8 شعبان 1447 هـ   27 كانون الثاني 2026 مـ 6:22 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2026-01-26   24

الولاية بوصفها مساراً أخلاقياً لبناء الطمأنينة


الشيخ معتصم السيد أحمد

يقدّم القرآن الكريم فهماً مختلفاً للطمأنينة والأمان، إذ لا يربطهما بغياب المشكلات أو توفر الظروف المريحة، بل يجعلهما نتيجة لوضعٍ أخلاقي ومعنوي محدّد، حين يقرر قاعدة عامة غير خاضعة للظروف ولا محصورة بالحالات الاستثنائية: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فالآية لا تنفي الخوف والحزن بوصفهما مشاعر إنسانية عابرة، بل تشير إلى حالة أعمق تتعلق بطريقة فهم الإنسان للعالم، وبالموقع الذي يختاره لنفسه فيه، وبالمرجعية التي ينطلق منها في تفسير الأحداث وتقويم المصائر.

الخوف والحزن من أكثر المشاعر الإنسانية شيوعاً، وهما في الغالب نتاج تصور معين للوجود، يقوم على الشعور بالتهديد الدائم، وعلى القلق من فقدان ما نملك أو ما نطمح إليه. وكلما ازداد تعلّق الإنسان بما هو محدود وزائل، تضاعف خوفه من الفقد، واشتد حزنه عند الوقوع فيه. من هنا، لا يمكن فهم نفي الخوف والحزن عن أولياء الله إلا في سياق إعادة بناء علاقة الإنسان بالله وبالدنيا وبذاته في آنٍ واحد.

الولاية، في هذا الإطار، لا تُفهم بوصفها حالة غيبية مبهمة أو مقاماً خاصاً يُنال بالادعاء، بل هي نتيجة طبيعية لمسار أخلاقي ومعرفي طويل، يفضي إلى نوع من الانسجام الداخلي بين ما يؤمن به الإنسان وما يعيشه فعلياً. وليّ الله هو الذي لم يعد يعيش التناقض بين عقيدته وسلوكه، ولا الانفصام بين معرفته النظرية وخياراته العملية. وحين يزول هذا التناقض، تزول معه كثير من مصادر القلق الوجودي.

من هنا تتضح دلالة ما جاء في الأثر: «تخلّقوا بأخلاق الله». فالتخلّق هنا ليس دعوة صوفية فضفاضة، ولا خطاباً وعظياً مجرداً، بل هو تأسيس لمنهج أخلاقي واضح المعالم. الله تعالى، بحسب الرؤية القرآنية، هو مصدر القيم الكلية، وما يُطلب من الإنسان ليس أن يدّعي هذه القيم، بل أن يسعى إلى تجسيد الممكن منها في حدود إنسانيته. فكما أن الله كريم، يُطلب من الإنسان أن يكون كريماً، لا بوصف الكرم سلوكاً اجتماعياً محبّباً فحسب، بل بوصفه تعبيراً عن التحرر من عبودية الشح والخوف من النقص. وكما أن الله عليم، يُطلب من الإنسان أن يكون طالباً للعلم، لأن الجهل أحد أهم مصادر الانغلاق والتعصب والاضطراب.

غير أن هذا التخلّق ليس مفتوحاً بلا ضوابط، فليست كل الصفات الإلهية قابلة للاقتداء، ولا كل المعاني صالحة لأن تُنقل إلى الإنسان على نحوٍ مباشر. فصفات كالجبروت والتكبر لا يجوز للإنسان أن يتقمصها أو يدّعيها، لأن الله هو المتكبر بحق، أي الذي له الكمال المطلق والاستغناء التام، أما الإنسان فحين يتكبر على الناس إنما يتجاوز حدّه الوجودي، ويتحوّل تكبره إلى وهمٍ يعكس هشاشته لا قوته.

غير أن هذا لا يعني أن كل مظاهر التكبر مرفوضة على الإطلاق، إذ يميّز المنطق الأخلاقي الإسلامي بين التكبر بوصفه تعالياً فارغاً، وبين ما ورد في الأحاديث من أن «التكبر على المتكبر عبادة». فالتكبر في هذه الحالة لا يُراد به ادعاء العلو أو احتقار الآخر، بل هو موقف أخلاقي يهدف إلى كسر منطق الاستعلاء الزائف، ومنع المتكبر من تحويل غروره إلى أداة إذلال للآخرين. 

إنه ليس تعبيراً عن تضخم الأنا، بل عن حماية الكرامة الإنسانية وردع السلوك القيمي المنحرف.

ومن هنا، يتضح أن المعيار في الحكم على السلوك ليس شكله الخارجي، بل دوافعه ووظيفته الأخلاقية. فالتكبر المذموم هو ذاك الذي يصدر عن وهم التفوق، أما التكبر المشروع في قبال المتكبر فليس سوى صورة من صور التواضع الواعي للحق، والوقوف في وجه اختلال القيم، فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «التكبر على المتكبرين هو التواضع بعينه». وهذا التمييز الدقيق بين الصفات التي يجوز الاقتداء بها، وتلك التي لا يُسمح للإنسان بادعائها إلا في حدودها الوظيفية، يكشف عن عمق الرؤية الإسلامية للإنسان، بوصفه كائناً محدوداً يُطلب منه الكمال الأخلاقي، لا التعالي الوجودي. 

