8 شعبان 1447 هـ   27 كانون الثاني 2026 مـ 6:16 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2026-01-26   26

الأخلاق بوصفها هوية الإنسان ومعنى وجوده


الشيخ معتصم السيد أحمد

كثيرة هي الأسئلة التي تُطرح في ميدان الأخلاق، حتى ليُخيَّل للمتأمل أن هذا الحقل لا نهائي في قضاياه وإشكالاته، غير أن التدقيق يكشف أن أصول هذه الأسئلة محدودة، وأن تنوّعها إنما يعود إلى اختلاف السياقات والأهداف والظروف التي تُثار فيها. فالأسئلة الأخلاقية، مهما تنوّعت صيغها، تعود في جذورها إلى تساؤلات كبرى تتعلق بماهية الأخلاق نفسها، وبطبيعتها، وبموقعها من حياة الإنسان: ما الأخلاق؟ هل هي ثابتة أم متحوّلة؟ وهل هي ضرورة للحياة الإنسانية أم مجرد ترف فكري يمكن الاستغناء عنه؟

وقبل محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من التوقف عند نقطة البداية الصحيحة، وهي تشخيص ماهية الإنسان تشخيصاً واقعياً. فالأخلاق ليست فكرة معلّقة في الفراغ، ولا منظومة معزولة عن الواقع الإنساني، بل هي قيمة لا تكتسب معناها إلا من خلال تفاعلها مع الإنسان بوصفه كائناً أخلاقياً. ومن هنا فإن أي حديث عن الأخلاق لا ينطلق من فهم الإنسان ذاته، سيبقى حديثاً ناقصاً، أو أقرب إلى التنظير المجرد الذي لا يلامس جوهر المشكلة.

الإنسان، في تكوينه العميق، يحمل في داخله قابلية مزدوجة: كوامن للخير، وأخرى للشر. هذه الازدواجية ليست عيباً في الخلقة، بل هي شرط الامتحان ومعنى الاختيار. فإذا أُثيرت الكوامن الخيّرة ظهر الخير في سلوكه وتصرفاته، وإذا أُثيرت الكوامن الشريرة ظهر الشر بكل صوره. وقد خُلق الإنسان ليُختبر في هذا المجال تحديداً: أن يختار بين طريقين يعرفهما معاً، ويحسّ بهما معاً، ويتأثر بهما معاً. فهو يعرف الخير، ويميل إليه، ويتطلع نحوه، كما يعرف الشر، وقد يلجأ إليه لإشباع رغباته وأنانيته، بل قد يبلغ به النزوع إلى الخير حدّ العشق والتضحية والشهادة، كما قد يبلغ به النزوع إلى الشر حدّ العشق أيضاً، ولكن عشقاً مدمّراً ينتهي به إلى الانتحار المعنوي أو المادي.

غير أن هذه القابلية المزدوجة لا تعمل في فراغ، بل تتأثر بالجو والمحيط والظروف الاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها الإنسان. ومع ذلك، فإن الإنسان ليس مجرد كائن منفعِل بهذه الظروف، بل هو فاعل فيها أيضاً. يستطيع أن يستسلم لها، كما يستطيع أن يتحدّاها، وأن يمضي في الاتجاه المعاكس لما تفرضه. ومن هنا تتجلى مركزية الإرادة الإنسانية؛ فإرادة الإنسان هي التي تتحكم في ميوله واختياراته، وهي التي تمنحه القدرة على تجاوز الظروف أو الخضوع لها.

لكن هذا كله لا يكون مفهوماً ولا معقولاً ما لم نفترض وجود مرجعيات أخلاقية فطرية تشكّل الأساس الذي تُبنى عليه الاختيارات. فلو لم يكن في داخل الإنسان معيار سابق على التجربة، لما أمكن الحديث عن مسؤولية، ولا عن محاسبة، ولا عن اختيار حقيقي. ومن هنا ينفتح أمامنا مبدأ أساسي، وهو أن كل إنسان مفطور على الإيمان بقواعد أخلاقية ثابتة، لا تختلف في جوهرها من إنسان إلى آخر، ولا تتبدل بتبدل البيئات والثقافات.

