6 ربيع الاول 1447 هـ   30 آب 2025 مـ 2:16 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2025-08-20   530

المَوْعُودِ بالشهادة قَبْلَ الولادة


السيد علي العزام الحسيني
روى الشيخ الطوسي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) دعاءً يُقرأ يوم ولادة الإمام الحسين (عليه السلام) في الثالث من شهر شعبان، جاء في مطلعه: «اللهم إني أسألك بحق المولود في هذا اليوم، الموعود بشهادته قبل استهلاله وولادته..» (مصباح المتهجد، ص826)، ويفيد كما هو ظاهر أنّ الله تعالى قد وعد الإمام الحسين (عليه السلام) قبل أن يولد بأنّه مقتول مستشهد لا محالة. 

وما من شك أنّ العبارة تدخل في إطار الإخبار الغيبيّ والإنباء عن حدثٍ مستقبليٌّ، وهو أمرٌ له نظائره وأشباهه في الموضوع ذاته، فقد ورد أنّ النبي نعى الإمام الحسين وبكى عليه عند ولادته، ووصف مكان قتله، وزمانها، ومجموع الأخبار في هذا الصدد مستفيضة لدى المسلمين، تعرب كلها عن العلم الإلهي الأزلي في هذا الخصوص. وفي هذا المجال ينقدح سؤالٌ استفهامي، ويثار إشكال اعتراضي:
أما السؤال فيتعلق بمغزى وأهميّة هذا نحو من الإخبار عن الحوادث الجسام قبل وقوعها، فما الفائدة المرجوة لهذا النوع من الإنباءات الغيبية عامة، وما الأثر المبتني على الإخبار المستقبلي عن خصوص قضية سيد الشهداء عليه السلام؟، وأمّا الإشكال فهو أنّه بناءً على هذا الإنباء التفصيلي عن هذه الظلامة بمكانها وزمانها، وعن معسكر الطرفين، وإلخ، فهل يمكن لأحد الطرفين أن تغيّرا مسار الأحداث، ويقلبا المعادلة بحيث لا يقع ما وقع في كربلاء؟!. لا شك أنّ الجواب بالإيجاب يعني عدم مطابقة الإخبار الإلهي ومن ثمّ عدم مطابقة العلم الإلهي للواقع، وهذا كما ترى،! كما أنّ لازم الجواب بالنفي هو سلب الاختيار عن الإنسان، وفيما يلي جواب السؤال، ويتبعه حلّ الإشكال:

إنّ أهمية هذا النوع من الإخبارات الغيبية تكمن في أمرين:
فأولًا- أنّها أحد براهين صدق الوحي، فقد اعتبر العلماء الإنباءات الغيبية التي انطوى عليها القرآن الكريم دليلًا مستقلًا على وحيانيّته، ومعلمًا من معالم صدقيّة النبوّة الخاتمة. يقول السيد الخوئي: «أخبر القرآن الكريم في عدة من آياته عن أمور مهمة، تتعلق بما يأتي من الانباء والحوادث، وقد كان في جميع ما أخبر به صادقا، لم يخالف الواقع في شيءٍ منها. ولا شك في أن هذا من الاخبار بالغيب، ولا سبيل اليه غير طريق الوحي والنبوة، وهناك جملة من الشواهد القرآنية على هذا المعنى، يمكن الاطلاع عليها في مظانها»، (انظر-البيان، ص68)، والكلام بعينه جارٍ فيما يخصّ الإخبارات التي اشتملت عليها الأحاديث الشريفة.

