7 شعبان 1447 هـ   25 كانون الثاني 2026 مـ 1:29 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2026-01-07   198

هل الراحة هي السعادة؟ قراءة إسلامية في فلسفة الألم والمسؤولية


الشيخ مصطفى الهجري


تتصارع الفلسفات والأديان في معنى السعادة الحقيقية، فتبرز رؤى متباينة حول كيفية تحقيق هذه السعادة. بعض هذه الرؤى يدعو إلى الانعزال والهروب من المسؤوليات، بينما يقدم الإسلام منظوراً مختلفاً تماماً يربط السعادة بالتكامل الروحي والنمو الأخلاقي من خلال تحمل المسؤوليات ومواجهة التحديات.


نصيحة الدالاي لاما: الهروب من المسؤولية


في مقطع فيديو مثير للجدل، ينقل الفيلسوف الفرنسي لوك فيري عن "الدالاي لاما" الزعيم الروحي للبوذية قوله: «إذا كنتم تريدون أن تكونوا سعداء فلا تتزوجوا ولا تنجبوا أطفالاً». ويبرر هذا الموقف بأن التعلق العاطفي بالزوجة أو الأولاد، أو تعلق الأولاد بوالديهم، يمنع الإنسان من تحقيق سعادته الشخصية. فالإنسان يبقى في قلق دائم على من يحبهم، ويقضي حياته كلها في السعي لتحقيق سعادتهم ورفاهيتهم، بينما ينسى نفسه تماماً! لذا يرى أن الحكيم الحقيقي هو من لا يتعلق عاطفياً بأحد ولا بشيء.


هذا المنطق يمكن تفهمه إذا اقتصرنا في فهم السعادة على مجرد الشعور بالراحة النفسية وانعدام القيود والأعباء والمسؤوليات في الحياة الدنيا. لكن هل هذا هو المعنى الحقيقي للسعادة؟


المنظور الإسلامي: التكامل لا الراحة


يطرح الإسلام رؤية مختلفة جذرياً، فالغاية من وجود الإنسان في هذه الدنيا ليست مجرد الشعور بالراحة والدعة والسكينة، بل هي تحقيق التكامل الروحي والأخلاقي. وهذا التكامل لا يتحقق إلا من خلال مواجهة مختلف أصناف التحديات والابتلاءات والمسؤوليات. يقول الله تعالى مخاطباً الإنسان: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) الانشقاق: 6.


فالحياة ليست مكاناً للراحة، بل ميدان للكدح والعمل والسعي نحو الله، وهذا الكدح هو الطريق الوحيد للتكامل.


فالقرآن الكريم يؤكد في آيات متعددة أن الابتلاء والامتحان هو السبيل الوحيد لتمحيص النفوس وتنقيتها وتكاملها. يقول تعالى: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) آل عمران: 142.


ويقول عزّ وجل: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا...) آل عمران: 154.


فالابتلاءات والتحديات ليست عقوبات، بل هي فرص ثمينة للنمو الروحي والارتقاء الأخلاقي.


روي في صحيح يعقوب السراج وعلي بن رئاب، عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «والذي بعثه صلّى الله عليه بالحق، لتبلبلنّ بلبلة، ولتغربلن غربلة، حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سباقون كانوا قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا».


هذا الحديث يكشف عن حقيقة مهمة: أن الابتلاءات تكشف معادن الناس، وتعيد ترتيبهم بحسب صبرهم وثباتهم ومواقفهم الحقيقية.


إذا نظرنا بعمق، سنجد فرقاً جوهرياً بين منطقين متناقضين:


الأول: منطق من يواجه المواقف المتعددة والمتكررة التي تتطلب منه صبراً وكظماً للغيظ، أو عفواً ومسامحة، أو شجاعة في الحق، أو رحمة وتعاطفاً مع الآخرين، أو إنصافاً للناس من نفسه، أو غيرها من الكمالات الأخلاقية والقيم الروحية السامية. هذا الإنسان يصقل نفسه يومياً من خلال تحمل المسؤوليات.


الثاني: منطق من يهرب من هذه التحديات والمسؤوليات، وينعزل عن الحياة وعن الناس، متوهماً أن ذلك سيجلب له السعادة والراحة النفسية.


وعليه، فإن منطق الدالاي لاما يُعد في المنظور الإسلامي سبيلاً للهروب من المسؤوليات التي هي في حقيقتها فرص ثمينة، وسبيلاً لفقدان القدرة على اكتساب الكمالات الروحية والقيم الأخلاقية العظيمة التي لا تُكتسب إلا من خلال المواجهة والتحدي.


فالقيمة الأخلاقية الحقيقية تظهر وتتحقق عندما تتطلب الوظيفة أو الموقف من الإنسان أن يضحي بما يحب ويتعلق به، حتى وإن استلزم ذلك ألماً وتعباً ومشقة. فالأب الذي يسهر الليالي على فراش مرض ابنه، والأم التي تضحي براحتها من أجل سعادة أطفالها، والزوج الذي يصبر على مشقة العمل لتوفير العيش الكريم لأسرته - هؤلاء جميعاً يكتسبون من الكمالات الأخلاقية ما لا يمكن أن يكتسبه المنعزل الهارب من المسؤولية.


وفي الختام.. السعادة الحقيقية في المنظور الإسلامي ليست في الهروب من المسؤوليات والتعلقات، بل في تحملها بصبر وإخلاص، وفي تحويل التحديات إلى فرص للنمو والتكامل. الزواج والإنجاب والمسؤوليات الأسرية ليست عوائق أمام السعادة، بل هي المدرسة الحقيقية التي تصقل النفس وتنمي الأخلاق وترتقي بالروح.


فالمؤمن الحقيقي لا يهرب من الحياة، بل يخوض غمارها بكل تحدياتها، واثقاً أن كل ابتلاء هو فرصة للقرب من الله وتحقيق الكمال الذي خُلق من أجله. والسعادة الحقيقية الدائمة لا تتحقق في الدنيا بالهروب من المسؤوليات، بل بأداء الأمانة وتحمل التكليف، وذلك هو الطريق إلى السعادة الأبدية في الآخرة.



جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م