فالإنسان الذي يعيش في بيئة صالحة لا يختلف في فطرته عن الإنسان الذي يعيش في بيئة فاسدة، والإنسان الذي نشأ في مجتمع متدين لا يختلف في أصل فطرته عن الإنسان الذي نشأ في مجتمع لا ديني. الفطرة واحدة، وإن اختلفت المؤثرات. وبهذا تثبت الحجة على جميع الناس؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يتذرع يوم الحساب بالظروف أو الإغراءات أو الضغوط، لأن الأصل الأخلاقي المغروس في داخله لم يكن غائباً عنه في أي مرحلة من مراحل حياته.

هذه القواعد الفطرية هي ما نسمّيه بالأخلاق أو الفضائل أو المناقب، وهي تمثل المشترك الإنساني بين جميع البشر. فهي شبيهة بالمشتركات البيولوجية في وظائف الأعضاء وقواعد الصحة العامة. فالعلم الذي يحكم صحة الإنسان واحد، وإن اختلفت بعض التفاصيل الجزئية من بيئة إلى أخرى. كذلك الأخلاق، أصولها واحدة، وإن اختلفت بعض تطبيقاتها الجزئية. ومهما تطورت الحياة، وتبدلت العادات والتقاليد، تبقى هوية الإنسان واحدة لا يطرأ عليها تغيير جوهري.

فالإنسان، بما هو إنسان، وفي أي زمان أو مكان، يحب العدل ويكره الظلم. ولهذا نجد أن جميع الأمم، على اختلاف حضاراتها وثقافاتها، تعتبر السرقة فعلاً قبيحاً، والكذب سلوكاً مذموماً، والخيانة رذيلة. قد تختلف التبريرات، وقد تتلوّن الممارسات، لكن المبدأ العام ثابت في نظر العقلاء. صحيح أن فطرة بعض الأفراد قد تتلوث إلى الحد الذي يرون فيه القبيح حسناً والحسن قبيحاً، غير أن الحديث هنا ليس عن الحالات الفردية الشاذة، بل عن المبدأ العام الذي اتفقت عليه الإنسانية بوصفها جماعة من العقلاء.

ومن هنا نفهم لماذا سعت القوانين والأنظمة التي تعارفت عليها الدول، في معظمها، إلى مراعاة هذه المبادئ الأخلاقية الأساسية. كما نفهم لماذا يشعر الإنسان، على المستوى الشخصي، بتأنيب داخلي عندما يخطئ، وبراحة داخلية عندما يحسن. هذا الصوت الداخلي هو الفطرة، وهو الضمير الذي يقول “لا” عندما تُثار الكوامن الشريرة، ويقول “نعم” عندما تُثار الكوامن الخيّرة.

وما يميز الإنسان عن الحيوان في هذا السياق هو امتلاكه للإرادة والاختيار. فالحيوان قد يتبع أنماطاً سلوكية معينة، وقد يظهر سلوكاً يبدو منضبطاً أو منظماً، لكنه يفعل ذلك بدافع الغريزة لا بدافع الوعي. أما الإنسان، فإن اختياره لا يكون اختياراً حقيقياً إلا إذا كان قادراً على التقييم والتمييز. ومن هنا كانت المعرفة شرطاً أساسياً لعمل الفطرة. فالفطرة من دون معرفة تتحول إلى مجرد غريزة، بينما الفطرة الواعية هي التي تنتج السلوك الأخلاقي المسؤول.

