
بشراً خاضعين للنقد والمراجعة.
ومن المناسب في هذا السياق أن أروي
حادثة شخصية وقعت لي خلال إحدى رحلاتي من تونس إلى القاهرة، حيث كان
يجلس بجواري أحد قيادات التيارات الإسلامية الناشطة في ليبيا. في
البداية حاولت تجنّب الدخول معه في أي نقاش ديني، خاصة وأن مظهره
الخارجي يوحي بالتعصب. لكن الرجل لم يترك لي فرصة للسكوت، إذ سرعان
ما بدأ الحديث عن أوضاع العالم الإسلامي وطموحات الإسلاميين بعد
موجة الربيع العربي، فوجدت نفسي مضطراً لمجاراته في الحديث بحذر
شديد.
واستمر الحوار على هذا النحو حتى
جاء على لساني ذكر "إيران الإسلامية"، وهنا تغيّرت نبرة الرجل على
الفور، وقال بلهجة مشحونة بالامتعاض: «هؤلاء روافض أنجاس». فأجبته:
«نحن نتحدث عن السياسة، والسياسة لا دين لها ولا مذهب، فحتى لو
سلّمنا بوجهة نظرك، فهذا لا يغيّر من طبيعة السياسة، تماماً كما
نتعامل مع الأنظمة التي يحكمها البوذيين أو المسيحيين وغيرهم من
أصحاب الديانات الأخرى».
لكن الرجل قاطعني قائلاً: «كل
أولئك لا يشكّلون خطراً حقيقياً على الإسلام كما يشكله الرافضة،
فالتشيع مذهب نشأ لهدم الإسلام من الداخل، وهم أشد خطراً من أي
تهديد خارجي».
حينها تشجعت وقلت له: «ما المشكلة
تحديداً مع الشيعة؟». فأجاب دون تردد: «مشكلتهم أنهم يسبّون
الصحابة، ولا وجود للدين من دون الصحابة».
فطلبت منه أن يتخيل معي رسماً
ذهنياً مكوناً من دائرتين: الأولى تمثل الإسلام ذاته بكل ما فيه من
عقائد وتشريعات، والثانية تمثل الناس الذين يؤمنون بتلك العقائد
ويعتنقونها. ثم سألته: «هل وجود الناس في الدائرة الثانية شرط في
بقاء الإسلام في الدائرة الأولى؟ بمعنى، هل يتوقف وجود الإسلام على
إيمان الناس به؟». فأجاب بثقة ودون تردد: «الإسلام هو الإسلام، حتى
لو لم يُخلق البشر، لأنه الحق، والحق لا يتغير».
فقلت: «جميل. إذن، الصحابة أين
تضعهم؟ في الدائرة الأولى أم الثانية؟»
ففكر قليلاً ثم قال: «طبعاً في
الدائرة الثانية، فهم مؤمنون ومكلفون كبقية الناس».
فقلت: «إذن، ما المشكلة مع الشيعة؟
فهم لا يشككون في الدائرة الأولى، بل يناقشون فقط موقع بعض الأفراد
في الدائرة الثانية، أي في دائرة الناس الذين نختلف حول إخلاصهم أو
انحرافهم، وهم بهذا يختلفون عن اليهود والنصارى الذين وصفتهم بالخطر
الأقل رغم أنهم يكفرون بالدائرة الأولى بأكملها».
فصمت الرجل طويلاً، وقد بدا عليه
أثر الصدمة والذهول. ثم، وبعد نقاش أطول أوضحت فيه كثيراً من
المفاهيم المغلوطة التي ترسّخت في ذهنه، قال لي بصوت أكثر هدوءاً:
«ربما حان الوقت لأن نُعيد النظر في نظرتنا إلى الشيعة، وأعدك أن
أبحث في هذا الأمر بعين محايدة».
وأنا على يقين أن أي شخص يملك بقية
من عقل وإنصاف يمكن أن يُراجع أفكاره إذا طُرحت عليه الحقائق بهذا
الوضوح. أما المتعصب الذي أغلق عقله وقلبه، فسيبقى يغرد خارج سرب
الزمن، حتى تأتي اللحظة التي يكتشف فيها أنه وحده، محاط بجدران من
الجهل والكراهية.
وعليه، فالطائفية ليست انحرافاً
طارئاً، بل هي استمرار لنزاع قديم جُرِّد من أسبابه الحقيقية وأُلبس
لبوس الدين. والسبيل الوحيد للخلاص منها لا يكمن في التستر على
الاختلافات، ولا في الاكتفاء بالدعوة إلى الوحدة الشكلية، وإنما في
مصارحة الذات، والاعتراف بأن جزءاً كبيراً من ماضينا قد تم تسخيره
لمصالح سياسية، وأن هذا الماضي لا يجوز أن يُفرض على الحاضر بقداسة
غير مبررة.
الأكثر قراءة
33820
19585