27 رجب 1447 هـ   16 كانون الثاني 2026 مـ 8:39 صباحاً كربلاء
سجل الايام
في مثل هذا اليوم من السنة الأربعين بعد عام الفيل ـ الموافق سنة (610) لميلاد السيد المسيح ـ أي قبل الهجرة النبوية الشريفة بثلاثة عشر عاما، بُعث محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله نبيا يحمل الرسالة الخاتمة ـ الإسلام ـ وكان الإسلام بذلك، أخر الأديان والنبي محمد خاتم الأنبياء والمرسلين
القائمة الرئيسية

2026-01-11   51

حين يسقط القناع: الغرب بين انهيار النظام العالمي وأفول الحارس الحضاري



الشيخ مصطفى الهجري


لم يكن ما شهده العالم في الأشهر الأخيرة مجرد اضطراب سياسي عابر، ولا يمكن اختزاله في شخصية رئيس أمريكي متهور، بل هو انكشاف تاريخي لحقيقة المشروع الحضاري الغربي الذي قدّم نفسه طيلة قرن بوصفه حارس القانون الدولي، وراعي السلم العالمي، ومصدر القيم الكونية.


لقد سقط القناع، وظهر أن القوة حين تتحرر من القيم، لا تنتج نظامًا، بل تعمّم الظلم وتؤسس للفوضى.


النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن بريئًا ولا عادلًا، لكنه كان ـ على الأقل ـ منضبطًا بسقف شكلي من القواعد. غير أن الولايات المتحدة، بوصفها مهندس هذا النظام، كانت أول من داسه حين تعارض مع مصلحتها المباشرة.


اختطاف رؤساء دول، شنّ حروب بلا تفويض شرعي، فرض العقوبات الجماعية، التهديد باحتلال أراضٍ ذات سيادة، والتعامل مع الحلفاء بلغة الإملاء؛ كل ذلك لا يعكس قوة فائقة بقدر ما يعكس انحلالًا أخلاقيًا في مركز القرار الغربي.


وهنا تتجلى الحقيقة التي طالما نبه إليها القرآن: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ الإسراء: 16.


قبِل الغرب ـ وأوروبا على وجه الخصوص ـ بالهيمنة الأمريكية لا حبًا فيها، بل لأنها كانت تؤدي وظيفة مركزية: حماية النظام الذي يخدمهم جميعًا. لكن حين تحولت أمريكا من ضامن إلى مهدد، اكتشف الحلفاء أنهم:


* لا يملكون ردعها عسكريًا

* ولا يستطيعون محاسبتها قانونيًا

* ولا يملكون حتى حماية أنفسهم من ابتزازها


لقد أصبح الغرب يعيش ما عاشته أمم كثيرة من قبل: الخوف من القوة التي لا تخضع لقيد أخلاقي.

وهنا تتحقق سنّة قرآنية أخرى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ آل عمران: 140.


في هذا السياق، ليس من المبالغة القول إن أوروبا بدأت ـ بوعي أو بغير وعي ـ تفك ارتباطها العقائدي بالقيادة الأمريكية.

فالدول التي كانت تعدّ إيران وروسيا والصين أعداءً وجوديين، ستجد نفسها مضطرة إلى:


* تخفيف لهجة العداء الأيديولوجي

* إعادة فتح قنوات الحوار

* تقديم المصالح الاقتصادية والأمنية على الشعارات القيمية


ليس لأن هذه القوى أصبحت عادلة، بل لأن العدو الأخطر بات غير قابل للتنبؤ.


وهذا التحول ليس تعبيرًا عن صحوة أخلاقية، بل عن خوف وجودي من الفوضى الأمريكية.


سعي أوروبا إلى بناء جيش مستقل، أو تقليل الاعتماد على الدولار، أو تنويع شراكاتها الاقتصادية، لا يعكس تحررًا حقيقيًا، بل محاولة للاحتماء من سطوة الحليف قبل الخصم.


غير أن المشكلة أعمق من الأدوات؛ إنها أزمة منظومة قيم.

فالغرب الذي أسّس علاقاته الدولية على المنفعة المجردة، لا يملك اليوم لغة أخلاقية بديلة حين تنهار القوة.


وهنا يتجلى الفرق الجوهري بين:


* حضارة تؤسس قوتها على الحق

* وحضارة تؤسس حقها على القوة


هل ينهار الغرب أم يعاد تشكيله؟


نحن لا نشهد نهاية الغرب ككيان جغرافي، بل نهاية مركزيته الأخلاقية.

فالإنسان الغربي اليوم:


* فاقد للثقة في مؤسساته

* شاك في قيمه

* خائف من مستقبله


وفي المقابل، تصعد حضارات أخرى ـ كالصين ـ لا بديلًا أخلاقيًا بالضرورة، لكنها تقدم نموذجًا أكثر انسجامًا مع منطق القوة الواقعية.


أما الأمة الإسلامية، فإنها مطالبة اليوم ـ أكثر من أي وقت مضى ـ بأن تقرأ هذا الانهيار قراءة سننية لا انتقامية:

 فالحضارات لا تسقط لأن غيرها قوي، بل لأنها تفقد مبرر وجودها. وقد صدق الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ آل عمران: 139.


ما بعد الغرب ليس فراغًا بل امتحانًا


سقوط القناع الغربي لا يعني قيام عالم عادل تلقائيًا، بل يعني انكشاف الصراع الحضاري على حقيقته.

إنه امتحان للأمم: هل تعيد إنتاج الظلم باسم القوة؟ أم تؤسس حضورها على الحق والعدل؟


فالسنن لا تحابي أحدًا، ومن لا يتعلم من سقوط غيره، سيكون هو الفصل القادم في التاريخ.



جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م