وثانيًا- أنّ هذا النحو من الإخبار يبصّر الأمة بمستقبلها، ويكشف لها عن وظيفتها في التعامل مع الأحداث، فإنّ خبر الغيب، والإنباء عن المستقبل يمكن تقسيمه إلى قسمين: فقسم هو محض خبر، لا يستدعي موقفًا ولا يتعلق به تكليف ولا ينطوي على حثّ ازاء الحدث المخبر عنه، ومن هذا القبيل: إخبار القرآن الكريم في سورة النبأ عن أنّ أبا لهبٍ وزوجته لن يؤمنا وسيدخلان النار، والقسم الآخر، هو ليس إنباءً مجرّدًا، ولا خبرًا محضًا، وإنّما هو إخبار يتطلب موقفًا، ويحدّد تكليفًا، وعلى هذا النحو وقع الإخبار عن قضيّة سيد الشهداء.

خذ على سبيل المثال ما أخرجه أبو نعيم في (دلائل النبوّة) تحت عنوان: إِخْبَارُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذكر حديث أَنَسِ بْنِ الْحَارِثِ أنّه قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا يُقْتَلُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَنْصُرْهُ، قَالَ: فَقُتِلَ أَنَسٌ مَعَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ». (دلائل النبوّة، ص554)، فهذا هو جواب السؤال باختصار.

وفيما يتعلّق بحل الإشكال فيتلخص بما روي من حديث قدسي عن الله تبارك وتعالى: «يا ابن آدم، بمشيئتي كنتَ أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاءُ». (الكافي، ج1ص152) ويتبين مرماه في أمرين:

أولًا- إنّ أحد الفوارق الجوهريّة بين الموجودات المتزمنة المحكومة بالوقت والأين، والواقعة بالضرورة في أفق الزمان، وبين غيرها أنّ الزمانيّات ومنها الحوادث والوقائع كواقعة كربلاء( سنة: 61هـ) تقبل التقسيم بلحاظ الزمان إلى أحداث وقعت في الماضي، وأحداث معاصرة تقع في الحاضر، وأحداث مستقبلية، وأما غيرها كما في الوجود الإلهي منزه عن المكان، منزّه عن الزمان أيضًا، ومن ثمّ فنسبة الزمان والزمانيات (الحوادث) إليه متساوية، لا ماض فيها ولا حاضر ولا مستقبل، وإخباره إنما يكون عمّا هو واقع وكائن، ولا يجري ما يجري، ولايقع ما يقع، إلا بسبب وعلّة، والعلم الإلهي الذي يكشف عنه الإنباء عن الحوادث قبل وقوعه إنّما يتعلق بأسباب الحوادث، وعلل الوقائع، كما يخبر المتنبأ الجوي عن حالة الطقس ودرجات الحرارة، وهطول الإمطار قبل حدوثها نظرًا لاجتماع أسبابها، وتظافر عللها.

ثانيًا- وإنّ أحد أجزاء تلك العلّة التامة لصدور الأفعال والحوادث هي اختيار الإنسان لها، ووقوع إرادته عليها، فالخيار الإنساني، وإرادة الفعل من بني البشر هي أحد أجزاء العلّة التامّة التي يستحيل وقوع الحدث من دونها، وهي أيضًا أحد متعلقات العلم والمشيئة والقضاء الإلهيّة، فقد قضى الله تعالى قضاءً حتمًا، وأراد إرادة تكوينية لا تختلف ولا تتخلف أن تتعلق مشيئته وعلمه وقضاؤه بالفعل الصادر من الإنسان بصدور الفعل الاختياري من الإنسان بقيد الاختيار والحرية، ومثل هذا العلم يوَكّد الاختيار. 

وفي هذا الصدد يذكر العلاّمة الطباطبائي أنّ «العلم الأزلي متعلّق بكلّ شيء على ما هو عليه، فهو متعلّق بالأفعال الاختيارية بما هي اختيارية، فيستحيل أن تنقلب غير اختيارية، غاية الأمر هنا أنّه تعالى كشف للناس عن هذا العلم المتعلق بالحدث قبل وقوعه(واقعة الطف هنا مثالًا) الصادر عن الذوات لا من حيث هي ذوات وفقط، كما الشمس والاشراق، إنّما الصادر عن الذوات المختارة». (انظر-إلهيات السبحاني، ص216)

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م