8 شعبان 1447 هـ   27 كانون الثاني 2026 مـ 6:18 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2026-01-26   26

أزمة القدوة في العصر الحديث: حين تُستبدل النماذج بالنجوم


الشيخ معتصم السيد أحمد

لا تتشكّل شخصيّة الإنسان في الفراغ، ولا تنمو خياراته بمعزل عن النماذج التي تحيط به. فقبل أن يكتسب الإنسان قناعاته الفكرية، يكون قد تشبّع – من حيث يشعر أو لا يشعر – بأنماط سلوكية رآها تتكرّر أمامه، وأشخاصٍ منحهم عقله ووجدانه موقع “النموذج”. ولهذا فإن سؤال القدوة ليس سؤالاً أخلاقياً ثانوياً، ولا موضوعاً وعظياً يمكن تجاوزه، بل هو سؤال بنيوي يتعلّق بكيفية تشكّل الوعي الفردي والجماعي، وبالطريقة التي تنتقل بها القيم من مستوى الفكرة إلى مستوى السلوك.

المجتمعات لا تُربّى بالمبادئ المجرّدة وحدها، بل تُربّى بالنماذج. فالإنسان يتعلّم ما يراه أكثر مما يتعلّم ما يُقال له، ويكتسب معاييره من الواقع المعاش لا من النصوص المعزولة. ومن هنا، حين نبحث في أزمات القيم، أو في اضطراب السلوك، أو في ازدواجية المعايير لدى الأجيال الجديدة، فإن السؤال الأصدق لا يكون: ما الذي نعلّمه؟ بل: من الذي نقدّمه بوصفه مثالاً يُحتذى؟

الإشكال في زمننا الراهن لا يتمثّل في غياب القدوة، بل في اختلال مفهومها. فالقدوة لم تختفِ، لكنها تحوّلت. لم تعد تُبنى على العمق الأخلاقي، ولا على الاتساق بين القيم والسلوك، بل أُعيد تعريفها وفق منطق الشهرة، والانتشار، والقدرة على لفت الانتباه. وهكذا انتقل مركز الثقل من “النموذج” إلى “النجم”، ومن الإنسان الذي يُحتذى به إلى الشخصية التي تُستهلك بصرياً وإعلامياً.

في هذا السياق، لم تعد وسائل الإعلام وشبكات التواصل مجرّد ناقل للصور، بل أصبحت مصنعاً للقدوات. تُنتج شخصيات، وتعيد تدويرها، وتضخّم حضورها، ثم تترك الوعي الجمعي – وخصوصاً وعي الشباب – يتماهى معها دون مساءلة. لا يُسأل عن منظومة القيم التي تمثّلها هذه الشخصيات، ولا عن نمط حياتها، ولا عن أثرها التربوي، بل يكفي أن تكون “ناجحة” وفق معايير السوق، حتى تُمنح شرعية النموذج.

وهنا تكمن المعضلة. فالنجاح، حين يُفصل عن المعنى، يتحوّل إلى قيمة فارغة. والشهرة، حين تُنزَع من سياقها الأخلاقي، تصبح سلطة ناعمة تُعيد تشكيل الوعي دون مقاومة. والقدوة، حين تُختزل في الإنجاز الجزئي أو الحضور الصاخب، تتحوّل من أداة بناء إلى عامل تشويه.

إن أخطر ما في القدوات المصنّعة أنها تقدّم نموذجاً مبتوراً للإنسان. تُظهر القوة دون مسؤولية، والحرية دون التزام، والنجاح دون ثمن أخلاقي. فينشأ وعي مشوّه، يربط القيمة بالظهور، ويقيس الذات بميزان المقارنة السطحية، ويستبدل السؤال الأخلاقي بسؤال الشعبية. وحين يتكرّس هذا النموذج، لا يعود مستغرباً أن نرى جيلاً مرتبكاً، واسع الاطلاع، لكنه هشّ المعايير، سريع الانبهار، ضعيف القدرة على التمييز بين المعنى والزيف.

في المقابل، حين ننظر إلى التراث الإنساني والديني، لا بوصفه ماضياً مقدّساً، بل بوصفه خزاناً للتجربة الإنسانية، نكتشف تصوراً مختلفاً جذرياً لمفهوم القدوة. فالقدوة هنا ليست صورة مثالية بعيدة عن الواقع، ولا بطلاً أسطورياً خارج شروط الحياة، بل إنسان عاش القيم في تفاصيل يومه، وواجه تناقضات الواقع دون أن يتخلّى عن بوصلته الأخلاقية.

