8 شعبان 1447 هـ   27 كانون الثاني 2026 مـ 1:36 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2026-01-26   26

لماذا يذكّر القرآن بضعف الإنسان؟ قراءة عقدية


الشيخ مصطفى الهجري

يقف الخطاب القرآني من الإنسان موقفاً مغايراً تماماً لما تروّج له الفلسفات الإلحادية والإنسانوية الحديثة، التي تنطلق من فكرة مركزية مفادها أن الإنسان هو محور الكون ومرجع القيم ومصدر التشريع والمعنى. فالقرآن، على العكس من ذلك، يتعمّد منذ البداية تفكيك وهم «الإنسان المطلق»، ويعيده إلى حقيقته الوجودية، مذكِّراً إياه بأصله، وضعفه، وتقلبه، وقابليته للانحراف إذا انفصل عن الوحي.

ومن هنا نلحظ أن لفظ «الإنسان» في القرآن لا يَرِد غالباً إلا مقروناً ببيان نقصٍ أو ضعف، كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا﴾ [يونس: 12]، وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34]، وقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]. وهذا الوصف القرآني ليس انتقاصاً من قيمة الإنسان، بل تفكيكٌ لادعاء الكمال الذاتي الذي يقوم عليه الإلحاد الحديث.

إن الإلحاد، في جوهره، ليس نفياً للإله بقدر ما هو إعادة إنتاج للألوهية في صورة الإنسان نفسه؛ فالإنسان حين يرفض الخضوع لإرادة متعالية، لا يتخلص من فكرة الإله، بل يستبدلها بإله جديد: العقل، أو الرغبة، أو القوة، أو الدولة، أو الذات. وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى بدقة حين قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23].

ويكشف التاريخ أن تأليه الإنسان ليس ظاهرة طارئة، بل نزعة قديمة متجذرة. فقد كانت البشرية في بداياتها أمة واحدة على التوحيد، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: 213]، ثم بدأ الانحراف عندما تحوّل الإنسان من عبدٍ لله إلى مركزٍ للقداسة. فظهرت فكرة تأليه الملوك في حضارات وادي الرافدين ومصر القديمة، حيث نُسبت الصفات الإلهية للحاكم، وبُنيت المعابد، وقُدّمت القرابين، وصار الإنسان معبوداً من دون الله.

ويعيد الفكر الإلحادي المعاصر إنتاج هذا النموذج، لكن بلغة مختلفة؛ إذ يُقصي الإله من السماء ليُجلس الإنسان مكانه، فيجعله مشرّع القيم، وحَكَم الحقيقة، وصاحب السيادة المطلقة على الحياة والموت والمعنى. والنتيجة، كما يشهد القرن العشرون والحادي والعشرون، ليست تحرير الإنسان، بل تحوّله إلى كائن متوحش، تُبرَّر باسمه الحروب، والإبادات، والاستبداد، باسم «الإنسان» نفسه.

وتكشف قصة قوم نوح عن الآلية النفسية لهذا الانحراف؛ إذ لم يبدأ الشرك بعبادة الحجر، بل بتقديس الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23]. فقد كانت هذه أسماء رجال صالحين، تحوّلوا مع الزمن من رموز أخلاقية إلى آلهة تُعبد، وهو المسار ذاته الذي تسلكه الحداثة حين تحوّل القادة والمفكرين والأفكار إلى «مقدسات» لا تُمس.

ومن هنا يتضح أن التوحيد في الرؤية القرآنية ليس مجرد عقيدة غيبية، بل ضرورة أخلاقية وحضارية؛ لأنه يضع حداً لطغيان الإنسان على الإنسان، ويمنع تحويل القوة أو العقل أو الهوى إلى إله. فالقرآن حين يُنزِل الإنسان من عرش الألوهية الوهمية، لا يُهينه، بل يحميه من نفسه، ويعيده إلى موقعه الحقيقي: عبداً لله، مكرّماً بالمسؤولية، لا معبوداً يدمّر العالم باسم حريته.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م