إن تمرد الإنسان على هذه القواعد الفطرية لا يضر الآخرين فحسب، بل يضر الإنسان نفسه قبل كل شيء. فالله، بحسب الرؤية الإيمانية، خلق الخلق وهو غني عنهم، ولم يطلب منهم طاعة ليكمل نقصاً، ولا عبادة ليجلب لنفسه نفعاً. إنما جعل القيم والأوامر والنواهي طريقاً لصلاح الإنسان وسعادته. فالسعادة الحقيقية ليست في المكاسب الآنية، ولا في الإشباعات السريعة، بل في أن يجد الإنسان إنسانيته، وأن يعيش منسجماً مع قيمه العميقة. وقيمة الإنسان، في نهاية المطاف، ليست بما يملك، بل بما يحمل من قيم.

ولهذا تمثل الأخلاق أقرب الطرق لتحقيق مصلحة الإنسان العامة والخاصة. فهي تشبه في ذلك القواعد الصحية؛ فكما أن مخالفة قواعد الصحة تؤدي إلى أضرار عامة وخاصة، كذلك مخالفة القواعد الأخلاقية تؤدي إلى أضرار لا تقل خطورة. فعدم الالتزام بالأخلاقيات في العلاقات الإنسانية، ومنها العلاقة بين الرجل والمرأة، لا يختلف في نتائجه الكارثية عن عدم الالتزام بقواعد النظافة والصحة العامة. وكما تؤدي الفوضى الصحية إلى انتشار الأوبئة، تؤدي الفوضى الأخلاقية إلى انتشار الانحرافات والأمراض الاجتماعية والنفسية، وقد شهدت البشرية نماذج واضحة لذلك في العقود الأخيرة.

وعلى المستوى الاجتماعي الأوسع، فإن اختلال التوازن الأخلاقي، ولا سيما في مجال العدالة، يؤدي إلى تفكك المجتمعات وانهيارها. فحين تتكدس الثروة بيد فئة قليلة، ويُحرم منها الفقراء، يختل ميزان العدالة، وتبدأ عوامل الانفجار بالظهور. وفي مثل هذه الحالات لا يكون الخلل في الفقراء، بل في المترفين الذين لم يلتزموا بحدود المسؤولية الأخلاقية. وهذه القاعدة لا تنطبق على الأفراد فحسب، بل على العائلات والمجتمعات والدول.

من هنا يتضح أن الأخلاق ليست خياراً يمكن الاستغناء عنه، ولا منطقة وسطى بين الالتزام بها ونقضها. فكما لا توجد منطقة وسطى بين الصحة والمرض، لا توجد منطقة وسطى بين الأخلاق وضدّ الأخلاق. الأخلاق حقيقة أصيلة، لا تستقيم الحياة الإنسانية من دونها، وهي منهج حياة قبل أن تكون شعارات أو مواعظ.

فكما أن الجسد لا يستمر في الحياة بلا روح، لا يمكن للمسار الحضاري للإنسان أن يستمر بلا أخلاق. الأخلاق هي روح التمدن الإنساني، وأساس الحضارة. والمجتمعات التي تفقد بوصلتها الأخلاقية، مهما بلغت من التقدم المادي، يكون مصيرها التفكك والانحلال. أما المجتمع الأخلاقي، فهو مجتمع يمتلك قدرة ذاتية على تصحيح أخطائه، وعلى لفظ كل ما يهدد انسجامه، كما يفعل الجسد الحي حين يتخلص من الخلايا الفاسدة.

لكن الأخلاق، مع ذلك، لا تنمو في أي بيئة. فهي بذرة صالحة تحتاج إلى تربة صالحة. ومن هنا لا يكفي الحديث عن الأخلاق بمعزل عن تهيئة الظروف التي تثير الكوامن الخيّرة، وتحدّ من إثارة الكوامن الشريرة. فحين تُبنى البيئة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية على أسس سليمة، يصبح الالتزام الأخلاقي هو القاعدة، والانحراف هو الاستثناء، وحتى ضعاف النفوس لا يجدون مبررات كافية لانحرافهم.

وهكذا يتبين أن الأخلاق ليست مسألة ثانوية أو تكميلية، بل هي جوهر الإنسان، ومعنى وجوده، وشرط بقائه فرداً ومجتمعاً وحضارة.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م