في الرؤية الإسلامية، لا تُقدَّم القدوة بوصفها موقفاً استثنائياً فقط، بل بوصفها أسلوب حياة متكامل. ولهذا لم يكن التركيز على البطولة المجتزأة، بل على “الأسوة الحسنة”، أي النموذج الذي يمكن الاقتداء به في العادي قبل الاستثنائي، وفي الحياة قبل الموت. فالإنسان لا يحتاج فقط إلى من يعلّمه كيف يواجه الظلم في لحظة فاصلة، بل يحتاج إلى من يعلّمه كيف يعيش بكرامة حين لا تكون المعركة ظاهرة، وكيف يحافظ على قيمه في تفاصيل الحياة اليومية.

من هنا، يصبح اختزال القدوة في مشهد نهائي خطأً منهجياً. فالعظمة لا تُصنع في اللحظة الأخيرة، بل تُبنى عبر مسار طويل من الاتساق الداخلي. وما يُدهش في التجارب الإنسانية الكبرى ليس لحظة التضحية وحدها، بل الطريق الذي قاد إليها، والأخلاق التي أحاطت بها، والانسجام العميق بين الداخل والخارج.

وعندما نتأمّل في سيرة الإمام الحسين عليه السلام من هذا المنظور، نكتشف أننا أمام نموذج مختلف تماماً عمّا تروّجه ثقافة البطولة السطحية. فالحسين لم يكن قدوة لأنه وقف في وجه الظلم فقط، بل لأنه عاش المبدأ قبل المواجهة، وحمل المسؤولية قبل الصدام، وجسّد القيم في حياته الخاصة قبل أن يعلنها في موقفه العام. ثورته لم تكن انفجاراً لحظياً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الصدق والوعي وتحمل الأمانة.

الأهم من ذلك أن هذا النموذج لا يقدّم إنساناً منقطعاً عن واقعه الإنساني. فالحسين لم يفصل بين القوة والرحمة، ولا بين القيادة والحنان، ولا بين الصلابة الأخلاقية والصدق العاطفي. كان قدوة في البيت كما كان في الميدان، في علاقته بأسرته كما كان في موقفه من السلطة، في تفاصيل الحياة اليومية كما في لحظة المواجهة الكبرى. وهذه النقطة بالذات هي ما يجعل القدوة هنا قابلة للاقتداء، لا مجرد رمز يُمجَّد.

إن المجتمع الذي يقدّم قدوات مجتزأة، أو رموزاً مشحونة عاطفياً دون عمق إنساني، إنما يهيّئ الأرضية لوعي مأزوم. أما المجتمع الذي يعيد تعريف القدوة بوصفها اتساقاً بين الفكرة والسلوك، فإنه يمنح أفراده معياراً واضحاً للاختيار. معياراً لا يُقاس بعدد المتابعين، ولا بسطوع الصورة، بل بقدرة النموذج على تحويل القيم إلى ممارسة.

من هنا، فإن إعادة الاعتبار لمفهوم القدوة اليوم ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. لأن أزمة المعنى التي يعيشها الإنسان المعاصر ليست ناتجة عن نقص المعلومات، بل عن غياب النموذج الصادق. الإنسان يعرف الكثير، لكنه لا يعرف من يكون. يرى آلاف الصور، لكنه لا يجد ما يستحق أن يُحتذى. يسمع خطابات أخلاقية كثيرة، لكنه لا يرى من يجسّدها.

وتحرير الوعي من سطوة القدوات الزائفة لا يكون بالمنع ولا بالتخويف، بل ببناء البديل. فالإنسان لا يتخلّى عن نموذج إلا إذا وجد ما هو أصدق وأعمق وأكثر انسجاماً مع إنسانيته. وحين تُقدَّم النماذج الدينية والإنسانية الكبرى بوصفها مسارات حياة لا أساطير بعيدة، تتحوّل القدوة من عبء ثقيل إلى طاقة بناء.

في هذا المعنى، يصبح الاقتداء فعلاً واعياً، لا تقليداً أعمى، واختياراً أخلاقياً، لا خضوعاً نفسياً. ويصبح الإنسان، من خلال القدوة الصحيحة، أكثر قدرة على أن يكون نفسه، لا نسخة مشوّهة من الآخرين. وحين تستعاد القدوة بهذا الفهم، يمكن للمجتمع أن يعيد ترميم بوصلته الأخلاقية، وأن ينتج وعياً متماسكاً، قادراً على التمييز بين الشهرة والمعنى، وبين الصورة والحقيقة، وبين الزيف والإنسان.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م