وفي هذا السياق، يمكن فهم أولياء الله في الأرض بوصفهم نماذج حية لهذا التوازن الدقيق. فهم ليسوا معصومين من الألم، ولا منفصلين عن الواقع، لكنهم يمتلكون قدرة خاصة على تحويل القيم إلى ممارسة، والمبادئ إلى سلوك يومي. ولهذا حين سُئلت إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وآله عن أخلاقه، لم تلجأ إلى تعداد الفضائل واحدة واحدة، بل اختصرت الجواب بعبارة جامعة: «كان خلقه القرآن». أي أن القرآن لم يكن عند النبي نصاً يُتلى فحسب، بل كان مرجعية سلوكية حاضرة في تفاصيل حياته اليومية.

هذا الفهم يحرر مفهوم القدوة من التقديس الشكلي، ويعيده إلى معناه الحقيقي. فالنبي لم يكن قدوة لأنه يمتلك صفات خارقة، بل لأنه جسّد القيم التي دعا إليها دون انفصال بين القول والفعل. وهذا ما يجعل الاقتداء به ممكناً، لا بمعنى المساواة، بل بمعنى السير على الاتجاه نفسه، ضمن حدود الطاقة البشرية.

ويتجسّد هذا الامتداد الأخلاقي بوضوح في سيرة الإمام علي عليه السلام، وفي المسار العام للأئمة من أهل البيت عليهم السلام، الذين لم يكونوا مجرّد شخصيات تاريخية تُستحضر عند الذكرى، بل نماذج عملية لتجسيد القيم التي أرادها الله للإنسان في واقع الحياة. فحياتهم لم تُبنَ على لحظات استثنائية معزولة، ولا على مواقف رمزية طارئة، بل كانت مساراً متواصلاً من الاختيارات الواعية، يعكس فهماً عميقاً لمعنى العبودية، وحدود الإنسان، ومسؤوليته الأخلاقية في الأرض.

فالإمام علي عليه السلام، في موقعه السياسي كما في حياته الخاصة، لم يتعامل مع القيم بوصفها شعارات تُرفع، بل بوصفها التزاماً عملياً لا يسقط بتغيّر الظروف. عدله لم يكن خطاباً نظرياً، بل ممارسة يومية، وزهده لم يكن انسحاباً من الواقع، بل تحرراً من هيمنته، وشجاعته لم تكن اندفاعاً، بل وعياً بالمسؤولية. ومن هذا المنطلق، لم يكن الأئمة من بعده سوى امتدادٍ لهذا النموذج، حيث حافظوا على جوهر الرسالة الأخلاقية نفسها، وإن اختلفت السياقات والظروف.

وما يجمع هؤلاء الأئمة، على اختلاف أزمنتهم وتجاربهم، هو أنهم لم يجعلوا الولاية حالة منفصلة عن السلوك، ولا ربطوها بالانتصار الظاهري أو النجاح السياسي، بل بالثبات على القيم في أحلك الظروف. كانت ولايتهم لله تتجلى في صلاتهم، وفي تعاملهم مع الناس، وفي إدارتهم للخلاف، وفي قدرتهم على الفصل بين الموقف المبدئي والانفعال الشخصي. ومن هنا، لا يمكن اختزال تجربتهم في أحداث كبرى فقط، بل ينبغي فهمها بوصفها مشروعاً أخلاقياً متكاملاً، يقدّم للإنسان نموذجاً عملياً لمعنى التخلّق، لا ادّعاءه.

وبهذا الفهم، تصبح سيرة الإمام علي والأئمة من أهل البيت معياراً لفهم الولاية بوصفها التزاماً أخلاقياً واعياً، لا مقاماً غيبياً معزولاً عن الواقع، ولا صفة تُكتسب بالانتساب، بل مساراً يُبنى بالمعرفة، والاختيار، وتحمل المسؤولية أمام الله والناس.

إن أولياء الله، بهذا المعنى، لا يعيشون خارج الألم، لكنهم لا يُهزمون به. ولا يُعفون من مواجهة الواقع، لكنهم لا يفقدون بوصلتهم فيه. فهم يدركون أن الخوف الحقيقي ليس من فقدان الدنيا، بل من فقدان المعنى، وأن الحزن الحقيقي ليس على ما فات، بل على ما يُفرّط فيه الإنسان من قيمه وهو حي.

وعندما يقرر القرآن أن هؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فهو لا يَعِدهم بحياة بلا ابتلاء، بل بحياة بلا ضياع. حياة يكون فيها الابتلاء جزءاً من الطريق، لا علامة على العبث. وهنا تكمن الطمأنينة التي لا تُشترى، ولا تُفرض من الخارج، بل تُبنى من الداخل، عبر مسار طويل من التخلّق، والوعي، والالتزام.

photo_2026-01-26 3

photo_2026-01-26 3

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م